القرار 1441 وفتيل الحرب !

 

د: عبد الحسين شعبان*

 

          شهدت الأسابيع الأخيرة الماضية تطورات جديدة بشأن الأزمة العراقية بعد أن أصبحت المقدمات تشير إلى أن الهجوم العسكري الأمريكي ضد العراق بات وشيكاً وأن الخطط اللوجسـتية جاهزة، سـواء التحضير للحرب ونقل القوات وتهيئـة القواعـد واستخدام حاملات الطائـرات، أو تهيئة الظروف السياسـية والاستراتيجية إقليمياً ودوليـاً.

          فبعد صدور القرار 1441 من مجلس الأمن في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2002 بالإجماع، سـعت الولايات المتحـدة للحصول على تأييـد دول حلـف شـمال الأطلسي (الناتو-nato) وذلك في اجتماع براغ، رغم أن الموقف الفرنسـي- الألماني وما عُرف مؤخراً بالمبـادرة الفرنسية - الألمانية، التي انضمت إليها روسـيا ووافقت عليها الصين، قد جعلت موقف حلف الناتو غير موحد، بل يعاني من انشقاق واضح، اتسع بتنديد واشنطن بموقف فرنسا وألمانيا لرفضهما شـن الحرب ضـد العراق خارج نطاق قرار جديد من مجلس الأمن، وخارج نطاق الأمم المتحـدة والشـرعة الدوليـة بعد استنفاذ الحلول السلمية.

        وقد وصف رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي المحور الفرنسي- الألماني بأنه يعود إلى أوربا "القديمة" داعياً إلى تغييره في حين اتهم كولن باول بشكل غير دبلوماسي أو بروتوكولي موقف فرنسـا وألمانيا وبلجيكا بأنه يسعى لإنقاذ الرئيس العراقي صـدام حسين وانذر الأمم المتحدة بأنها ستفقد أهميتها إذا فشلت في التحرك ضد العراق مشيراً إلى أن"لحظة الحقيقة تقترب بسرعة" وذلك في معرض شهادته أمام الكونغرس.

          وقال صحافي في صحيفة الواشنطن بوست الواسعة الانتشار، بأن مواقف فرنسا تقتضي أن تتغير لتنظم إلى التحالف الدولي ضد العراق وإلاّ كان لزاماً تغيير موقعها في مجلس الأمن كدولة دائمة العضوية، باستبدالها بالهند.

  ورغم أن مواقف روسيا ظلّت متأرجحة إلا أن الموقف بشكل عام، لم يكن يميل إلى الحرب لاعتبارات خاصة وعامة، كما أن موافقة ألمانيا للسماح بفتح أجوائها أمام الطائرات الأمريكية لم يلغِ معارضتها وفرنسا بشأن اندلاع الحرب ورفضهما الانخراط فيها، أو تقديم حماية لتركيا في حالة شن الهجوم ضد العراق واحتمال تعرضها كدولة عضو في الناتو إلى رد عراقي محتمل.

 التطورات التي شهدتها ساحة الصراع والأزمة العراقية يمكن تلخيصها بما يلي: -

أولاً: عودة المفتشين الدوليين :

          أعلنت الحكومة العراقية بعد ضغوط ووساطات دولية وإقليمية استعدادها لعودة المفتشين الدوليين إلى العراق وتسهيل مهماتهم. ولم تخفف هذه الخطوة الإيجابية رغم أنها متأخرة من استبعاد نذر الحرب وحّمى التهديد العسكري.

          جدير بالذكر أن المفتشين الدوليين غادروا العراق عشية عملية "ثعلب الصحراء" في كانون الأول (ديسمبر) عام 1998. فقد عاد كل من هانز بليكس ومحمد البرادعي، على رأس فريق التفتيش الذي ضم ممثلين عن  انموفيك ((UNMOFIC

والوكالة الدولية للطاقة الذرية لكن هذه العودة حملت الكثير من الشك بنجاح مهمته ومن الجهة الأخرى حملت مرارة العراق من التعامل مع فريق التفتيش، حيث ظهر لأكثر من مّرة ضلوعهـم وباعتراف بعضهم،  بمهمات تجسسية واستخبارية وتعرضهم  لضغوط  خارج مهمتهم مما  اضطر عدد من كبار المفتشين إلى  الاستقالة احتجاجاً.

          باختصار يمكن القول أن الثقة بين الحكومة العراقية ولجان التفتيش كانت مهزوزة، فهي تتهم لجان التفتيش بالتجسس، وهم يتهمونها بإخفاء معلومات مما عّطل أوعرقل بعض مهماتها في السنوات السابقة وعاظم من انعدام الثقة بين الطرفين وضاعف من عوامل اشتداد الأزمة وخصوصاً وأن واشنطن كانت تدفع بهذا الاتجاه.

          ولذلك فإن إبداء الحكومة العـراقية اسـتعدادها لعودة المفتشـين بدون قيـد أو شرط وكذلك الاستعداد للتعاون مع لجان التفتيش لانجاح مهمتها، يعتبر تطوراً جديداً  في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة. ورغم انعقاد أمال كثيرة على أن تنجح هذه اللجان في مهمتها وتنـزع فتيل الحرب إلاّ أن الآمال تبددت بتصعيد لغـة الحرب والعدوان الأمريكي ووصول الأزمة إلى طريق مسدود. 

وقد ضاعف ذلك من معاناة العراق الناجمة عن الحصار الدولي الجائر الذي دام نحو 13 عام، وكان ينبغي أن يتم وضع حد لهذه المعاناة خصوصاً التعاون مع لجان التفتيش وتدمير الأسلحة وفقاً للمادة 22 من القرار 687  الصادر في 3 نيسان (أبريل) 1991 والمعروف "أبو القرارات".

          جدير بالذكر أن هذا القرار  يتألف  من  34 مادة و3900 كلمة  ويعتبر أطـول وأغرب  قرار في  تاريخ الأمم المتحدة، وقد عّـوم سـيادة العراق وجرح كرامتـه وارتهن موارده ومستقبله لآجال طويلة. ولا يمكن لعراق المستقبل التحرر من تبعات هذا القرار والقرارات الأخرى  الصادرة عن  مجلس الأمن، إلاّ بقرار واضح وصريح من مجلس الأمن، لأن هذه القرارات غير محددة بسقف زمني وهي لا تتعلق بالحكومة العراقية الحالية، بل تتعامل مع العراق كدولة وكيان وشعب، ولهذا فإنها سوف لا تسقط أتوماتيكياً بتغيير النظام الحالي. وستكون هناك أسئلة تواجه المستقبل وبخاصة الموقف من الحصار الدولي ونظام العقوبات والتعويضات والديون وغيرها.

ثانياً : صدور القرار  1441 :

          صدر القرار1441 بعد صراع طويل ومرير في مجلس الأمن وخارجه، خصوصاً بعد أن هددت الولايات المتحدة، بأنها ستضطر إلى القيام بإجراء انفرادي ضد العراق في حالة عدم ترخيص الأمم المتحدة لها باستخدام القوة أتوماتيكياً. ولم يكن هذا التلويح مجرد إجراء  ابتزازي  يراد منه التأثير على إرادة الدول داخل مجلس الأمن إلاّ انه كان يعني مدى تصميم الولايات المتحدة على حسم موضوع حربها ضد العراق من جهة وعلى مدى استهانتها بالقانون الدولي وبالشرعة الدولية والأمم المتحدة من جهة أخرى.

ورغم التمنعات السابقة للحكومة العراقية، فإنها وافقت على قبول القرار1441 قبل 48 ساعة من انتهاء الموعد الأخير الذي حدده مجلس الأمن. وللأسف فقد سبق الموافقة إخراج بائس لمسرحية سمجة وساذجة حين رفض "البرلمان العراقي”القرار بالإجماع وأحال الأمر إلى القيادة ممثلة بمجلس قيادة الثورة ورئاسة الجمهورية، الذي وافق عليه.

          ولعل دبلوماسـية الإجماع المصطنع  هي نهج "عراقي"بامتياز، فقد سبق هذا الإجمـاع، "إجماع الشعب" بأكمله باستفتاء "بيعة لتجديد انتخاب رئيس الجمهورية لدورة جديدة مدتها سبع سنوات.وكانت الحصيلة فوز الرئيس بنسبة 100 %. ولا شك أن هذه النتيجـة هي غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات ويمكن اعتبارها ماركة مسجلة قياساً لنسبة الـ 99 %  السابقة والتي سارت عليها العديد من البلدان العربيـة والعالمثالثية.

      ورغم أن الحكومة العراقية كانت بهذا السيناريو تريد أن تقول للعالم بان هناك إجماعا حتى وإن كان مصطنعاً، يقبل بمبايعة الرئيس وأن جميع أفراد الشعب العراقي يرفضون العدوان الأمريكي، لكن مثل هذا السيناريو كان له دلالات أخرى، تكمن في أن الإجماع "العراقي”هو شكل من أشكال مصادرة الوعي حيث زاد الأمر التباساً وشكوكاً وسخرية، فهل يعني ذلك أن المجتمع العراقي بلا اختلاف أو معارضة؟ 

      لقد زادت هذه المسرحية من وجهة النظر السلبية عالمياً إزاء حال حقوق الإنسان في العراق، فالاستفتاء  تم على مرشح واحد وعدم وجود معارضة  دلّ على عدم صدقية مثل هذا الاستفتاء أو البيعة حسب المصطلح الحكومي.

      وإذا كان ليس بإمكان المواطن رفض الاستفتاء فان عدم وجود أوراق بيضاء أو أوراق تقول "لا"، لا يدّل على ظاهرة سوّية، بقدر ما هي ظاهرة مرضية  خطيرة جراء  نهج الاستئثار واحتكار العمل السياسي لسنوات طويلة.  فالاختلاف من طبيعة الأشياء، وهو أحد عناصر يقظة الوعي ففيه تنبجس الدلالة وتستدل على الحقيقة ولا اعتقد إن مجتمعاً بلا معارضة أو اختلاف هو مجتمع حي، بل أن ذلك ضرب من المحال، وإنْ وجد مثل هذا المجتمع فهو مجتمع ميت.

 ولا أعتقد أن المجتمع العراقي بتكويناته الفكرية والثقافية وتنوعه القومـي والاثني واتجاهاته السياسية والدينية المختلفة هو مجتمع ميت، بل انه مجتمع حيوي رغم التسلط  والبوليسية والعقوبات الدولية ولو كان هناك الحد الأدنى من التمتع بالحريـات لوجدت عشرات المرشحين وعدد غير قليل من التنوع في البرامج السـياسية  الانتخابية. ولا اعتقد أن أي مرشـح مهمـا كـانت درجـة نفـوذه وتاريخـه  وخدماته  للمجتمع العراقي يمكن أن يحظى بنسبة الـ 100% فما بالك بمرشح لديه هذا العدد الكبير من المعارضين والخصوم والأعداء.

ومهما قيل عن القرار  1441  بأنه مخالف للقانون الدولي وميثـاق الأمم المتحدة وأن هدفه الحقيقي هو خلق الذرائع للعدوان على العراق بغطاء دولي وهذا صحيح وهو ما ذهب إليه أيضا  الأستاذ ناجي صبري الحديثي  وزيـر الخارجية العراقي، إلا أن الموافقة العراقية  رغم ما تضمنه القرار من سوء حسبما ورد في مذكرة وزير الخارجية العراقي، فإنها جاءت لتأخير الهجوم في محاولة لتجنيب العراق والمنطقة والعالم شرور النزعات العدوانية خصوصاً إذا نجحت في نزع فتيل الحرب لاحقاً.

أن تعاطي الحكومة العراقية بشكل مرن مع المجتمع الدولي كان يمكن له أن يوفر أرضية مقبولة دولياً لدرء العدوان خصوصاً خلال السنوات الماضية، إذ أن مأساة الشعب العراقي آخذت تـثير سخط أوساط واسعة من الرأي العام الدولي بما فيها داخل الكونغرس الأمريكي ومجلس العموم البريطاني والعديد من البرلمانات الأوربية ومنظمات حقوق الإنسان وهيئات المجتمع المـدني الثقافيـة والأكاديمية والاجتماعية المختلفة، وكذلك كان بإمكانها الاستفادة من الصراع داخل الإدارة الأمريكية، فحتى موافقة العراق الحالية  فان بعض الصقور اعتبرها  "كابوسا" لأنه يعرقل الخطط الحربية للهجوم.

ويعتقد البعض أن الرئيس العراقي صدام حسين لم يمتثل للقرار  1441 إلا تكتيكياً، وسيحاول الالتفاف عليه كما حصل في مرات سابقة. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن القرار 1441 هو قرار مبطّـن ويستهدف محق ما تبقى من السيادة العراقية وقد صيغ بجزئية تعجيزية متّعمدة  لإحراج الحكومة العراقية وهو ما سنحاول تحليله لاحقاً. على أن الامتثال  إليه من جانب  العراق  وإن لم يسقط خيار الحرب إلاّ انه قد يساهم  في تأجيلها وقد تدفع الانشقاقات والاصطفافات الأوربية والإقليمية والدولية إلى خيارات أخرى،  تكون الحرب أخرها.

ثالثاً: إعادة الأرشيف الوطني الكويتي

بادرت الحكومة العراقية على إعادة الأرشيف الوطني  الكويتي، الذي سمّاه القرار 687  "أبو القرارات "بالمنهوبات الكويتية.  وان كان إعادته ولو بعد حين مسألة إيجابية وهي محاولة لتبيض الصورة وإسدال الستار على  الماضي، إلا أنها تمت في ظرف تصاعد التهديدات الدولية والأمريكية تحديداً. ولا ادري لماذا احتفظت الحكومة العراقية بالأرشيف طيلة الـ 12 عاماً الماضية.كما بادرت الحكومة العراقية لاحقاً على  إعادة  بعض التحف والممتلكات الكويتية، التي احتفظت بها طيلة الفترة الماضية.

 أن هذا الأمر يثير الكثير من الشكوك حول جدية إغلاق الملفات العالقة، ويثير تداعيات الكويتيين المطالبين بالإفصاح عن نحو 600 أسير في حين تؤكد الحكومة العراقية عدم وجودهم، وتطرح ضعف عددهم باعتبارهم مفقودين عراقيين أيضا في حرب  الخليـج الثانية. أن مثل هذه التصرفات غير الرصينة وغير المدروسة أو الممهد له بعناية تلقي تهماً إضافية حول  صدفية  نوايا  الحكومة العراقية، حتى وأن كانت إيجابية لكنها تعيد إلى الأذهان ما قيل سابقاً وما يقال حالياً  وكذلك حول الهدف من إبقاء  هذه الملفات في حوزة الحكومة العراقية طيلة اثنتي عشر عاماً ونيف.

حيثيات القرار  1441 : قرار حماية أم حرب إبادة !؟

أمهل  القرار  1441  الصادر عن مجلس الأمن الدولي  في 8 تشرين الثاني (نوفمبر)  بالإجماع  العراق سبعة أيام للموافقة على استئناف عمليات التفتيش الدولية على أراضيه دون قيد أو شرط، وقدمته بريطانيا والولايات المتحدة.

ارتكز القرار على جميع القرارات السابقة ذات الصلة ولاسيما القرارات  661 المؤرخ في  6 أب (أغسطس) في نهاية  1990، و678  المؤرخ في  29  تشرين الثاني (نوفمبر)  1990  و686 المؤرخ في  2  آذار (مارس)  1991  و687  المؤرخ في  3 نيسان  (أبريل)  1991  و688  المؤرخ في  5 نيسان (أبريل)  1991  و707  المؤرخ في  15 آب (أغسطس)  1991  و715  المؤرخ في  11 تشرين الأول (أكتوبر)  1991  و986  المؤرخ في  14  نيسان (أبريل)  1995  و1284  المؤرخ في  17 كانون الأول (ديسمبر)  1999.

كما أشار القرار 1441 إلى القرار 1382  الصادر في  29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 وعزمه على تنفيذه تنفيذاً كاملاً.

وتناول  القرار 1441  التهديد  "الذي يتعرض له السلم والأمن الدوليين من جراء عدم امتثال العراق لقرارات مجلس (الأمن) ونشره أسلحة الدمار الشامل  والقذائف البعيدة المدى... "

وأكد مضمون القرار 687  المعروف باسم "أبو القرارات" الذي  "خّول الأعضاء باستخدام جميع الوسائل اللازمة للتقيّد بقراره  660  (1995)  المؤرخ في آب (أغسطس) 1995  وجميع القرارات ذات الصلة...  وتنفيذها ولاعادة إرساء السلام والأمن الدوليين في المنطقة... ".

وتناول القرار 1441 في إشارة جديدة علاقة الحكومة العراقية بالإرهاب، حين أشار إلى عدم امتثالها للالتزامات المترتبة عليها عملاً بالقرار 687 (1991) فيما يتعلق بالإرهاب.

كما جرت الإشارة على نحو واضح وصريح إلى القرار 688 (1991) فيما يتعلق بوقف القمع الذي يتعرض له السكان المدنيون في العراق وتوفير سبل وصول المنظمات الإنسانية الدولية إلى جميع أولئك الذين يحتاجون إلى مساعدة. عملاً بالقرارات 686 و687 (1991) و1284(1999) ) كما أشار إلى معرفة مصير رعايا الكويت ورعايا البلدان المختلفة الذين يحتجزون في العراق وحق إعادة الممتلكات الكويتية التي استولى عليها العراق دون وجه حق.

وأشار القرار بوضوح ودون لبس أوغموض إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة عندما قرر :

1-  أن العراق كان وما يزال في حالة خرق جوهري لالتزاماته المنصوص عليها في القرار 687 لا سيما امتناعه عن التعاون مع مفتشي الأمم المتحدة والوكالـة الدولية للطاقة الذرية (إشارة إلى الفقرتين 8و13 من القرار 687).

2-  منح العراق فرصة أخيرة للامتثال لنـزع سلاحه.

3-  امتثال العراق لتقديم إعلانات عن نـزع سـلاحه كل سنتين إلى لجنـة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش والوكالة الدولية للطاقة الذرية وإلى المجلس في موعد لا يتجاوز 30 يوماً من تاريخ هذا القرار بياناً دقيقاً ووافياً عن الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية والنووية والقذائف البالستية.  

4-  تحذير العراق فيما إذا قدم بيانات زائفة أو أغفل بعض الأمور بما يعني عدم امتثاله لهذا القرار وبما يشكل "خرقاً جوهرياً إضافياً... "

5-  التعاون مع لجان التفتيش فوراً ودون قيد أو شرط ويجوز للأمم المتحدة إجراء مقابلات داخل وخارج العراق وتيسير سـفر الأشخاص وأفراد أسـرهم إلى الخارج ودون حضور مراقبين من الحكومة العراقية وأن يستأنف ذلك في موعد أقصاه 45 يوماً وأن يقدم تقريراً مستكملاً في غضون 60 يوماً "تنتهي يوم 14 شباط 2003

6-  تأكيد اعتبار رسالة الفريق عامر السعدي ملزمة للعراق

7-  تأكيد أحكام القرار 1154 لسنة 1998 بشأن حرية تنقل المفتشين وتفتيش جميع المواقع بما فيها القصور الرئاسية وحق لجان التفتيش على العراق بتزويدها بأسماء جميع الأشخاص الذين لهم علاقة ببرامجها التسليحية (العلماء العراقيون). 

أكد على حماية أعضاء طواقم التفتيش من أي اعتداء وذلك في إطار تحذير شديد كما قرر إبقاء المسألة قيد نظر مجلس الأمن. وحسب المعلومات التي توفرت فإن العراق دّمر أكثر من 95% من قدراته التسليحية وهو ما أكدته لجان التفتيش وهنا نود أن نشير بالذكر إلى تقارير سكود ريتر الذي أخذ يصرح على رؤوس الأشهاد وفي المحافل الدولية وفي شهادته أمام الكونغرس الأمريكي أن لجان التفتيش دّمرت أسلحة التدمير الشامل وأن العراق لا يشكل أي تهديد لأحد.

وهنا لابد من استذكار تصريح توني بلير رئيس الوزراء البريطاني من أن الهجوم العسكري على العراق في ديسمبر 1998 أستهدف تدمير المواقع العراقية التي صوّرتها الأقمار الصناعية وهو ما كان قد قام به أكيوس الذي سبق سكود ريتر ورغم عمل لجان التفتيش حالياً منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2002 وحتى الآن فانهم لم يكتشفوا أي سلاح يذكر.

ولم يكشف تقرير الحكومة البريطانية الذي قدمه توني بلير بخصوص معلومات عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل إلاّ عن فضيحة سياسية كبيرة إذ أدعى طالب عراقي أمريكي الجنسية اسمه المرعشي أن المعلومات كانت قد وردت في أطروحة كان قد قدمها إلى إحدى الجامعات في وقت سابق وأن المعلومات التي جرى الاقتباس منها دون الإشارة إلى أطروحته هي معلومات قديمة مما أضطر ناطق باسم الحكومة البريطانية إلى تقديم نوع من "الاعتذار"، ولكنها مع ذلك ظلّت ماضية في طريقها مع الولايات المتحدة بشأن حربهما ضد العراق.

ولعل الفضيحة كانت أمريكية أيضاً حين استند كولن باول وزير الخارجية الأمريكي في تقريره الذي قدمه إلى الأمم المتحدة على معلومات التقرير البريطاني الذي أعلنه توني بلير وذلك بالإشادة به.

 كما أن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول ورئيس الولايات المتحدة  جورج دبليو بوش لم يقدما أي معلومات ادعيا أنها في حوزتهما بشأن امتلاك العراق أسلحة تدميرية. وكل ما فعلاه هو ابتزاز مجلس الأمن والأمم المتحدة بضرورة تشـديد الضغط على العراق واستصدار قرار جديد يخول الولايات المتحدة باستخدام القوة ضده.

وحسبما يبدو فإن الولايات المتحدة شنت حملة "ثعلب الصحراء "لتقطع الطريق على إمكانية رفع الحصار عن العراق حين تم الإيعاز إلى ريتشارد بتلر لمغادرة العراق ثم قامت بتوجيه ضربة صاروخية جوية ضد المنشآت والمرافق العراقية. ومع الأسف فإن العراق لم يتعاط بصورة جدية تتسم بالعقلانية وبعد النظر إزاء هذا الوضع الخطر مما جعل الأمور تتفاقم متخذة بُعداً خطيراً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإجرامية التي حصلت في الولايات المتحدة عام 2001.

أن محاولة الإشارة إلى الإرهاب التي وردت في الفقرة 32 من القرار 687 وتضمينها في القرار الجديد 1441 هي محاولة لإلصاق علاقة العـراق بتنظيم القاعدة وبن لادن وذلك باستثمار ما حدث من رد فعل ضد الإرهاب الدولي أعقبت أحداث أيلول (سبتمبر). وذلك لكي تكون هذه الفقرة سيف مسّلط على العراق يمكن اسـتخدامه كلما وجدت فرصة لذلك. ولم تثبت الوقائع عن وجود علاقة أو تعاون بين تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن، وكل ما قيل هو من باب زيادة حجم الاتهامات ضد العراق. ولعل شريط الكاسيت الذي وجهه بن لادن مؤخراً عبر قناة الجزيرة الفضائية (أوائل شباط - فبراير 2003) ما يؤشر إلى الموقف السلبي لتنظيم القاعدة وبن أتدن تحديداً من العراق ومن الاتجاهات "الاشتراكية" التي ندد بها متهماً إياها بالكفر.وتجاهل القرار 1441 الإشارة إلى الفقرة 14 من القرار 687 التي تنص على ضرورة إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة التدمير الشامل، خصوصاً وأن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تمتلك اكثر من 200 قنبلة نووية منذ بدأت برنامجها النووي في مفاعـل ديمونا بمساعدة فرنسـا عام 1955 وكذلك أسلحة كيماوية وجرثومية يجري تجديدها باستمرار وترفض الانضمام إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وترفض أي تفتيش لمنشأتها.

          لقد أجاز القرار1441 الحق للجان التفتيـش في استجواب العلماء العـراقيين والهـدف هو انتـزاع هؤلاء عن طريق الترهيب والترغيب وحرمان بلدهم منهم ومن قدراتهم العلمية، بل جعلهم يشعرون بالذنب، إزاء تطويـر قدرات بلدهم العلمية. ولعل إصدار قرارات من الكونغرس الأمريكي تنـص على منـح هؤلاء الإقامة الدائميـة في الولايات المتحدة فـوراً فيما إذا تعاونوا معها، وذلك في محاولة لشراء ذمم أوتلفيق تهم.

 لعل الصيغ الغامضة بشأن الأعمال العدائية ضد المفتشين ما يمكن اعتباره خرقاً مادياً، إذ أن مجرد الرد على طائرات قوات التحالف الأمريكي - البريطاني يمكن أن يشكل مثل هذا التهديد وهو ما تحاول استثماره بعيداً عن الأمم المتحدة التي لابّد من الرجوع إليها في أي خلاف بين العراق ولجان التفتيش.

القرار اليتيم والتائه :

صدر لحد الآن نحو 60 قراراً منذ الغزو العراقي للكويت عام 1990. وإذا كان القرار 687 يشكل علامة بارزة في سلسلة القرارات وبخاصة بعد انتهاء حرب الخليج وتحرير الكويت، فانه كّبل سيادة العراق وجـرح كرامته وارتهن موارده، فبموجب هذا القرار وعلى أساسه صدرت قرارات أخرى وظل الشعب العراقي يدفع الثمن باهضاً.

أن القرار 688 الصادر في 5 نيسان (أبريل) 1991 ويكاد يكون القرار الوحيد من بين جميع قرارات مجلس الأمن الذي انتصر للشعب العراقي حين تحدث عن كفالة احترام حقوق الإنسان لم يصدر ضمن الفصل السـابع، ولهذا ظل يتيماً، كما أصبح تائهاً لأنه لا أحد يرعاه، فلا مجلس الأمن الذي أصدره جعله ضمن أولوياته ولا الولايات المتحدة التي تصر على تطبيق العراق لجميع القرارات الدولية تصر على تطبيقه اسوة بالقرارات الأخرى، ولا الحكومة العراقية التي وافقت على قرارات دولية مجحفـة ومذلّـة توافق عليه، ليمكن إجراء التغيير سـلمياً والاحتكام إلى الشعب، ولا المعارضة العراقية بما فيها الوطنية أعملت الجهـد والفكـر وعبأت الطاقات والإمكانيات لكي تدفع بهذا القرار إلى الصدارة وتدعو المجتمع الدولي إلى اعتماده بدلاً من الحلول العسكرية. وهكذا ظل القرار منسـياً، فلا أحد يتذكره في زحمة المشاريع الدولية والإقليمية وقصور وجهات النظر السياسية كما ظل القرار مهملاً من جانب القوى المتنفذّة في المجتمع الدولي.

أن أهمية هذا القرار تكمن في أنه يتعلق بالشعب العراقي وبكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين خصوصاً بوقف القمع الذي يتعرض له السكان المدنيون في المنطقة الكردية وبقيـة مناطق العراق كما ورد في القرار، مشدّداً على أن هذا القمع يعتبر تهديداً لسلم وأمن المنطقة والعالم. وفي الوقت الذي يتم فيه الاستعداد لحرب غير مقدسة أساسها الاستحواذ على النفط والتحكم بهذه السلعة الناضبة وبأسعارها إذ يقدر أن يكون سعر البرميل 5 دولارات، وفرض الهيمنة على دول المنطقة وأحكام قبضتها الستراتيجية لإعادة ترتيب أوضاعها ضمن سايكس بيكو جديدة، يتم إهمال القرار 688.

 ولعل التذكير بالقرار 688 في قرار مجلس الأمن 1441 يعطي فرصة جديدة ومناسبة للدعوة إلى تطبيق القرار 688 وتوفير حل سلمي بـدلاً من الخيار العسكري، علماً بان القرار 1441 صدر ضمن الفصل السـابع الخاص بالعقوبات واستناداً إلى المواد  39 و40 و41 و42 من ميثاق الأمم المتحدة، مما يعطي حجية أكبر للقرار 688 وفي ذلك تطور جديد. فإذا ما أصر مجلس الأمن على تطبيق كامل مواد القرار 1441 فعليه أن يأخذ بالحسبان تطبيق القرار 688 الذي نص عليـه في متنه، وهذا يعني فيما يعنيه إجراء انتخابات حرة وتأمين اختيار الشـعب لممثليه في إطار احترام الحقوق السياسية لجميع المواطنين. ويمكن أن تكـون الانتخابات بإشراف دولي وعربي مقبـول لضمان نـزاهتها وصدقيتها وإلزام جميع الأطراف بنتائجها.

لعلي هنا أثير سابقة ظلت ملتبسة ومثار جدل واختلاف في الفقه الدولي واعني بها مسألة "التدخل الإنساني"وهو ما حصل بالنسبة لمفهوم القرار 688 الذي صدر في العام 1991 بانتهاء نظام القطبية الثنائية والحرب الباردة. فلم يعرف الفقه الدولي سابقة واضحة قبل صدور هذا القرار، إذ لم يحدث أن أتخذ مجلس الأمن منذ قيام الأمم المتحدة قراراً يدعو إلى احترام حقوق الإنسان والتنديد بالقمع الذي يتعرض له السكان المدنيون، معتبراً ذلك تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين، إذ لم يكن بالإمكان اتخاذ مثل هذا القرار في ظروف الصراع الأيديولوجي السابقة وحمّى الاستحواذ على مناطق النفوذ.

إن مفهوم "التدخل الإنساني"الذي اتسع نطاق الآخذ به في ظل ما يسمى بالنظام الدولي الجديد (رغم كل ما على الأخير من سلبيات وتحفظات) إلاّ أنه ما زال يثير الكثير من الهواجس، بعضها يرجع إلى ثقافة الحرب الباردة،والآخر يعود إلى الطريقة الانتقائية والازدواجية،التي تعاملت بها الولايات المتحدة وحليفاتها مع المجتمع الدولي بخصوص مبدأ"التدخل الإنساني"حيث حاولت أن تسخّره لأغراضها ومصالحها الخاصة والأنانية الضيقة.

وبهذا المعنى فان القرار 688 يثير التباس وتشوش واختلافاً حتى لدى بعض دعاة حقوق الإنسان، خصوصاً ما له علاقة مع مبادئ القانون الدولي المعاصر والقانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان.

فالسيادة وعدم التدخل بالشؤون الداخلية وتوفير الحماية الدولية من الهدر السافر لحقوق الإنسان ناهيكم عن التدخل لأغراض إنسانية يثير تداعيات كثيرة بين مفاهيم وتيارات ومصالح. وقد اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان في الدورة الـ 54 للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في أيلول (سبتمبر) 1999 بأن الأولوية هي للاعتبارات الإنسانية على غيرها من الاعتبارات الأخرى، وهو ما أكده إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة بمناسبة الألفية الثالثة، التي انعقدت بحضور نحو 160 زعيماً عالمياً في أيلول (سبتمبر) عام 2000، خصوصاً في حالة حدوث انتهاكات خطيرة وجسيمة وتلحق أضرارا واسعة بأعداد كبيرة من السكان بما يؤدي إلى تهديد السلم والأمن الدوليين (كما ورد في القرار 688).

أن الاحتكام إلى القرار 688 في هذه الظروف بالذات هواحتكام إلى سماع صوت الشـعب العراقي الذي ظل مغّيباً وبين المطرقة والسندان، بين نار الحصار والحرب ونار الاستبداد الطويل الأمد. فبينما يتكلم الجميع باسم الشعب العراقي لم يستشـره أحد وهو لم يخول أحد النطق باسـمه في أجواء من الحرية والسـلم والأوضاع الاعتيادية. ويبقى صندوق الاقتراع فيصلاً في اختبار شرعية أي حكم بالإرادة الحرة وهو ما يمكن أن يوفره في الظروف الراهنة تطبيق القرار 688.

أستطيع القول، أن القرار 1441 وأن أجلّ الحرب أو العمليات العسكرية لنحو أربعة أشهر إلاّ انه سيشكل مدخلاً وغطاءً لتبرير الهجوم العسكري، إذ أن قرار الحرب كان قد أتخذ وحاولت الولايات المتحدة ابتزاز الأمم المتحـدة بأنها قد تلجأ إلى إجراء انفرادي. وهو ما ستقوم به سواء انشق حلف الناتو أو عاد إلى الالتئام، أو صدر قرار جديد من مجلس الأمن يرخّص اسـتخدام القوة أو لم يصـدر وسواء تعاون العراق أو لم يتعاون وسواء وجدت أسلحة الدمار الشامل أو لم توجد فهي ماضية في قرار الحرب إذ لم يعد هناك بالإمكان فرصة لنـزع فنيلها حتى هذه اللحظة.

 

 

كاتب وباحث عربي د.في القانون الدولي