فازت الشركات... خسر الفقراء

  بقلم:نورمان سولومون  - النهار

 

قبل يوم من الانتخابات، زرت ألبوكرك ولاس فيغاس، ورأيت عن كثب مئات الأشخاص الذين يبذلون جهوداً حثيثة لحضّ الناس على التصويت. كان معظمهم من الشبّان وبدوا مثاليين جداً. كانت أمام هؤلاء الأميركيين فرصة كي يحدثوا فرقاً وقد انتهزوها، بدعوة من نقابات العمّال ومجموعات مثل موف أون باك .

عند مشاهدة نتائج الانتخابات بعد حوالى 24 ساعة، تتّبعت الأرقام التي تصل من نيو مكسيكو ونيفادا. كان عدد الأصوات الذي حصل عليه كلّ من المرشّحين متقارباً في الولايتين بسبب ذلك التحرّك الناشط، وإلا كان بوش وتشيني ليفوزا بسهولة.

يوم الأربعاء، وبينما كان المحلّلون يثرثرون على المحطات التلفزيونية، فكّرت في مدى تجاهل الاستديوات التلفزيونية وغرف الأخبار للمثالية الناشطة للقاعدة الشعبية. في مختلف أنحاء البلاد، يؤمن ملايين الأشخاص أن ما يختارون القيام به يمكن أن يحدث فرقاً، لا بل فرقاً كبيراً. يحرّك هذا الاعتقاد العديد من الأشخاص في الحياة اليومية. لكن جزءاً كبيراً من اللغة الداخلية لهذا الالتزام السياسي يضيع في الترجمة الإعلامية. فعندما نشاهد أخباراً عن الحملات السياسية على الشاشة الصغيرة أو نقرأها في الصحف، نادراً ما يتمّ تقديم التصريحات المقتضبة على التفسيرات السطحية الصادرة عن شخصيات إعلامية مبتذلة.

ليس الشغف بالعدالة الاجتماعية موضوعاً مفضّلاً بالنسبة إلى وسائل الإعلام. في نشرات الأخبار التلفزيونية، لا تقدّم بضع ثوانٍ أو حتى بضع دقائق مخصّصة لهذا الموضوع، مادّة مهمة. لكن الأشخاص الذين رأيتهم في نيو مكسيكو ونيفادا كانوا مختلفين جداً عن الفواصل القصيرة الثنائية البعد التي غالباً ما نراها في المشهد الإعلامي. كانوا يطوفون في الأحياء ويوزّعون المنشورات ويقومون بالمهمات الشاقّة الضرورية. كانوا مصمّمين وملهِمين.

عشيّة الانتخابات، في مشروع سكني في لاس فيغاس يقطنه أصحاب الدخل المنخفض، كان الضوء خفيفاً وكانت الرياح الباردة تزداد سرعة بينما كان السكّان يفتحون أبوابهم ويأخذون المنشورات من مؤيّدي كيري. عرف التاريخ تحوّلاً بعد 24 ساعة. فقد شاهد الأشخاص الذين يعيشون هنا ويتشكلون بمعظمهم من أميركيين من أصل أفريقي ولاتين، المحطات التلفزيونية التي بثّت وقائع الفوز الانتخابي للرئيس نفسه الذي وقف طوال أربع سنوات بجانب الأثرياء على حساب الباقين.

لا مكان للحديث عن نتائج الفقر المؤلمة والمروّعة وعن مثالية النشاط الاجتماعي التقدّمي وسط إعلانات متفائلة عن كل شيء من غسول الفم إلى بطاقات الائتمان فالسيارات الجديدة. الرسالة الطاغية التي تبثّها وسائل الإعلام التي تنجرف وراء الدعاية وهي رسالة نراها بوضوح في الإعلانات وغالباً ما تتسلّل إلى محتوى وسائل الإعلام أيضاً هي أن الحياة يمكن أن تكون رائعة إذا فعلنا ما يشجّعوننا على القيام به. اشتروا المنتج (سلعة أو ذهنية سياسية واجتماعية معيّنة) إما نقداً أو من خلال الموافقة الضمنية. لا تشاغبوا فتفسدوا الأمور على الشركات.

الشبّان الذين التقيتهم في ألبوكرك ولاس فيغاس كانوا من المشاغبين. كانوا منزعجين من الرسائل المخدِّرة التي تبثّها وسائل الإعلام الكبرى، والعكس صحيح. كانوا يفكّرون ويشعرون ويساهمون في صنع التاريخ، ولا يقفون مكتوفي الأيدي لمشاهدته يمرّ من أمامهم.

لا نكفّ عن التعلّم بأن خيبة الأمل جزء من الحياة. تكون تارة عابرة وطوراً عميقة ودائمة. بالنسبة إلى من كانوا توّاقين إلى طرد جورج دبليو بوش من البيت الأبيض، يمكن تصنيف نتائج الانتخابات في خانة الخسارة الكبرى. سيكون لما جرى تأثيرات سلبية هائلة على هذه البلاد وباقي العالم. لكن الصحيح أيضاً أن الانتخابات الرئاسية في 2 تشرين الثاني 2004 هي مقدّمة لما سيلي.

تبقى هناك رسالة حيوية يوجّهها ملايين الأشخاص الذين عملوا بنشاط لتغيير النظام في واشنطن هذه السنة: لن نغضّ الطرف. نرفض أن نقبل بكل بساطة ما تغدقه علينا القوى النافذة، أي حروب أكثر، عدالة أقل، مزيد من الفوارق الاقتصادية الحادّة، وديموقراطية أقلّ. لن نستسلم. ما زلنا هنا ولن نرحل مهما تقول وسائل الإعلام.

في السنة المقبلة، ستتركّز نشرات الأخبار على تغطية حرب العراق، وعلى الحديث عن تسمية قاضٍ جديد واحد على الأقل في المحكمة العليا، واقتراحات الخفوضات الضريبية وعدد من المسائل المهمة الأخرى التي لم تجد لها هذه الانتخابات حلاً. سنكون بأمسّ الحاجة إلى المثالية المفعمة بالزخم والتحرّك السياسي الناشط.

------------

ناقد أميركي متخصّص في وسائل الإعلام الأميركية

تنشر قضايا النهار مقالاته بالاتفاق معه

(ترجمة نسرين ناضر).