على أعتاب حرب جورج بوش

صبحي حديدي*
على إيقاع طبول الحرب الأمريكية (ولا مناص من استخدام هذه الاستعارة، لأنها تظلّ الأنسب والأفضل والأصدق تصويراً لواقع الحال)، ودّعنا عاماً قديماً واستقبلنا سواه الجديد. وثمة أكثر من طنبور يضيف المزيد من الأنغام إلى الإيقاع العسكري الذي تعزفه دوائر البنتاغون، وفي وسع المرء أن يراهن أنها أنغام كونية تعددية، تأتي من إمارة قطر تارة (حيث يتدرّب اليانكي على فصول الدم القادمة، وهم بين ظهراني أبناء العمومة!)، أو من بريطانيا طوراً (حيث لا يزيد توني بلير في الطنبور نغماً واحداً، بل عشرات الأنغام!)، دون أن ننسى بلغاريا مثلاً (حيث اهتدت العنصرية السلافية القديمة إلى مادّة جديدة لممارسة الحقد والكراهية)، أو حتى أفغانستان (حيث يمارس بعض "الأفغان الجدد"، المتأمركين على نحو كاريكاتوري شائه مشوّه، الكثير من الشماتة في "هؤلاء العرب الإرهابيين"!).
وعلي إيقاع الطبول ذاتها استقبلنا العام الجديد بافتتاحيات يكتبها كبار المعلّقين في كبريات الصحف الأمريكية، لا تذهب إلى حدّ أقصى وغير مسبوق في البذاءة والاستهتار والخفّة فحسب، بل تتجاوز كلّ ما هو مقبول (أخلاقياً، في أقلّ تقدير) من كاتب يحترم سلام البشرية: تقديس الحرب، والحرص على إذكاء نارها، وإبداء الخشية من أن يقع مكروه يحول دون اندلاعها! نعم، ثمة اليوم مَن يخشي على الحرب من "ربع الساعة الأخير"، أي من تدخّل دبلوماسي ما، أو قرار عراقي دراماتيكي ما، أو خَوَر من نوع ما يصيب الرئيس الأمريكي أو أياً من صقور البنتاغون! وعلى سبيل المثال، وفي مقالة له في "نيويورك تايمز"، يخشى توماس فريدمان من ظهور يفغيني بريماكوف جديد، يذهب إلى بغداد ويقنع الرئيس العراقي بضرورة "كشف البطانية" وإظهار ما تحتها من سلاح (صواريخ سكود، وليس صفائح الكيماوي فقط!)، فيستجيب صدّام حسين، على عكس ما فعل في أشهر 1990 ـ 1991، و.. تفشل جهود الحرب!
أو خذوا، مثالاً ثانياً، فريد زكريا الذي يكتب في "نيوزويك" مطالباً الولايات المتحدة بشنّ الحرب اليوم، الآن الآن وليس غداً، لأنّ "الضغط [في سبيل شنّ الحرب] سوف يتبدّد، والطقس سيجعل النزاع مستحيلاً إلى أن يحلّ الخريف القادم"! تخيّلوا هذا الكاتب، الذي يحسب للبنتاغون الوقت، والضغط، والطقس! ماذا يخشي أيضاً؟ أن "تشكّ قطر والكويت في المصداقية "الحربجية" عند الولايات المتحدة، فتأبيا بالتالي رفع الأعناق مرّة أخرى تأييداً لواشنطن؛ وأن تربح فرنسا وروسيا المزيد من الوقت والزخم لكسب التأييد في مجلس الأمن؛ وأمّا في الداخل الأمريكي، فإنّ استمرار هذه الحال غير الواضحة، وارتفاع أسعار النفط، وانخفاض الاستثمارات في الأعمال، سوف تقعد الاقتصاد الأمريكي". وعلى الإدارة أن تدرك التالي: الحرب الآن، وإلا فلا فرصة أخرى!
الجبهة الفكرية (أو "في الخنادق الفكرية" كما ينبغي أن نقول، لأنّ طبول الحرب تُقرع هناك أيضاً)، تحتاج إلى وقفة أكثر تفصيلاً، لأنها في الواقع أكثر رصانة من ذلك القصف المدفعي الذي يأتينا من أمثال توماس فريدمان وفريد زكريا. في خنادق هذه الجبهة مطلوب منّا أن نعيش حقبة ما بعد 11 أيلول (سبتمبر)، تماماً على النحو الذي طولبنا فيه أن نعيش مرحلة الـ "ما بعد" في كلّ شيء: ما بعد الحرب الباردة، ما بعد الحداثة، ما بعد المجتمع الصناعي، ما بعد الإيديولوجيا، ما بعد الشيوعية، ما بعد التاريخ، ما بعد السياسة... الحال الآن، وكأنها الحال عشية سقوط جدار برلين، شبيهة بعالم أحادي تماثل وتشابه وتعاقب على ذاته ومن أجل ذاته، حتى بات من المحال ــ وربما من المحرج ــ الحديث عمّا هو سابق، عن الـ "ما قبل" أياً كانت الظواهر التي سبقته. كأنّ كل شيء حدث لتوّه، كما يستغرب الباحث الأمريكي دافيد غريس في كتابه المثير "دراما الهوية الغربية": العالم يخلع أرديته واحدة تلو الأخرى، من العقلانية والرومانتيكية والثورية، إلى تلك الرجعية والوثنية والمحافظة، مروراً بالليبرالية والرأسمالية والاشتراكية والشيوعية.
ولكن إذا توجّب، بالفعل، أن نعيش في حقبة ما بعد 11 أيلول، فلماذا يتوجّب أن تكون هذه حقبة الخير ضدّ الشرّ والحضارة ضدّ البربرية والتسامح ضدّ الأصولية، فقط لا غير، وضمن هذه الثنائيات المانوية الغائمة العائمة على سطوح الظواهر والمظاهر؟ ولماذا ينبغي أن نعيش هذه الحقبة الجديدة وكأنّ شيئاً لم يطرأ على ملفّات العصر الأخرى (الكبرى... الكبرى!)، مثل زحف العولمة، وانتصار اقتصاد السوق، وانكماش العالم إلى قرية صغيرة؟ ولماذا لا تكون حقبة ما بعد 11 أيلول نذيراً باقتراب مراحل الـ "ما بعد" في هذه الأقانيم التي يتغنّي بها الغرب كلّ يوم: العولمة، اقتصاد السوق، العالم في هيئة قرية صغيرة؟
لسنا ــ نحن أبناء الشرق، الذين يسهل اتهامهم بالشطط وانفلات المخيّلة من كلّ لجام عقلاني ــ لسنا وحدنا مَن يرتاب اليوم في أن تكون عمليات نيويورك وواشنطن الانتحارية نذيراً ببدء العدّ العكسي في ظواهر ومظاهر لاح، ساعة سقوط جدار برلين، أنها طرأت لكي تبقى إلى الأبد، سرمدية، كونية، لا مفرّ منها في كلّ تاريخ وجغرافية وثقافة، في كلّ اجتماع وسياسة واقتصاد، هنا مثل هناك، طال الزمان أم قصر...
خذوا، علي سبيل المثال فقط، ما كتبه مؤخراً جون غراي في أسبوعية
New Statesman البريطانية، تحت عنوان "انتهي عصر العولمة"، حيث حاجج بأنّ الشيوعية فشلت وحاول اقتصاد السوق فرض نموذجه الطوباوي الخاصّ على البشرية، إلا أنّ ما جرى في أمريكا يوم 11 أيلول ينبغي أن يؤذن بنهاية تلك الحملة الصليبية. لماذا؟ لأنّ اليقين الذي ساد خلال العقد الماضي (حول نهاية التاريخ، وصعود الليبرالية التجارية في سياق مدّ لا تقاومه أمّّة أو سوق أو ثقافة أو فلسفة) اهتزّ من جذوره أمام مشهد انهيار برجَي مركز التجارة الدولي تماماً كما تنهار قصور الكرتون، وبات طبيعياً أن يهتزّ إيمان الأسواق بحصانة العولمة.
ولكي ننزّه آراء غراي عن الوقوع تحت ضغط الحدث الراهن والتأثّر بفورة الحماس الآنية، هذه الفورة التي أخذت تلهم تسعة أعشار الآراء كما يحدث عادة في أزمنة المحنة والمنعطفات والوقائع الخارجة عن المألوف، نشير إلى أنّ الرجل أعرب عن مواقف مماثلة قبل وقت طويل من تدشين حقبة ما بعد 11 أيلول . ففي كتاب متبصّر وغير متعجّل، صدر في بريطانيا قبل سنوات قليلة بعنوان "الفجر الزائف: ضلال رأسمالية العولمة"، اعتبر أستاذ الفكر الأوروبي في مدرسة لندن للاقتصاد أنّ الديمقراطية واقتصاد السوق في حال تنافس وليس في حال شراكه، وأنّ تجارب اقتصاد السوق القديمة والحديثة برهنت ــ في أوقات الأزمة خصوصاً ــ على سطوة الدولة أكثر من سطوة السوق، وعلى خضوع اليوتوبيا للسياسة الواقعية التي تفرضها المصالح والأجندات السرّية، وليس الاستثمار والتنافس الحرّ وقوانين الأسواق.
ليس هذا رأي المبشّرين القائلين بأنّ انتصار القِيَم الغربية ساعة سقوط جدار برلين هو في الآن ذاته انتصار لليوتوبيا الوحيدة المتبقية في حوزة الإنسانية، اليوتوبيا العليا والقصوى والأخيرة على هيئة "خاتم البشر" الذي بشّر به فوكوياما، واليوتوبيا التي يُراد لنا أن نسلّم بخلوّها تماماً من الأزمات والهزّات والتشوّهات. كأنّ التاريخ لم يعرف فترات الركود الرأسمالية الطاحنة، وكأنّ اقتصاد السوق الحرّ في إنكلترا (مهد ولادة هذا الإقتصاد وميدان تطبيقه الأوّل) لم يشهد آلام العيش اليوميّ في كنف سياسات مفقرة وظالمة اجتماعياً، من بالمرستون إلى مارغريت ثاتشر.
ففي نظر هؤلاء المبشّرين لا يبرهن الاختراع الغربي للرأسمالية وللعلم وللديمقراطية الليبرالية على نجاح منقطع النظير فحسب، بل هو يتقدّم حثيثاً لاجتياح العالم القديم والعالم الحديث في آن معاً، ما قبل الحرب الباردة وما بعدها، ما قبل الحداثة وما بعدها، ما قبل التاريخ وما بعده. أكثر من ذلك، لم يتردد هؤلاء في الجزم بأنّ القرن الواحد والعشرين سوف يكون أوّل قرون الرأسمالية الصافية الصرفة، إذا ما تذكّرنا أنّ القرن العشرين خالطته شوائب غير صغرى مثل الشيوعية والنازية والفاشية والأصولية! فماذا يقولون اليوم في اعتلال هذا القرن الرأسمالي الصافي منذ السنة الثانية في تدشينه، على يد حفنة رجال مستعدّين لممارسة الانتحار الجماعي، وليس على يد الجيوش والقنابل النووية والبورصات العملاقة؟
وأمّا إذا أشاح المرء بنظره بعيداً عن هذه المخططات الوردية للعالم القادم، وحدّق مليّاً في ما يجري اليوم بالذات في الولايات المتحدة وأوروبا، فإنّ الهويّة الغربية الظافرة يمكن أن تبدو قويّة مدجّجة بالسلاح والعتاد والمال والأسواق، ولكنها ليست تلك الهوية الظافرة المطمئنة الآمنة. ففي قلب أوروبا، في البلقان التاريخي مهد الحروب والسلام، ثمة جولات مباغتة لا تهدأ الواحدة منها حتى تندلع الأخرى، في حروب إثنية ومذهبية قيل إن نهاية التاريخ قد أجهزت عليها مرّة وإلى الأبد. وهذه، في الجوهر العميق، أمثولة فاضحة حول حضارة غربية متخمة بالتكنولوجيا والعلم والليبرالية، ولكنها أيضاً مختنقة بمواكب اللاجئين والمشرّدين والجائعين والقتلى لأسباب إثنية أو مذهبية مناهضة تماماً لفكرة الأنوار والعقل والمدنية.
وقبل حقبة 11 أيلول التي يريدوننا أن نبدأ منها وحدها، ألا تبدو مشاهد تلك المواكب وكأنها تنسف تماماً صورة الهوية الغربية المعاصرة، السابحة بأمان واطمئنان في عوالم وردية من الرفاه والإستقرار والعلم والتكنولوجيا والليبرالية، تعبر الثقافات والأمم كما السكّين في قالب الزبدة؟ ألا تبدو هذه المشاهد وكأنها استعادة طبق الأصل لكلّ أحقاب الـ "ما قبل" في الحكايات الكبري للحضارة الغربية، من اليونان القديم، إلى روما القديمة، إلى رحلة كريستوفر كولومبوس، إلى عصر الأنوار والحداثة؟
مفهوم الـ "ما بعد"، إذاً، هو أيضاً هذه اليقظة البربرية، وهذا الانهيار في مبدأ الاستراحة الإستراتيجية للمحارب القديم، وهذه الجولة المباغتة في حروب قيل لنا إنها انقرضت مرّة وإلى الأبد، وفي حروب أخرى لم يكن العقل البشري يسمح بتداول سيناريوهاتها إلا في روايات الخيال العلمي وأفلام الكوارث. إنها، أيضاً، عاقبة شبه حتمية لعجز مجتمعات ما بعد الحرب الباردة عن التلاؤم مع الأقانيم الغربية الظافرة أولاً، ثم سعي تلك المجتمعات إلى صياغة أقانيمها الخاصة التي لا بدّ أن تدخل في تناحر واسع النطاق (وخيم العواقب) مع القِيَم التي تدعو إليها دول ومجتمعات وأنظمة سياسية ـ اقتصادية تحمل عبء إدارة الكون والتخفيف من مآسيه وآلامه وصدوعه وحروبه ومجاعاته.
والآن ــ في حقبة ما بعد 11 أيلول كما عند انهيار جدار برلين، وعشية الغزو الأمريكي للعراق كما في صبيحة "عاصفة الصحراء" ــ سوف يدخل الغرب في مرحلة مراجعة راديكالية للذات وللهوية، أشدّ إيلاماً من أية مراجعة مماثلة أو نظيرة في العالم الثالث. والأرجح أن النظام الغربي التقليدي الذي حقّق انتصاراً على ذاته بعد انهيار جدار برلين (الذي كان، في نهاية المطاف، صناعة غربية بامتياز) لن يتمكن من إعادة تصنيع ذاته المعولَمة، بيدٍ تفتح بوّابات اقتصاد السوق وأخرى تغلقها بدافع محاربة "أموال الإرهاب". والمواجهة الكونية الحقّة تجري على امتداد العالم، كلّ يوم، حول مئات الملفات، وفق قوانينها الباردة المستقلّة، وبمعزل عن الانقسام التقليدي بين غرب وشرق. وإذا كان مركز التجارة الدولي ، تماماً مثل شطيرة الـ "بيغ ماك"، أكثر حضوراً على جدول الأعمال من أية أيديولوجيا تالية، فإنّ لهذا المركز وتلك الشطيرة تاريخهما الجدلي المتحرّك، في الـ "ما قبل" وفي الـ "ما بعد" على حدّ سواء.

 

السيد فائق الشيخ علي، المحامي والمعارض العراقي المقيم في لندن، كان ــ دون ريب! ــ يمارس السخرية السوداء حين علّق على تركيبة "لجنة المتابعة" المنبثقة عن مؤتمر المعارضة العراقية اللندني، قائلاً: "هذه لجنة عظيمة. ينقصها اسمان فقط هما صدّام حسين وعلي الكيماوي"، أي علي حسن المجيد الذي يؤمن الكثيرون أنه كان وراء قصف بلدة حلبجة الكردية بالأسلحة الكيماوية. سخرية سوداء، ولكنها في الآن ذاته نقد أشدّ سواداً. وفي باطن الكلام ما يشبه تجاوز السخرية والنقد إلى توجيه الاتهام المباشر (كما تفعل اليوم منظمة "هيومان رايتس واتش" ضدّ وفيق السامرائي، الرئيس السابق لجهاز الإستخبارات العسكرية، والعضو الحالي في لجنة المتابعة)، وما يشبه إعلان وفاة مؤتمر المعارضة العراقية.. في المهد، أو في الرحم، قبل الولادة!
السيد احسان عبد الوزير، الناطق باسم الحركة الإسلامية التي تضمّ عرباً وأكراداً من السنّة، يذهب أبعد في منطق الاتهام هذا.. أبعد بكثير في الواقع: "إذا لم يكن للسنّة تمثيل كافٍ في حكومة المستقبل، فإنّ البلد مهدّد بحرب أهلية". والرجل، الذي تعارض حركته حرب الولايات المتحدة ضدّ العراق، يعتبر أنّ "المؤتمر تمّ طبخه على نحو يحصر تمثيل السنّة في أولئك الذين ترضي عنهم أمريكا، واستبعاد الذين يعارضون سياساتها".
السيد جمال الوكيل، ممثّل حركة الوفاق الإسلامي الشيعية، أعلن انسحاب حركته ومعها أربعة فصائل شيعية أخرى، احتجاجاً على "احتكار وهيمنة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية للتمثيل الشيعي". وإذْ أكد الوكيل حرص الحركة على إنجاح المؤتمر، إلا أنه رفض أية "وصاية على التيار الإسلامي"، وقطع الشوط الأخير الحاسم حين اتهم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بـ "التآمر للخروج بلجنة متابعة دكتاتورية".
هذه مجرّد نماذج، أسقطنا منها أمثلة أحمد الجلبي وجلال الطالباني، المنهمكين في توزيع عقود النفط منذ الآن؛ وكنعان مكية (سمير الخليل سابقاً) و "مجموعة الـ 32"، التي صاغت وثيقتها حول مستقبل العراق بمعرفة وإشراف مندوب وزارة الخارجية الأمريكية توم وريك؛ وإياد علاوي زعيم "حركة الوفاق الوطني"، المتباكي على نقص وانتقاص "التمثيل العربي في المؤتمر" (!)؛ والعشائر العراقية التي عقدت مؤتمرها في مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية في لندن، وطالبت بأخذ دور القبائل بعين الاعتبار في بناء مستقبل العراق؛ و"المجلس العام للأكراد الفيليين" الذي قدّم ورقة عمل تطالب باتخاذ قرارات (نعم: قرارات، وليس توصيات مثلاً!) مناسبة "تضمن الحقوق الوطنية والقومية للأكراد الفيليين وإعادة المهجرين منهم في إيران"..
ووسط هذا الوطيس الحامي، ماذا يفعل زلماي خليلزاده، المندوب السامي الأمريكي إلى مؤتمر لندن؟ ثمة عبارة أولى جاءت على لسانه تقول: "الولايات المتحدة لا تريد صدّامية من غير صدّام"، أي لا تريد أن يتحوّل الرهط المحتشد هنا في لندن إلى مشاريع "صدّاميات" و"صدّامي" المستقبل العراقي، سواء في المستويات السياسية أو العسكرية، أو تلك الطائفية والإثنية. وثمة تهديد ووعيد كان خليلزاده يبرزه مثل بطاقة حمراء كلما احتدم التقاتل: الجنرال فرانكس خيرٌ لنا، ولا بدّ أنه خيرٌ للعراقيين و.. أبقي! وثمة، ثالثاً، تلك الغمغمة الغامضة العجيبة التي تبعث القشعريرة في نفوس الفرسان من صانعي مستقبل العراق: لا نريد حرباً مع العراق. نريد أن ينصاع صدّام لقرارات الأمم المتحدة. ونريد التحرّر والحرية للشعب العراقي. نأمل في تفادي الحرب. الكرة في ملعب السيد [صدّام] حسين .
أهي حقاً في ملعب صدّام حسين؟ ألا يريدوننا أن نؤمن أنها باتت في ملعب أحمد الجلبي، والشريف علي بن الحسين، وباقر الحكيم، ومحمد بحر العلوم، وجلال الطالباني، ومسعود البرزاني، وإياد علاوي، وصفية السهيل، وبيان الأعرجي؟ هل يعقل أن يكون المؤتمر بأسره مسرحية للضغط على النظام العراقي، تماماً كما يفعل البنتاغون حين يسرّب، بين حين وآخر، خططاً عسكرية لغزو العراق؟ في عبارة أخرى، هل من المبالغة الإرتياب في أنّ السيناريو الأمريكي الوحيد لعراق ما بعد صدّام حسين هو الجنرال تومي فرانكس، وليس الجنرال أحمد الجلبي أو رئيس أركانه الجنرال جلال الطالباني؟ واستطراداً، أهؤلاء حقاً هم الفرسان الذين سوف تعتمد عليهم واشنطن لقيادة العراق، ثمّ العالم العربي بأسره ربما، على طريق الديمقراطية والتحرّر والمجتمع المدني واحترام حقوق الإنسان والأقليات وإشاعة الليبرالية وإطلاق اقتصاد السوق، الخ.. الخ..؟
الواجب، البسيط الحقيقي النزيه الفعلي، يقتضي أن تكون الإجابة: لا و لا كبيرة كبيرة. ولنبدأ من الحقائق المدرسية، الهامّة للغاية مع ذلك. لقد أشرنا من قبل، وفي مناسبات عديدة للأسف، إلى مرارة التجربة الكردية مع القوي العظمى، والخناجر العديدة التي تلقّاها الكردي في ظهره من أمم تزعم الحرص على تحرّر الشعوب وحقّ تقرير المصير، وكيف أنّ تلك الخناجر ينبغي أن تشكّل دروساً بليغة ــ ودامية مأساوية ــ توضع على جدول أعمال كلّ وأيّ فصيل سياسي كردي يوشك على عقد تحالف جديد مع الغرب.
وبالمثل، لا يمكن للجماهير العراقية الشيعية أن تنسى الدروس ذاتها، حين حرّض الجيش الأمريكي شيعة الجنوب على التمرّد والانفصال، ثمّ تخلّوا عنهم، بل سمحوا للمروحيات العراقية بالتحليق في سماء الجنوب وقمع ما سُمّي آنذاك بـ "الانتفاضة". وإذا كانت الأحزاب الكردية تعرف أنّ حلمها بتشكيل دولة مستقلة يشكّل محرّماً وخطاً أحمر بالنسبة إلى تركيا وإيران وسورية على حدّ سواء، فإنّ شيعة الجنوب يعرفون أنّ إيران هي الدولة الوحيدة التي تدعم أية محاولة للانفصال عن بغداد. وما دامت إيران عضواً في "محور الشرّ" الذي حدّده جورج بوش، والمؤلّف من العراق وإيران وكوريا الشمالية، فإنّ أحلامهم في تشكيل كيان مستقلّ محكوم عليها بالفشل منذ الآن.
ومن جانب آخر، يشكّل الشيعة أكثر من 55% من نسبة السكان في العراق، والبعض يتحدّث عن 60% مقابل 20% للعرب و20% للأكراد. ولهذا فإنّ من المنطقي أن تكون للشيعة حصّة الأغلبية في أيّ نظام ديمقراطي في عراق المستقبل. ولكن هذا التفوّق الديموغرافي يعاني من انقسام جماهير الشيعة وتوزّعهم على تيارين دينيين رئيسيين تفصل بينهما خلافات جوهرية أحياناً. فـ "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية"، بزعامة حجة الإسلام محمد باقر الحكيم، تأسس في عام 1982 بعيداً عن التأثير الإيراني في البداية، ولكنه انتهى إلى الحضن الإيراني، حيث مقرّه اليوم في طهران. ويتبع هذا الحزب جناح عسكري يُعرف باسم "لواء بدر"، يتألف من بضعة آلاف من الجنود العراقيين الشيعة، وقد لعب دوراً أساسياً في إشعال انتفاضة مارس 1991 في الجنوب. كذلك ينفي الحزب أية صلة مع الولايات المتحدة، ويرفض استلام أيّة حصّة من مبلغ الـ 97 مليون دولار الذي خصصه الكونغرس الأمريكي لـ "المعارضة العراقية".
المجموعة الشيعية الثانية هي "حزب الدعوة"، الذي أسسه آية الله باقر الصدر سنة 1968، وينتشر عناصره في عدد من البلدان العربية (سورية ولبنان وبعض دول الخليج)، لأنه يقول بمبدأ الاستقلال عن إيران، ولا يقتدي بالنموذج الإيراني في تسليم الحكم إلى رجال الدين، ولا يؤمن بقاعدة "ولاية الفقيه". ورغم أنّ الحزب يدعو إلى العمل المسلح واستخدام أساليب العنف، فإنّ تيارات ليبرالية أخذت تظهر في صفوفه مؤخراً. ذلك لا يعني أبداً أنّ صفوف الجماهير الشيعية لا تضمّ شرائح علمانية، يسارية وديمقراطية وليبرالية، تنقسم في آرائها بين مؤيد ورافض للتدخّل العسكري الأمريكي في شؤون العراق.
هنالك، أيضاً، المجموعات الداعية إلي إحياء الملكية الهاشمية التي سادت في البلاد بين 1921 و1958، وسقطت نتيجة انقلاب عسكري قاده عبد الكريم قاسم. وإلى جانب الشريف علي بن الحسين (إبن خالة فيصل الثاني آخر ملوك العراق) الذي ينشط مباشرة في صفوف المعارضة العراقية بوصفه وريث العرش، هنالك الأمير الحسن بن طلال (عمّ ملك الأردن ووليّ العهد السابق) الذي حضر مؤتمراً للضباط العراقيين المعارضين انعقد في لندن قبل أشهر، وأعطى الكثير من المغزي لمسألة الحصّة الهاشميّة من الكعكة العراقية.
وبصرف النظر عن حقيقة تمثيل أو عدم تمثيل الشارع العراقي، أهذه المعارضة هي الفرس التي يراهن عليها البيت الأبيض، والكونغرس، وطائفة واسعة من الكتّاب والمعلّقين في أوروبا، وفي الولايات المتحدة بصفة خاصة؟ ثمة أولئك الذين يستعيدون واجب محاربة محور الشرّ ، فيقبلون بفصائلها (عجراً أو بجراً كما يُقال)، ويتحمّسون لها دون سؤال أو جواب. وثمة أولئك الذين يستعيدون الصيغة الأفغانية، فيدغدغهم حلم تحويل العراق إلي قاعدة عسكرية واسعة غنيّة واستراتيجية، أو نسخة عن غوانتانامو كبيرة مزروعة مثل شوكة في خاصرة العالم العربي وفي قلب قوس الإسلام التاريخي. وثمة أولئك الذين يستعيدون مثال الجنرال الأمريكي دوغلاس ماك آرثر في زحفه علي طوكيو وفرض الديمقراطية رغم أنوف اليابانيين.
المسألة، مع ذلك، أكثر تعقيداً وتشابكاً، وليس فقط لأنّ العديد من رجال هذه المعارضة يحملون علي الأكتاف الكثير من الشرور والجرائم المرتكبة بحقّ الشعب العراقي، بكلّ فئاته وطوائفه وأعراقه، وليسوا أبداً بدائل صدام حسين. المسألة الفعلية ما تزال تدور حول المعادلة الأمريكية الكبري المعتمدة في السياسة الخارجية، أي المعادلة القديمة ـ المتجددة التي لا تكترث إلا ببلوغ المصالح الأمريكية أياً كان الثمن، وتعتبر كلّ ما عدا ذلك تفاصيل قابلة للتكييف أو التعديل أو حتى الإهمال التامّ.
وأمّا مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان وتوطيد مؤسسات المجتمع المدني فإنها آخر ما يضعه المخطّطون السياسيون والعسكريون في اعتباراتهم حين يجري سرد محاسن، أو مساوئ، غزو هذا البلد أو ذاك عسكرياً. وفي مثل حال العراق، يكفي أن يكون هذا البلد حاملاً لأخطار محتملة ضدّ المصالح الأمريكية في مبدأين حاسمين على الأقلّ (الحفاظ على النفط متدفقاً رخيصاً، والحفاظ على أمن الدولة العبرية)، لكي تسقط جميع الاعتبارات الأخرى من فلسفة التخطيط، ومن حسابات الربح والخسارة.
وتبقي الكلمة ـ المفتاح والتفصيل الأهمّ، ربما، في اختيار زلماي خليلزاده مندوباً سامياً إلى مؤتمر المعارضة العراقية، أي: النفط.. دون سواه. والأرجح أنّ الجلبي والطالباني، وهما الأمهر في شؤون التجارة والمتاجرة وكانا الأكثر انشغالاً بحكاية عقود النفط، كانا في الآن ذاته الأفضل معرفة بماضي الرجل الأمريكي ـ الأفغاني، ابن بلدة "مزار الشريف"، الموظف الرفيع السابق في شركــة النفــــط الأمريكية
Unocal، المشهورة بعقد الصفقات القذرة مع الحكومات الاستبدادية، المرتبطة على نحو وثيق بملفّات النفط في آسيا إجمالاً والجمهوريات الإسلامية ــ السوفييتية سابقاً ــ بصفة خاصة، المتورّطة في خصومات قانونية شتى مع منظمات حماية البيئة وحقوق الإنسان.
وكما كان تعيين خليلزاده مندوباً أمريكياً في أفغانستان بمثابة النذير الأوّل الدالّ على البُعد النفطي في الحرب على أفغانستان، فإنّ تسليمه الملفّ العراقيّ اليوم هو النذير الدالّ على ما لا ينبغي أن ينساه الشعب العراقيّ، الواقع بين مطرقة النظام الدكتاتوري وسندان المعارضة التهريجية: النفط العراقي أغلى من دماء العراقيين، وشتّان.. شتّان بين بئر النفط وصندوق الاقتراع!

 

خلال أحد المؤتمرات الصحافية التي اعتادت وزارة الدفاع الأمريكية عقدها في الآونة الأخيرة، باغت رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال ريشارد مايرز، القاعة بتلاوة نصّ مكتوب يحذّر العراق من استخدام الدروع البشرية. وقال مايرز إنّ العراق أعلن أنه "سيجّند متطوعين من دول عربية وغربية ليخدموا كدروع بشرية يجري نشرها لحماية المواقع الحساسة". وحذّر الجنرال الأمريكي من أنّ هذا الإجراء "ينطوي على تجنيد متعمّد لمدنيين أبرياء من أجل وضعهم في طريق الأذى إذا حصل صراع (...) وأودّ أن أشير إلى أنه أمر غير قانوني بموجب القانون الدولي للصراع المسلح استخدام أناس غير مقاتلين وسيلة لحماية أهداف محتملة. وإذا فعل العراق ذلك فإنه لا ينتهك هذا القانون فحسب، بل سيعتبر جريمة حرب في أي صراع".
هل أنهى البنتاغون كلّ ترتيبات القتال اللوجستية، ولم يبقَ على جدول المهامّ العاجلة سوى هذا التحذير؟ وانظروا مَن الذي يتحدّث عن ضرورة الالتزام بالقوانين الدولية حول الصراعات المسلحة: كبير بلطجية معتقل غوانتانامو، حيث تخرق الولايات المتحدة كلّ قوانين البشرية، قديمها وحديثها، تلك التي تخصّ الصراع مثل تلك التي تنظّم السلام! وتأملوا كيف فات الجنرال، الأريب عادة، أنه يتحدّث في أيّام تذكّر بواحدة من أكثر مجازر الولايات المتحدة دموية وبشاعة وبربرية: مجزرة العامرية!
ومنذ سنتين كانت المصادفة قد شاءت أن تمرّ هذه الذكرى في أيّام تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد، جورج بوش الابن دون سواه، وها هي مصادفة مماثلة تجبرنا علي استعادة المجزرة، موضوعة في سياقات حرب جديدة وشيكة ستتيح لأمريكا ممارسة المزيد من الوحشية العارية، خصوصاً وأنّ اثنَين من جزّاري حرب الخليج الثانية (ديك شيني وكولن باول) ارتقيا اليوم إلى مصافّ أعلى في آلة القرار، وآلة القتل.
ومجزرة العامرية أمثولة أوّلاً، وأمثولة ثانياً وثالثاً وعاشراً... وإذا كان لأحد أن يراهن على جفاف الذكرى قياساً على جفاف الدماء وانزلاق الزمن، فإن طبول الحرب الراهنة لا تعيد التذكير بما لا يُنسى بسهولة فحسب، بل هي تعيد تركيبه في الضمير على نحو يجعلنا ــ نحن الذين، نقول ونكرّر القول، لم تفلح براغماتية العقد المنصرم في هدينا إلى جادّة الصواب مثل سوانا ــ أعمق عداءً للوحش الأمريكي الذي يتصدّر إمبريالية أطلسية قديمة ـ جديدة. ولا ريب أنه يجعلنا أكثر عناداً في الانحياز إلى الضحية ضدّ الجلاد.
العامرية اليوم لا تختلف قيد إنملة عن العامرية 1991، أو عن العامريات جمعاء. إنها، الآن كما في الماضي، ذكري قصف الحلفاء لملجأ مدني مئة في المئة؛ وذكري سقوط مئات المدنيين، من نساء وأطفال وشيوخ، ضحية انفلات التكنولوجيا العسكرية الأمريكية من أيّ عقال؛ وانفلات الضمير الأمريكي (بل والضمير الغربي إجمالاً ودونما استثناءات ذات قيمة) من أيّ وازع أخلاقي. وهي أيضاً ذكري انزلاق عمليات عاصفة الصحراء نحو عتبة محتومة، بربرية وحشية صرفة، ستعيد تذكير العراقيين والعالم أجمع بأن آخر سابقة لهذه العربدة البربرية كان تدمير المغول لبغداد عام 1258.
وهي ذكرى كاشفة، لأن الذاكرة هنا ــ وبعد سنوات من الافتضاح التراكمي والتدريجي لأكاذيب الذكاء التكنولوجي العسكري ــ ترتبط بحاضر بربري مشابه أو ينوي التشابه التامّ مع الماضي البعيد والقريب، آخذاً في الحسبان حفنة تغييرات طفيفة في الأسباب وفي الخطاب. وعلي سبيل المثال فإن العامرية 91 كانت نسخة الكربون التي سيعدّل الضمير الغربي بعض تفاصيلها في نموذج البوسنة (مجازر فوكوفار وسريبرنيتشا)، حين مارس الغرب الصمت البليد أو الخجول أو اللامكترث قبل أن يعلن مشاعر القرف واستفظاع ما جرى. وأما في الحالة العراقية فقد صفّق وطرب لبلاغة التبرير البذيئة التي اعتمدها جورج بوش الأب، ومن ورائه جنرالات البنتاغون ونجوم الإعلام الأمريكي. ولعلّ الضمير الغربي سيصفق أقلّ في حالة العامرية القادمة، ولكنه سيصفق مع ذلك. سوف تتعدّد الأسباب وتتباين، وسيبقى الوحش واحداً في كلّ حال.
ومجزرة العامرية 91 أمثولة وسوف تظلّ، لأنها إنما كانت كاشفاً لواحد من أقذر المبادىء الأخلاقية التي أضمرتها الإدارة الأمريكية منذ الساعات الأولي للتخطيط للحرب إجمالاً، ولعمليات القصف الجوي وفق طريقة الـ
Carpet-Bombing بصفة محددة. العامرية 2003، وكما لا يكفّ الخبراء العسكريون الأمريكيون عن تبشيرنا، سوف تعتمد المبدأ ذاته لأن البنتاغون لا يغيّر عقيدته بسرعة، ولأن الخريطة التعبوية على الأرض لم تتغيّر جوهرياً. تغيّرت الأسلحة، وتطوّرت طاقاتها التدميرية، وتوجّب اختبارها ميدانياً وليس في ساحات التدريب وحدها.
كذلك يبدو مبدأ العامرية 91 هو ذاته المبدأ الذي سيعتمده البنتاغون في العامريات جمعاء. وفي السابق سار المبدأ على النحو التالي: "الضحايا في الصفّ العراقي (من مدنيين وعسكريين) هم مشكلة علاقات عامة ليس أكثر، والرأي العام الأمريكي كان سيبدي القلق وبوادر حجب التأييد عن الحملة بأسرها إذا انحصر الأمر في الضحايا الأمريكيين وحدهم. إن مقتل آلاف المدنيين العراقيين ــ بمن فيهم النساء والأطفال ــ لن ينسف تأييد الرأي العام الأمريكي للجهد الحربي"، هكذا كتبت صحيفة "لوس أنجليس تايمز" آنذاك. اليوم يقول الجنرالات الشيء ذاته: صدام حسين هو الذي يضع شعبه في مرمى النار، ولا حيلة لنا في منع سقوط الأبرياء! والقاموس العسكري الأمريكي يفرد تسمية خاصة للضحايا الأبرياء من هذا النوع: إنهم "ضرر مجاور"
Collateral Damage ، وهم ضريبة الحرب في كل عصر وزمان ومكان، ولا حيلة للقادة العسكريين في تفادي سداد هذه الضريبة!
وفي زمن العامرية الأولي، 91، وقفت الغالبية الساحقة من شرائح الضمير الأمريكي، ثم الضمير الغربي، إلى جانب هذا المبدأ، ولم تر فيه أية ضارّة أخلاقية استناداً إلى ثلاثة معايير:
الأول أن كلّ الملامة تقع على عاتق صدام حسين. إنه هو الذي اتخذ قرار غزو الكويت، وهو الذي واصل العناد ورفض الحلول السياسية، وهو الذي بنى وسلّح ونشر الجيش الرابع في العالم، وهو تجسيد هتلر والشيطان والشرّ المطلق. ومارلين فيتزوتر، الناطق الصحافي باسم البيت الأبيض آنذاك، قالها بأنفة باردة: "هل سقط آلاف العراقيين؟ نعم، ولكن من المسؤول عن سقوطهم؟ لا تنتظروا منّا الإحساس بعقدة ذنب إذا كان صدام حسين قد غزا الكويت واتخذ بنفسه قرار إفناء شعبه". ولو أن فيتزوتر تحدّث عن إفناء جيش صدّام أو تحطيم آلته العسكرية، لهان الأمر واكتسب التعليل مضمونه العسكري الحقوقي. ولكنه تحدّث عن "إفناء شعبه"، مفترضاً أن هذا الشعب ملكية خاصة لصدام حسين، وأن إفناء هذا الشعب جزء من العبء القتالي، تماماً كتدمير دبابة أو ناقلة جنود.
المعيار الثاني هو أن الولايات المتحدة لا تتحمّل أية ملامة ما دامت لم تقصد قتل المدنيين، حتى حين تكون نسبة 70% من الكتلة النارية المستخدمة (ما يعادل خمس قنابل نووية من عيار قنبلة هيروشيما) قد أخطأت أهدافها العسكرية حسب اعتراف البنتاغون ذاته. ورغم أن معدّلات تلك القوّة النارية كانت أعلى بكثير مما يقرّ به القانون الدولي في نزاعات من هذا النوع (لأنها، ببساطة، انطوت على القصف الأعنف في تاريخ البشرية)، فإن مسؤولي الإدارة والبنتاغــــــون واصلوا الإعراب عن نواياهم الطيبة في عدم استهداف المدنيين.
المعيار الثالث مزج بين المعيارين السابقين ليحاجج بأن صدام حسين هو الذي تعمّد وضع المدنيين في قلب الأهداف العسكرية، وأن عماد الجيش العراقي هو الاقتصاد العراقي ذاته (!)، الأمر الذي يبرّر قصف محطات توليد الكهرباء وتنقية ميــاه الشــــــرب ومعامل حليب الأطفال والطرق وشاحنات الدقيق ومحطات الوقود المدنية و... متحف بغداد، والمواقع الأركيولوجية في كركوك، ومسجد نور الدين في الموصل، وقصر آشور بانيبال في نمرود، والأضرحة السومريـــة في أور!
ليس هذا فقط، لأن معايير من هذا النوع كانت تستولد بدورها جملة معايير أخرى تتصل بالإستراتيجيات العليا والدور الكوني للولايات المتحدة بعد أفول الحرب الباردة، والعلاقات الدولية في سياق أحادية القطب. الولايات المتحدة، في المعيار الفرعي الأول، حدّدت تعريف هذه الحرب بأنها صراع بين الخير والشر، وقتل المدنيين يصبح ممارسة مكروهة ولكنها ممارسة مشروعة ولا مناص منها. تفريع معياري آخر يقول إن أرقام الضحايا في صفوف المدنيين ستكون أعلى بكثير لو أن الولايات المتحدة أحجمت عن استخدام التكنولوجيا النارية الأرقي ولجأت إلى الطرائق التقليدية التي كانت ستطيل أمد الحرب وتزيد في حجم الكارثة. وضمن هذا التفريع يكتشف المرء المعادلة العجيبة التالية: كلما ازدادت معدّلات التدمير انخفضت نسبة الخسائر في الأرواح، واتضح أكثر فأكثر أن القتل يرتدي طابع... الضرورة الإنسانية!
وآنذاك لم نعدم الصوت اليساري أو الـ "نيو ـ يساري" في هذه الجوقة، وكان البروفيسور فرد هاليداي (عام 1991 وكذلك في مطلع عام 1996) قد برّر بعض ذلك أو القسط الأعظم منه، حين رفض مساءلة الحلفاء على نشاط عسكري طبيعي يمكن أن ينطوي على أي شيء. وفي كتابه "الإسلام وخرافة المواجهة" لا يرى أساساً للإتهامات حول استهداف المدنيين، ويقول: "على العكس مما حدث في فييتنام، لم تنّفذ هنا حملة قصف شاملة كفيلة بإعادة العراق إلى العصر الحجري، أو التسبّب في خسائر مدنية بالغة، لأن رسم وتنفيذ القصف على الأهداف كان انتقائياً ودقيقاً. وقصف ملجأ العامرية كان خطأ دون شك، ولكنه لم يكن جزءاً من نسق أعرض. فوق ذلك، لم يكن من غير المعقول الظنّ بأن الملجأ منشأة مدنية/عسكرية مزدوجة الاستخدام".
وفي الأشهر والسنوات التي تعاقبت، قرأنا مراثي الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون عن الصورة الكابوسية لقرن قادم قد يشهد مواجهة كيماوية وبيولوجية بين أطفال العالم من جهة، وصدام حسين من جهة ثانية. وقرأنا تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت عن "ضربة كبيرة" أو "ضربة ذات قيمة" أو "ضربة ذات مغزى". كذلك تابعنا تعداد صحيفة "نيويورك تايمز" للأهداف العراقية التي ينوي البنتاغون قصفها (وبينها، في المناسبة، الجسور والطرق وشبكات الاتصال والبنية التحتية لأن هذه جميعها أهداف مدنية وعسكرية في آن معاً). ثمّ... تابعنا البروفيسور فرد هاليداي على شاشــات التلـــــفزة الأنغلو ـ أمريكية، يبشّرنا بأنّ الدبلوماسية عاجزة عن تحقيق غرض لا يبدو أن أحداً يستطيع انجازه سوى العسكر!
هذا العالم، عالم العامرية 91، هل تغيّر كثيراً؟ هل تغيّر أساساً؟ المعايير القديمة.. المعايير الجديدة.. المعايير المتكررة. العامرية 2003 سوف تعيد إنتاج العامرية 1991، وواحد متماثل هو الموت البربري على يد الوحش الأمريكي البربري، حتى إذا كانت الأسباب قد تعددت.

 

* كاتب وباحث سوري