جورج بوش و .. سياسة الخوف..

باتريك سيل...الحياة

تمثل رد فعل الرئيس جورج بوش على الهجمات الإرهابية في 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في حملة عالمية لقتل أعداء أميركا المسلمين أو القبض عليهم. وسميت هذه الحملة آنذاك «الحرب الشاملة على الإرهاب». كان ذلك مشروعاً طموحاً لكنه في رأيي ينطوي على خطأ أساسي في توجهاته إذ أنه أدى إلى عزلة أميركا وزيادة الكراهية نحوها، ولم يؤد في المقابل إلى جعلها أكثر أمناً. وهكذا رأينا أن كل النتائج السيئة المحتملة لهذه السياسة قد تحققت فعلاً.

ولعل الخطيئة الكبرى هي تلك التي نقلت تركيز الجهد العسكري الأميركي من بن لادن إلى صدام حسين - من «القاعدة» إلى العراق - رغم عدم وجود أي علاقة بين الجهتين، كما لم تكن هناك أي دلائل قاطعة على حصول العراق على أسلحة دمار شامل أو على كونه يشكل خطراً ماثلاً على أي أحد. وكانت نتيجة ذلك الحرب الكارثية على العراق التي استنزفت موارد أميركا وأساءت إلى سمعتها وجلبت الخراب والدمار إلى العراقيين. ولا يلوح في الأفق حتى الآن أي مخرج واضح لهذا الوضع.

وهكذا جاء الاتهام بـ «شن الحرب الخطأ ضد العدو الخطأ وفي الوقت الخطأ» الذي وجهه السيناتور جون كيري للرئيس بوش خلال المعركة الانتخابية التي ستحسم الأمور في هذا الاتجاه أو ذاك يوم الثلثاء 2 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وكما عرف ونشر على أوسع نطاق في الصحف الأميركية والعالمية، فإن تحويل تركيز الحرب من القاعدة على العراق كان من صنع مجموعة من المحافظين الجدد، أكثرهم من اليهود، يعتقدون بأن قلب نظام صدام حسين سيؤدي إلى تغييرات كبرى في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل. ولكي يقنعوا الرأي العام الأميركي - والرئيس بوش بالذات - بأن الحرب على العراق ضرورية بالنسبة الى أمن أميركا، أقدم عدد من المحافظين الجدد البارزين مثل دوغلاس فايث، مساعد وزير الدفاع للشؤون السياسية، ورئيسه بول ولفوفيتز نائب وزير الدفاع، على فبركة معلومات استخباراتية تظهر وجود علاقة بين صدام والقاعدة، وأن صدام أعاد بناء ترسانة أسلحة الدمار الشامل. ولعل هذه الخدعة هي أساس جميع المشاكل التي تواجهها أميركا حاليا.ً

يضاف إلى ذلك دور اليمينيين المتطرفين كنائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رمسفيلد اللذين، وإن لم يعرف عنهما التضامن مع إسرائيل، جرى إقناعهما بأن تحويل العراق إلى موقع استراتيجي إقليمي لأميركا من شأنه أن يضمن لها السيطرة على ثروات الخليج النفطية في المستقبل المنظور.

فالحرب على العراق كانت إذن نتيجة تحالف بين فريقين من كبار المسؤولين في الحكومة الأميركية، فريق يريد أن يجعل إسرائيل هي الدولة العظمى في الشرق الأوسط وفريق آخر يريد أن يجعل أميركا الدولة العظمى الوحيدة في العالم. وقد جرى تصوير هذه الطموحات الجيوسياسية على أنها أداة لنشر «الديموقراطية» و«الحرية» في العالم العربي.

ولعل الصحافي الأمريكي سيمور هيرش هو الذي فضح، أكثر من أي صحافي آخر، التزوير والتلاعب والأخطاء الفاضحة والجرائم التي ارتكبت في خضم «حرب بوش الشاملة على الإرهاب». فقد تساءل هيرش «كيف يمكن لثمانية أو تسعة من المحافظين الجدد أن يسيطروا على هذه الحكومة؟» كان ذلك في خطاب ألقاه في جامعة بيركلي بكاليفورنيا. وأضاف: «لقد تغلبوا على البيروقراطية وعلى الكونغرس وعلى الصحافة بل حتى على القادة العسكريين... بحيث أصبح من حقكم أن تتساءلوا كم هي هشة هذه الديموقراطية الأميركية».

سلسلة من الأخطاء الفاضحة

غير أن الأمر لا يقف عند تحويل التركيز من «القاعدة» إلى العراق. اذ رفضت إدارة بوش التسليم بأن الهجمات الإرهابية على أميركا كانت رداً مباشراً على السياسات الأميركية - مثل تخليها المستهتر عن أفغانستان بعد الانسحاب السوفياتي، ووجودها العسكري الكثيف في السعودية، ومعاقبتها الصارمة جداً للعراق بعد حرب الخليج عام 1991، وفوق كل ذلك دعمها الأعمى لإسرائيل في نزاعها مع العرب.

وبدلاً من الاعتراف بمواقع أخطائها وتصحيح خطواتها، دأبت أميركا على البحث عن «جذور الإرهاب» في المجتمعات العربية والإسلامية زاعمة أنها تحسد نمط العيش الأميركي وهي الغارقة في الجهل والفقر والقمع السياسي نتيجة لعنف الإسلام المزعوم وغير ذلك من الأساطير والذرائع. وظل المحافظون الجدد يغذون أميركا بهذه الذرائع الخيالية حتى أقنعوا الإدارة بأنها إذا ما أرادت أن تضمن أمنها - وأمن إسرائيل - فإن عليها أن «تصلح» العالم العربي ولو بالقوة إذا اقتضى الأمر.

هذا الإخفاق الأميركي في الاعتراف بأن منابع الإرهاب السياسية إنما تكمن في السلوك الأميركي نفسه لا في عيوب العرب لعله كان خطأ أكثر فداحة من تحويل التركيز العسكري من القاعدة إلى العراق.وتفرع عن ذلك العديد من الأخطاء لعل أهمها أن ينظر إلى خطر الإرهاب على أنه مشكلة عسكرية يجب حلها بالقوة بدلاً من أن ينظر إليها كمشكلة سياسية تحل بالتعقل والديبلوماسية الحكيمة.

وكانت نتائج هذه النظرة سلسلة من الأخطاء - نظرية الحرب الاستباقية والممارسة الأميركية الانفرادية للقوة، والميزانيات الأمنية المتضخمة، والانتشار العسكري الواسع، وتعدد القواعد - التي لم تجعل أميركا أكثر أماناً بل ضاعفت صفوف أعدائها. ولم يؤد قتل أعداد كبرى من «الإرهابيين» إلى كسب القلوب والعقول خصوصاً بعد اعتقال الألوف في شروط همجية وبعد تعذيب المعتقلين بغية الحصول على معلومات، وبعد توجيه ضربة قاضية للعراق.

وبدلاً من أن تدرك أنها منخرطة في نزاع غير متساوٍ مع عدد ضئيل نسبياً من المتطرفين كان يمكن التغلب عليهم عن طريق عزلهم عن بحر من الأنصار المحتمل انضمامهم إليهم، سمحت أميركا للمحافظين الجدد بأن يصوروا «الإسلام الشامل» كعدو رئيسي لها شأنه شأن النازية الألمانية أو الشيوعية السوفيتية، إلى حد أن المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية جيمس وولسي وصف الحرب على الإرهاب بأنها «الحرب العالمية الرابعة».

هكذا أدى جهل طبيعة النزاع - وتضخيم خطر الإرهاب ووصفه بأنه هدف القتال الشامل - إلى نتائج كارثية بالنسبة لأميركا ومجهودها الحربي، إذ جعل جميع المنتقدين والمعارضين ينخرطون في صف واحد: المناضلون الوطنيون ومقاتلو المقاومة من شتى الأطياف وشتى البلدان يتفقون وينتظمون في صفوف المجاهدين الإسلاميين. وأصبح ما كان يعتبر ظاهرة معزولة نسبيا لقبضة من المتطرفين بينهم قدماء المحاربين الأفغان وما يعانونه من مرارة، أصبح حركة مقاومة عالمية ضد القوة الأميركية.

غونتانامو وأبو غريب

وجاءت الطريقة القاسية التي اتبعتها أميركا في «الحرب على الإرهاب» لتنضم إلى أخطاء التفسير والتحليل الفاضحة التي سبقتها. وتغاضت إدارة بوش عن المبادئ الأساسية للديموقراطية فأخذت تلوي القانون كي تكون طليقة اليد في مواجهة «الأعداء الإرهابيين».

أصبح من المسلم به الآن أن محامي الإدارة، في وزارة العدل وفي البيت الأبيض، ابتدعوا حججاً كي يتجاوزوا القوانين الدولية والمعاهدات التي تمنع إساءة معاملة سجناء الحرب. ووجدوا وسيلة للقول بأن اتفاق جنيف الرابع لا ينطبق بالضرورة على «أعداء محاربين»، وأن للرئيس الحق بوصفه القائد الأعلى أن يسمح بالتعذيب. وأدت هذه المخالفة المعيبة للأصول القانونية إلى تجاوزات مثيرة للاشمئزاز في غونتانامو وأبو غريب حيث مورست أنواع رهيبة من التعذيب للحصول على معلومات عن القاعدة والطالبان والمقاومة العراقية. ولعل اللطخة التي أصابت سمعة أميركا سيصعب محوها خصوصاً أن أحداً من المسؤولين الحقيقيين لم يتعرض حتى الآن لأي مساءلة.

ومن الأمور التي لا يعترف بها المسؤولون أن تجاوز أميركا لحقوق الإنسان الأساسية أثار أعداءها إلى حد ارتكاب جرائم أشد همجية كالاختطاف وقطع الرؤوس. اذ تمت عملية الاختطاف والإعدام الأولى يوم 4 أبريل (نيسان) 2004 حين فرض الحصار وجرى القصف على الفلوجة فسقط مئات القتلى من المدنيين. وها هي ذي الفلوجة الآن تعاني مجدداً من الحصار والقصف اليومي, ولا بد لأولئك الذين نجوا من الموت أن يسعوا للثأر.

لم يكن الأفغان والعراقيون ومختلف المقاتلين العرب وحدهم الذين عانوا من تجاوز إدارة بوش للقوانين الدولية، بل أن هناك مواطنين أميركيين أيضاً جرى توقيفهم لمدد طويلة من دون أن يحق لهم الاتصال بمحام أو بأحد من أهلهم. ذلك أن قانون الوطنية (باتريوت أكت) مضافاً إلى البيروقراطية الأورويلية (نسبة إلى الروائي أورويل) التي تتميز بها وزارة الداخلية التي تضم 180 ألف موظف وميزانيتها 40 بليون دولار، كل ذلك أدى إلى مساس خطير بالحريات المدنية الأميركية.

ولا يقل خطورة عن ذلك ما فعلته إدارة بوش حين استغلت خطر الإرهاب لأغراض سياسية داخلية. فنائب الرئيس تشيني والرئيس نفسه ذهبا إلى حد اعتبار التصويت لجون كيري إضعافا لقدرة أميركا على مواجهة الهجمات. ولعل الفكرة الرئيسية التي ركز عليها الرئيس بوش في حملته الانتخابية هي المبالغة في تضخيم خطر الإرهاب كي يخيف الناس ويدفعهم إلى انتخابه. ولقد كان لمثل هذا التكتيك التخويفي - الذي يمكن وصفه بسياسة الخوف - أثره لدى الناخبين الأميركيين العاديين غير المطلعين على الأمور، لكن الكثيرين دانوه. وقد استنكر بريزينسكي مستشار الأمن القومي أيام الرئيس كارتر استغلال بوش لما يسمى بـ «الحرب على الإرهاب» كشعار فارغ ليس له أي مضمون حقيقي. أما صحيفة «نيويورك تايمز» فكتبت «إن قلب الخوف من الهجمات الإرهابية إلى دعاية تجارية في المعركة إنما يهز الثقة برئاسة بوش».

ترى هل تستطيع رئاسة كيري أن تضع حداً لهذه الاتجاهات المخزية وتصحح الأخطاء العديدة الفاضحة؟ إنها لمهمة تحتاج إلى هرقل.

٭ كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط.