أوروبا وأمريكا وبينهما إسرائيل....

ماجد كيالي ... الوطن
ثمة ملاحظة على غاية الأهمية في علاقات إسرائيل الدولية، فبينما تبدو علاقاتها بأوروبا، على صعيد الحكومات والرأي العام، مشوبة بتضارب الرؤى والسياسات والمصالح، ما يجعلها غاية في التوتّر والاضطراب، تبدو علاقاتها بالولايات المتحدة، على نقيض ذلك، أي على غاية الانسجام في كل المجالات.
معلوم أن الصهيونية نشأت على هامش المشاريع الاستعمارية الأوروبية، إزاء المشرق العربي. فأوروبا الغربية ساعدت على ترسيخ نفوذ الصهيونية السياسية بين اليهود في البلدان الأوروبية، وهي التي أغدقت عليها الدعم السياسي والمالي، وسهّلت لها تهجير اليهود إلى فلسطين، بعد انتزاعهم من أوطانهم الأصلية. وهي التي مكّنتها من إقامة مؤسسات الاستيطان: السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، فيها؛ قبل الحرب العالمية الثانية. وبعد قيام إسرائيل قدّمت أوروبا الدعم الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي والبشري لإسرائيل لترسيخ وجودها، في المنطقة العربية.
ومن دون التقليل بالجهود الذاتية، الدؤوبة والمديدة، التي بذلتها بعض النخب اليهودية، لتجسيد المشروع الصهيوني، فإن إسرائيل مدينة بوجودها واستقرارها لأوروبا الغربية تحديدا، وقبل أي أحد آخر.
وكانت أوروبا الغربية في دعمها للمشروع الصهيوني تتوخّى، في المرحلة الأولى، إيجاد حل للمسألة اليهودية في بلدانها، بتصديرها إلى الخارج. وفي مرحلة ثانية، إيجاد حليف موثوق للمشروع الاستعماري الأوروبي في قلب المنطقة العربية. وفي مرحلة ثالثة التعويض عن الاضطهاد الذي لحق باليهود في أوطانهم الأوروبية، إبّان حقبة النازية، ولكن على حساب الغير! وفي مرحلة رابعة، استخدام إسرائيل، في إطار صراعات الحرب الباردة، للحدّ من نفوذ الاتحاد السوفييتي على التخوم الجنوبية لأوروبا، أي في المنطقة العربية، الاستراتيجية للعلاقات الدولية، ولاسيما لأوروبا من النواحي: السياسية والأمنية والاقتصادية.
برغم هذه التقديمات قامت الصهيونية (وبعدها إسرائيل)، بنقل مركز ولائها من أوروبا إلى الولايات المتحدة، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، نظرا لازدياد مكانتها وقوتها على حساب أوروبا، وبحكم تواجد أكبر ثقل يهودي فيها في العالم، بعد إسرائيل، ولأسباب تتعلق بطبيعة الثقافة الأمريكية وظروف تكون المجتمع الأمريكي وطريقة عمل النظام السياسي في الولايات المتحدة.
أما التحول من جهة أوروبا إزاء إسرائيل فقد تسارع، فقط، بعد المتغيرات الدولية والإقليمية، المتمثلة بانهيار بالاتحاد السوفييتي (السابق)، وهيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي، وترسّخ مسارات "العولمة"، وانطلاق عملية التسوية من مؤتمر مدريد (أواخر 1991). وهي عوامل أدت إلى خلق معادلات سياسية جديدة، إذ إنها حرّرت أوروبا من معادلات الحرب الباردة وعالم القطبين، وأدّت إلى تغير في عوامل احتساب الدول لعناصر قوتها، بعد أن باتت القدرات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية، والقدرة إلى الوصول إلى الأسواق، واتساع المجال الحيوي، هي العوامل الأكثر أهمية، بالقياس للعوامل التقليدية السابقة، المتعلقة بالقدرات العسكرية للدول ومساحتها وعدد سكانها.
جدير بنا التذكير هنا، أيضا، إلى أن معاناة الفلسطينيين وتضحياتهم في الانتفاضة (1987ـ1993) ساهمت في كسر احتكار إسرائيل لصورة الضحية، في المجال الدولي، وأظهرتها على حقيقتها كدولة استعمارية عنصرية تمارس الإرهاب للسيطرة على شعب آخر، وهو الأمر الذي لاقى صدى واسعا في أوروبا، تجلى بتعزز التعاطف مع قضية الفلسطينيين، وبتآكل مكانة إسرائيل. وبديهي أن عدوى هذا التعاطف انتقلت من حيز المجتمعات إلى حيز الحكومات، في أوروبا، بالنظر للدور الذي يلعبه الرأي العام في هذه البلدان.
المهم أن مجموعة العوامل والتغيرات الاستراتيجية، هذه، عززت من مساعي التوحد في أوروبا، لتعظيم مكانتها، إزاء الأقطاب الآخرين، كما عزّزت من حاجتها لاستعادة مجالها الحيوي في الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا؛ وهي في كلا المجالين باتت في وضع تنافسي، من ناحيتي الرؤى والمصالح مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما برز بشكل واضح في عهد إدارة الرئيس بوش.
من ما تقدم، يتّضح أن أوروبا في كل الجوانب الاستراتيجية: السياسية والأمنية والاقتصادية لم تعد بحاجة لإسرائيل القديمة، التي تبدو كدولة استعمارية استيطانية، تنتهج الممارسات العنصرية والعدوانية، في المنطقة وضد الشعب الفلسطيني خصوصا؛ من دون أن يفهم من ذلك أن أوروبا أدارت ظهرها لإسرائيل. فما ينبغي تمييزه بدقة أن أوروبا لم تتخلّ عن دعمها لوجود إسرائيل، وأنها تدعو لتهذيب وجودها، فقط، عبر دفعها نحو الانخراط بعملية التسوية، والتخلي عن احتلالها للأراضي العربية المحتلة، على أساس مبدأ: "الأرض مقابل السلام"، والاستجابة لحقوق الشعب الفلسطيني، التي أقرّتها الشرعية الدولية، وخصوصا، حقه في تقرير المصير في دولة مستقلة في الضفة والقطاع.
مشكلة إسرائيل، مع أوروبا، تجلّت في جانبين: الأول، أنها لم تلزم الحياد في الصراع التنافسي بين الجبارين الأوروبي والأمريكي، فهي في كافة المواضيع اتخذت جانب الولايات المتحدة، وقلبت ظهر المجن لأوروبا. فإسرائيل كانت رأس الحربة في الترويج لمشروعية "الحرب الوقائية"، ولاستخدام القوة في حل القضايا الدولية، بدل الذهاب للأمم المتحدة، وهي ظلت تعزف على وتر أحقية ومشروعة القيادة الأمريكية الأحادية للعالم. أما الجانب الثاني، فتمثل برفض إسرائيل تنفيذ الاستحقاقات المطلوبة منها في عملية التسوية، ما يعيق مصالح أوروبا، في الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في هذه المنطقة. والأنكى أن إسرائيل رفضت أي دور سياسي لأوروبا في عملية التسوية، بدعوى أن دورها ينبغي أن ينحصر في التمويل فقط، على أن تولج قيادة عملية التسوية للولايات المتحدة! وتدعي إسرائيل أن أوروبا فقدت حياديتها وانحازت للعرب (والحياد بالنسبة لإسرائيل هو انحياز غير مشروط لها!)، بل إن إسرائيل وصلت حد اتهام أوروبا باللاسامية، بسبب اختلافها مع سياساتها العنصرية والعدوانية المتعارضة مع الأعراف والقوانين الدولية. ومعروف أن إسرائيل كانت، على طول الخط، إلى جانب تعزيز احتكار الهيمنة الأمريكية، على المنطقة العربية، مقابل تحجيم النفوذ الأوروبي فيها، وقد قامت بهذا الدور لصالح الولايات المتحدة، في الملفين الفلسطيني والعراقي، وبكل ما يتعلق بما يسمى الحرب الدولية على الإرهاب.
هكذا فإنه في معظم الملفات الاستراتيجية: الدولية والإقليمية، الأمنية والسياسية، وبما يتعلق بالقيادة الدولية، فثمة أمر بيّن وهو هذا التماهي المطلق في المصالح والأولويات والرؤى، بين حكومة شارون وإدارة بوش، وهذا التماهي بالطبع يأتي على حساب العرب، وأيضا، على الضد من مصالح أوروبا؛ التي تريد قيادة جماعية للعالم، بدل قيادة القطب الواحد، والتي تغلب لغة الدبلوماسية والحوار، بدل لغة الحرب. والتي تريد الأخذ في اعتبارها بمصالح كل الأطراف، وسيادة القيم العالمية، المتمثلة بحق تقرير المصير والاختيار الحر والتعددية والتنوع، بدلا من التركيز على المصالح الأحادية والمعايير المزدوجة، بدعوى أن الدول الديمقراطية والغنية والقوية يحق لها ما لا يحق لغيرها!
وتفسير موقف أوروبا، هذا، إنما يكمن في طبيعة تطورها التاريخي: السياسي والثقافي والاقتصادي، وفي مصالحها في الأمن والاستقرار في هذه المنطقة، وفي واقع الجوار الجغرافي والعلاقات التاريخية، التي تربطها بالعرب، في مختلف المجالات، ولاسيما الثقافية والاقتصادية والسياسية.
أما الانحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل، والذي توج بتوقيع الرئيس بوش لقانون "معاداة السامية"، مؤخرا، فهو يستمد قوته، من واقع التشابه في التجربة التاريخية، بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فكلاهما كيانان قاما على الاستيطان، وعلى محاولة محو السكان الأصليين، أو تذويبهم. وكلاهما قاما بوسائل القوة، وبدعوى مبررات دينية وادعاءات حضارية. أيضا ثمة عوامل ثقافية ودينية، تنبع من النفوذ القوي لتيار "الانجليين الجدد"، في المجتمع الأمريكي، ومن اعتبار إسرائيل دولة ديمقراطية حديثة، ومن قوة اللوبي اليهودي ذاته. وهذه العوامل بالنسبة للولايات المتحدة، التي تبعد آلاف الأميال عن حوض المتوسط، والتي تفتقد للخبرة في شؤون المنطقة وثقافتها ومعرفة طريقة ردود فعلها، تجعلها تغلب المصالح الإسرائيلية، على مصالحها مع العرب، إلى درجة تبدو معها مستعدة لاصطناع مشاكل خلافية حتى مع أوروبا، كرمى لعيون إسرائيل! ولعل هذا بالضبط ما يفسر هذا التماهي والتناغم بين إسرائيل والولايات المتحدة، وهذا يفسر أيضا التقرير الذي أصدرته الخارجية الإسرائيلية، قبل أيام، وحذرت فيه من أن صعود النفوذ الأوروبي، على حساب الولايات المتحدة سيكون على حساب إسرائيل.

*كاتب فلسطيني متخصص في الشؤون الإسرائيلية