مسـرحية الإنتخابات العـراقية ... صناديق مليئة بالدماء والجثـث 

 بقلم :محمـد العـبد اللـه  -دنيا الوطن
مع إقتراب الموعد المقترح لإجراء الإنتخابات العراقية المفبركة أمريكياً ، تسعى قوات الإحتلال المجرمة مع الرموز والأحزاب والقوى السياسية المنضوية تحت مظلتها، إلى تطويع إرادة الشعب العراقي الرافض للإحتلال ولإفرازاته وتكويناته العميلة،من خلال تصعيد العمليات الحربية الوحشية، عبر آليات قصف المدن بمختلف أنواع الأسلحة:الطائرات "القاذفة والسمتية"، الدبابات، المدفعية الثقيلة، الصواريخ والقنابل المحرمة دولياً، و ذلك لإلحاق أفدح الخسائر بالسكان المدنيين ودفعهم إلى الإذعان الكامل لشروط وخطط المحتل. كما دفعت إدارة الغزو بأعضاء "حكومتها" إلى رفع درجة التهديد والوعيد بحق كل المقاومين، قوىً ومدناً وبلدات .
إن المأزق الذي تعيشه القوات الأمريكية/البريطانية وتوابعها منذ أن دنست أقدامها التراب العراقي، يتعمق يوماً بعد يوم بفعل العمليات البطولية التي تخوضها المقاومة الوطنية ضد عساكر الإحتلال والمتعاونين معه. فمع زيادة وتيرة القصف والقتل والتدمير التي تلجأ لها هذه القوات تتوسع دائرة المواجهة الوطنية في التصدي لها ، فتتصلب أشكالها وتتطور أساليب القتال التكتيكية المتبعة على ضوء المستجدات المتلاحقة. يتم كل ذلك باحتضان جماهيري واسع يوفر للمقاومين ، رجالاً ونساءً البيئة الشعبية التي تمدهم بكل عوامل البقاء والنمو، وهذا ماتوضح جلياً في العديد من المدن والبلدات والأحياء العراقية التي حاول المحتل فيها سحق المقاومة، وما سامراء ، بعقوبة ، تكريت ، بَلـَد ، وشارع حيفا سوى نماذج ساطعة على رسوخ المقاومة وديمومتها، فمع استمرار العمليات الحربية العدوانية التي تنفذها قوات الغزو ضد شعب العراق البطل، تعود إلى واجهة الأحداث محافظة الأنبار العصية على التطويع والإذعان، فطوال الأشهر الماضية التي أعقبت الإحتلال، وقف شعب العراق بكل شموخ وإباء مقاوماً الغزاة مسطراً في سفر الحرية والإستقلال صفحات مكللة بالغار. وكانت مدينة الفلوجة النموذج والرمز، فقد احترقت عند مداخلها أثناء محاولة إجتياحها في شهر إبريل المنصرم عشرات الآليات، وتم قتل المئات من المارينزعلى بواباتها مما أدى إلى تمريغ العنجهية العسكرية الأمريكية بوحل حقول المدينة. ولهذا بقيت المدينة وبشكل يومي تتعرض لكل الحقد الهمجي العنصري ، فمنذ أسبوعين ، كثـفت قوات الغزو من عدوانها على أهالي الفلوجة تحت حجج كاذبة يحرص في كل مناسبة على تسويقها علاوي وبعض وزرائه. فالتهديد اليومي باجتياح المدينة يتكرر في كل وسائل الإعلام تحت دعوى وجود "الإرهابيين" المقصود بالطبع المقاومين ، وبالتالي إقحام إسم "الزرقاوي" في كل ذلك . لقد شاهد العالم وسمع عبر كل الفضائيات وشبكات المراسلين صوت أهل الفلوجة من مختلف الشرائح والأعمار، من تسخيف واستهجان لترداد إسم الزرقاوي دائماً، وربطه بمقاومتهم البطلة. هذه الشخصية "الوهمية" التي تقذفها إدارة الإحتلال وتوابعها في وجه العالم للإيحاء بأن من يقود المقاومة باقتدار وتحدي ليسوا أبناء العراق ، بل أولئك العابرون من خلف الحدود، وبالتحديد إمتدادات "القاعدة" .
لقد ساهم العديد من الإعلاميين في تعرية "اللغز المفقود" فنشرت صحيفة "الديلي تلغراف"
البريطانية يوم 4 /10 /2004 نقلاًعن مصادر استخباراتية عسكرية أمريكية قولها "إن الزرقاوي مجرد أكذوبة ، فالمقصود من الترويج لهذا الأنموذج و فظاعاته خلق شخصية شريرة للإستهلاك المحلي في الولايات المتحدة " . كما نشرت صحيفة "الغارديان" في بداية شهر أكتوبر الفائت مقالاً للكاتب "سامي رمضاني" يقول فيه :(ترفض الغالبية العظمى من العراقيين الزرقاوي وزمرته ، كما ترفضه المقاومة وأنصارها في الفلوجة وفي كل العراق،حتى أن العديدين يشكون في أن قوات الإحتلال إنما تشجع أشباه الزرقاوي. وحسب إعترافات قوات الإحتلال بأن الهجمات عليها في شهر سبتمبر وصلت إلى 2.700 عملية، فإن مايدعى بأنصار الزرقاوي أعلنوا مسؤوليتهم عن ست منها ... ست هجمات تخطف العنوان الرئيسي في الصحف وتسيطر على أخبار التلفزيون).
من هنا تبدو تفاهة الإدعاءات التي يلوكها علاوي وزمرته،من أن السبب المباشر وراء التحضير لاقتحام الفلوجة هو وجود الزرقاوي، وهذا مانفاه مراراً وفد المدينة الذي صرف الساعات الطويلة وهو يتنقل مابين الوزراء الذين عينهم الإحتلال أو أعضاء المؤتمر الوطني "مجلس النواب" الذين وافق عليهم المندوب السامي الأمريكي "نغروبونتي" . وقد دحض أحد أعضاء الوفد كل الحيل والألاعيب التي يلجأ لها علاوي، فغصن الزيتون الذي لوح به لأهل الفلوجة، رآه شعب العراق والعالم هراوة قمع وقذائف طائرات، ونافذة الحل السلمي التي بدأت تغلق كما قال أمس في قمة الإتحاد الأوربي المنعقدة في بروكسل ، لايكتفي بفتحها بل يعمل على هدم الجدران والأبواب لتعبر من خلالها قوات الغزو والمرتزقة لتدمير وذبح أهل الفلوجة. لقد حاولت قوات الغزو على مدى الأيام الأخيرة من الشهر المنصرم التحضير لعمليات الإقتحام التي تأجلت بسبب موعد الإنتخابات الأمريكية ، وذلك لإعتبارات تتعلق بالنتائج المترتبة على دخول المدينة ، التي سيتكبد خلالها الغزاة الخسائر الفادحة المترافقة مع مذابح ومجازر ستطال السكان ، مما سيؤثر في موقف الناخب الأمريكي أمام صندوق الإقتراع.فمع نشوة الفوز التي تجرعها إمبراطور الشر، وعلى أنغام الموسيقى، أدى الضباط والجنود المنتشرون على أرض العراق وبالأخص في محيط الفلوجة، رقصة الدم والموت. ففي الساعات الأخيرة مارس هؤلاء القتلة حرفتهم الرئيسية، القصف والتدمير والقنص بحق الأطفال والنساء والرجال. آلاف القذائف والصواريخ من الطائرات والدبابات تدك بشكل دائم أحياء: نزال، العسكري، الصناعي، الشهداء و الجولان تنفيذاً لسياسة الأرض المحروقة ، كتمهيد لاجتياح المدينة ، التي يستبسل المدافعون عنها بهجمات معاكسة تثير الرعب في صفوفهم وتدمر قواعدهم الخلفية. لقد تعاملت قيادة المقاومة مع كل أشكال العدوان الحالي بتكتيك عسكري رفيع يعيد للأذهان مآثر الصمود والبطولة التي سطرها المقاتلون الأبطال في نيسان الماضي. فالمقدرة على منازلة الغزاة لم تتحدد عند محيط الفلوجة، بل تمتد من غرب بغداد، فتدمير عربات التموين وقطع خطوط الإمداد تتكفل بها مجموعات خاصة تعمل بتناغم واضح مع خطوط الدفاع عن الفلوجة ، مما يشير إلى وجود قيادة واحدة ترسم الخطط وتوزع المهمات.
إن الدافع الحقيقي وراء التحضير لاجتياح محافظة الأنبار ، وتحديداً الفلوجة ومن ثم الرمادي ، هو كسر إرادة المقاومة وتطويعها. وما الإدعاءات عن الزرقاوي والمجموعات "الإرهابية" سوى محاولة إيجاد غطاء وهمي يُسَهل المذبحة ويشرعها تحت دعوى مكافحة الإرهاب، فالهدف هو إنهاء المواجهة مع الإحتلال وإعادة هذه المدن والبلدات (تقدرعددها قيادة الإحتلال بالثلاثين) المنتشرة على امتداد العراق، الخارجة على القانون "قانون الإحتلال والعمالة" إلى الولاء للحكومة / الدمية بهدف مشاركتها بمهزلة الإنتخابات المزعومة والتي يختلف على تحديد موعدها إبراهيم الجعفري "المسمى نائب الرئيس" مع علاوي، فالأول يؤكد بأن يوم 27 / 1 /2005 سيكون موعد الإنتخابات، أما الثاني فينفي من بروكسل أن يكون هناك تاريخ محدد لإجرائها. والمؤكد أن الوحيد الذي يعرف توقيتها هو نغروبونتي.

إن مايجري التحضير له في العراق من خطط لتدمير المدن عبر مجازر دموية وحشية يتم عبر صمت رسمي واضح ، فالإدارة الأمريكية بعد التجديد لها ، ستؤكد للجميع أنها سيدة العالم، وبأنها الجهة الوحيدة المخولة إعادة تركيب الدول وفق ماتراه ملائماً لمصالحها، مستندة بذلك لهيمنة القطب الواحد المدجج بترسانة هائلة من السلاح، وبأيديولوجية عنصرية رسم خطوطها الرئيسية "ليو شتراوس" المعلم والملهم لزمرة "المحافظين الجدد" التي تدير شؤون أمريكا والعالم. فاحتلال العراق ومجازر قواتها فيه ، كأمثلة: (سجن أبو غريب، تلعفر، سامراء، ديالى، النجف، كربلاء) ماهو على حد زعمهم إلا َتطبيق عملي للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. أما تابعتها بريطانيا في ظل قيادة بلير، فقد حرصت على تنفيذ أفكارها عن الحرية والديمقراطية، كاستنساخ عن المفاهيم الأمريكية، فالجرائم بحق الإنسانية التي ارتكبتها هذه القوات في مدينة البصرة والعمارة والمجر وداخل المعتقلات التي أقامتها في أم قصر شواهد متماثلة مع السلوك الأمريكي ، وما الإنجرار السريع لقواتها (البلاك ووتش) نحو بغداد لملء الفراغ الناتج عن سحب قوات الغزو الأمريكية لتتمركز في الأنبار سوى تأكيد جديد على خضوع سياستها وحركة قواتها لرغبة "سيد العالم" القابع في البيت الأبيض. أما الموقف الأوربي، كما عبرت عنه القمة المنعقدة في بروكسل فكان متواطئاً مع الإحتلال ومنسجماً مع رغبات علاوي باستثناء الموقف المتميز لفرنسا، فقد أ صر رئيسها على عدم الإجتماع بعلاوي معلناُ بذات الوقت ضرورة مراعاة طموحات شعب العراق في بناء الديمقراطية الحقيقية وإنهاء الإحتلال. فالوعود بالدعم المالي للحكومة / المهزلة لايعدو كونها تشجيعاً لسياستها الهادفة إحراق المدن العصية على التطويع لضمان سير الإنتخابات ، فأوروبا الرسمية تحاول الحصول على بعض المكاسب المالية "عقود استثمار" بالمعنى الذي وضحته الكاتبة الأمريكية المتميزة "نعومي كلاين" بدراستها المنشورة بمجلة المستقبل العربي عدد أكتوبر تحت عنوان "نهب العراق" فقد نقلت عن السناتور جون ماكين ماقاله عن العراق : (إناء عسل ضخم يجتذب أعداداً كبيرة من الذباب) ويأمل الأوربيون بأن تكون شركاتهم مثل الذباب الأمريكي " شركات هالبيرتون وبيكتل " .
إن تحركاُ رسمياُ عربياُ لوقف المذبحة القادمة أصبح ضرورة قومية وإنسانية ستجد دعمها بموقف كوفي عنان الأخير والذي تضمنته رسالته إلى بوش وبلير وعلاوي بمطالبتهم بوقف المجزرة القادمة على الفلوجة لأنها ستزيد من نقمة المدنيين وستدفعهم للمقاومة وستؤثر سلباً على مشاركتهم بالإنتخابات. كما أن تحرك القوى السياسية العربية ومنظمات العمل الشعبي وتحشيد أوسع رأي عام عالمي للضغط على الحكومات للعمل على وقف المجزرة ، سيساهم بالحد من الإندفاع العسكري الدموي نحو المدن العراقية .
إن مايلفت نظر المراقبين ذلك الصمت الذي يلف المرجعيات الدينية في النجف . فشعب العراق الموحد في مجابهة الإحتلال ، يتطلع إلى وقفة واحدة من كل أبنائه لوقف المجازر التي تستهدف محافظات الوطن ، فالرهان على بعض المكاسب الفئوية أو الطائفية يجب أن لايكون على حساب الشعب والوطن.
إن مايخيم على سماء الفلوجة يعيد لأذهاننا ماعاشه مخيم جنين ، فهل نحن أمام صمت آخر؟ لكننا بالتأكيد أمام نفس بطولات المقاومين المدافعين عن شرف الوطن وحريته .