كيف نعيد بناء مواجهة للهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية

 

حسين العودات

 

 لا تستهدف الهيمنة الأمريكية العرب وحدهم، وإنما تمد يدها للعالم كله، شماله وجنوبه، لاتوفر لا الحلفاء ولا الأعداء، وتعبر بصدق عن همجية الاحتكارات الرأسمالية ووحشيتها، وإيمانها بشريعة الغاب، واستخفافها بالشرائع والقوانين والأعراف الدولية،وتزداد هذه الوحشية عتواً وتصاب بالعمى أكثر فأكثر عندما يتعلق الأمر بالقضايا العربية، بسبب التأثير الصهيوني وأهداف إسرائيل الحليف الاستراتيجي والتاريخي لها. وفي ضوء ذلك فإن المواجهة العالمية الشاملة لهذه الهيمنة الطاغية هي الوحيدة الكفيلة بتحقيق النصر النهائي عليها، من خلال الوقوف الجاد والحازم بوجه هذه الإمبراطورية العمياء المدججة بالسلاح، التي تسعى لجعل العالم كله يدور في فلكها ويخدم مصالحها، ويتخلق بأخلاقها ويؤمن بقيمها ويستجيب لأهوائها.

  إن مخاطر الهيمنة الأمريكية على البلدان العربية متنوعة الأشكال متعددة الجوانب، حيث تطمع السياسة الأمريكية بالثروات العربية وخاصة النفط، وبتوظيف موقع الوطن العربي الاستراتيجي  قاعدة لأهدافها الكونية، وتعزيز الوجود الإسرائيلي والصهيوني بما يمثل من عون استراتيجي وتكتيكي وحليف تاريخي، وجعل الوطن العربي قاعدة متقدمة لها في محاولاتها للهيمنة المباشرة العسكرية والاقتصادية والسياسية على شرق المتوسط وبلدان آسيا الوسطى والقارة الهندية، وتدرك السياسة الأمريكية أن تحقيق هذه الأهداف وديمومتها يواجه رفضاً من الشعب العربي الذي لم تستطع لا هي ولا السياسة الصهيونية تدجينه، ولن تستطيعا ذلك إلا بتدمير الثقافة الوطنية وثقافة المقاومة وسلم القيم العربية والإسلامية والتشكيك بقدرة الأمة وتاريخها وتراثها، واستلاب إرادة شعوب المنطقة وتنحيتها عن تقرير مصيرها وتفكيك مجتمعاتها، وتحويلها إلى مجرد مجتمعات استهلاكية للحضارة الأمريكية وتقاليدها وقيمها ومنتجاتها، وإلى مجرد قوة إنتاجية صرفة وسوق استثمارية واستهلاكية.

يتجاوز خطر الهيمنة الأمريكية إذن نهب الثروات العربية والسيطرة على موقع الوطن العربي الاستراتيجي وتعزيز النفوذ الصهيوني الإسرائيلي، ليطال هوية الأمة وثقافتها    وقيمها ومقومات صمودها وإرادة شعوبها، باعتبار أن هذه جميعاً هي التي تشكل  خط الدفاع الأخير والصلب الذي لابد من تقويضه ليسهل على القوة الأمريكية الغاشمة تحقيق أهدافها، وهذا ما يفسر النظريات السياسية والاجتماعية والفلسفية التي أطلقتها المطابخ الأمريكية في العقد الأخير، سواء منها صراع الحضارات الذي توضح أنه مبرر نظري لتدمير المجتمعات الإسلامية والحضارة العربية الإسلامية، أم الشعارات الأخرى المتعلقة بالتطرف والإرهاب، واتهام العرب والمسلمين بأنهم مجموعة إرهابيين خطرين على الحضارة الإنسانية وعلى البشرية كلها والإساءة إلى سمعتهم وتاريخهم، وتبرير احتلال بلدانهم بل التحريض على ذلك، وبالتالي  لابد من إعادة تربيتهم وتثقيفهم بالثقافة الأمريكية المعولمة والاستهلاكية، وتغيير مناهجهم التربوية واستراتيجياتهم الثقافية وأنماط سلوكهم وسلم قيمهم الأخلاقية والروحية والتخفيف من (وحشيتهم وعنفهم وثقافتهم وتراثهم الدموي). إن أهداف الهيمنة الأمريكية لا تتحقق إلا بالعدوان على روح الأمة العربية نفسها والتراث الإسلامي نفسه، وإفراغ هوية الأمة وثقافتها من نسغ الحياة الذي يبقيها أمة وتحويلها إلى مجموعة أفراد أو جماعات يأكلون ويتناسلون ويعيشون ويفكرون في إطار رغبات السيد الأمريكي وثقافته وتقاليده الاستهلاكية.

إن الوطن العربي - بكل المقاييس - هو منطقة حيوية للاحتكارات الأمريكية عسكرياً واقتصادياً واستراتيجياً لما يملكه من موقع وثروات وما تملكه الأمة العربية من ثقافة وتراث، ولهذا تعمل السياسة الأمريكية على جعل الوطن والأمة جزءاً من منظومتها الأمنية والثقافية وفرض التبعية والتخلف عليهما.

 تشهد الأمة العربية الآن جبروت القوة الأمريكية وطغيانها، وتفوقها العلمي والتكنولوجي، وقوتها العسكرية الجبارة بأساطيلها وطيرانها وآلتها الحربية التي تزحف إلى المنطقة وتهدد باحتلالها تحت ذريعة نزع أسلحة الدمار الشامل المزعوم في العراق أو ذريعة محاربة الإرهاب، متجاهلة الرأي العام العالمي والشرعة الدولية ومؤسسات النظام العالمي من مجلس الأمن إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى غيرهما، كما تشهد انهيار فاعلية القوى العالمية التي يمكن أن تقف بوجه الغطرسة الأمريكية، وضعف النظام الإقليمي العربي وتهافته، وتنحية الجماهير العربية عن المشاركة في بناء حياتها ومستقبلها، وصمتاً مريباً من معظم الأنظمة السياسية العربية مما يوحي بتواطئ مباشر أو غير مباشر مع الغزاة الأمريكان، وخوف التكتلات العالمية أو الاتحادات الإقليمية في العالم من الطاغي الأمريكي وصلفه، مما أدى لتغلغل بعض اليأس إلى نفوس الجماهير العربية فضلاً عن خوف الأنظمة السياسية التي زاد رعبها رعباً فأخذت تتزلف للإدارة الأمريكية وتبذل كل جهد لإرضائها، حتى أن بعضها حوّل نفسه إلى أداة قمع تحركها هذه الإدارة ضد شعوبها، وكادت الأمة بشعبها وسلطاتها وحكوماتها والمؤسسات الأهلية في مجتمعاتها وأحزابها السياسية أن تُستلب وتستسلم وتتخلى عن دورها في مواجهة الهيمنة الأمريكية وطغيانها، وتقف صامتة متفرجة لا حول لها ولا طول، وتتجاهل قدرتها الممكنة والمؤكدة على احتواء الصدمة وإحياء إرادة الصمود والمواجهة التي تشكل منطلقاً لأي نصر، وصار أي سياسي أو عسكري أو ضابط أمن أمريكي يوزع شهادات حسن السلوك على بعض الحكام العرب، ووصل الهوان أن  استقبل معظم الرؤساء العرب مساعد رئيس قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية بسعادة وفخر وطبول إعلامية عندما زار المنطقة العربية قبل أشهر.  لقد قابل هذا الموظف الثانوي في وزارة الخارجية عدة رؤساء عرب خلال ثلاثة أيام.

 إن ظاهرة الضعف العربي المزري، والصمت الكامل على ما يجري، وفقدان الأمة معظم شروط المواجهة ومستلزماتها، لم يأت من فراغ وليس أمراً عارضاً، بل تراكمت أسبابه وتكّون تاريخياً وهو حصيلة نصف قرن من الممارسات المشوهة والخاطئة التي مورست على الشعب والأمة والمجتمعات بمختلف شرائحها الاجتماعية وفئاتها وتياراتها الثقافية والسياسية، وتتحمل مسؤولية الضعف بشكل رئيسي جهات ثلاث هي :

1 – الأنظمة السياسية التي تتابعت على حكم البلدان العربية منذ الاستقلال حتى اليوم مع بعض الاستثناءات النادرة.

2 – النظام العربي الإقليمي المتهافت وغير الفعال الذي أقيم منذ أكثر من نصف قرن ولم يستطع أن يحقق أهدافه بل ربما كان عائقاً أمام إيجاد نظام بديل.

3 – الغزو الصهيوني والاحتلال الإسرائيلي المدعوم أمريكياً بدون تحفظ.

تأتي مسؤوليات الأنظمة السياسية من أنها  تحولت في الغالب الأعم إلى سلطة منذ بدء الاستقلال أو بعيد ذلك، ثم امتلكت هذه الأنظمة الدولة وهيمنت على مقدرات المجتمع واستولت على جميع السلطات وعزلت الشعب ونحّته عن تقرير مصيره أو المشاركة في بناء حياته، وألغت الحريات السياسية والاجتماعية وغيرها أو كادت، ورفضت القبول بمبدأ المشاركة السياسية والتمثيل السياسي في مجالس تشريعية فعالة، من خلال انتخابات حرة، وتداول السلطة والتعددية السياسية وحاربت مؤسسات المجتمع المدني بما فيها الأحزاب، فمنعت قيامها أو ضيقت عليها أو اعتبرتها خارجة على القانون ولاحقت مناضليها، ولم تحترم حقوق الإنسان جزئياً أو كلياً بما في ذلك حق الحياة في أحيان كثيرة وحق المساواة، كما لم تحترم الدساتير والقوانين التي وضعتها هي نفسها، وألغت الديموقراطية وممارساتها ليس فقط في المجال السياسي بل في مختلف جوانب الحياة، كما ألغت الرقابة على أجهزة الدولة سواء منها الرسمية أم الشعبية أم الإعلامية، ونفذت برامج تنمية مشوهة بسبب عدم مشاركة الناس فيها ووضعها تحت إشراف البيروقراطية، وباختصار عاشت المجتمعات العربية عشرات السنين تحت هيمنة مطلقة من السلطة على الدولة والمجتمع، في إطار حريات مقموعة وتعددية مرفوضة، وديموقراطية غائبة، ومشاركة سياسية ملغاة، وشفافية معدومة، ورقابة غير متوفرة، وتنمية مشوهة، مما أوصل الدول والمجتمعات بالضرورة إلى استشراء الفساد والتخلف الاقتصادي والثقافي والعلمي الذي كاد أن يضع الأمة العربية ومجتمعاتها في نهاية سلم مجموعات الأمم في العالم. وهذا ما أدى بالمحصلة إلى استلاب الناس وتحييدهم وعزلهم عن قضاياهم وسلبيتهم واستشراء ثقافة التبعية السياسية لديهم وأخذ فعلهم يتسم بالسلبية والبعد عن المساهمة في الحياة العامة خشية الاضطهاد، فأوكلوا أمرهم إلى السلطة وأجهزتها البيروقراطية ومؤسساتها الأمنية مما حرم البلاد والأمة من المدافعين الحقيقيين والوحيدين عنها.

وتأتي مسؤولية النظام العربي الرسمي الممثل بالجامعة العربية وأنظمتها ومؤسساتها من أنه ولد ضعيفاً ومتهالكاً،  فهو اختياري لا يلزم أحداً من البلدان بقراراته، وقد لعب في بعض المراحل دوراً سلبياً حيث كان وجوده عائقاً أمام قيام نظام عربي جدي وفعال، بل ربما كان في بعض الحالات غطاء لهروب بعض الأنظمة من الالتزام بقضايا الأمة. لقد أقر مجلس الجامعة ومؤتمرات القمة العربية أكثر من عشرة مواثيق رئيسية منها معاهدة الدفاع المشترك واتفاقيات الوحدة الاقتصادية وإنشاء السوق العربية المشتركة وتنمية التبادل التجاري واستثمار رؤوس الأموال ومنطقة التجارة الحرة وميثاق الوحدة الثقافية وغيرها، وقامت مؤسسات عديدة ومتنوعة لتنفيذ هذه الاتفاقات، لكنها بقيت مؤسسات غير فاعلة ولا كفوءة غير قادرة على تنفيذ قراراتها التي تحولت إلى قرارات استشارية نادراً ما يأخذ بها أحد، ولم تحقق هذه المؤسسات بالنهاية سوى نتائج متواضعة، وكأنها أسست لتقدم الامتيازات لموظفيها وتؤمن رفاههم، وفي الخلاصةلم يستطع النظام العربي القديم الذي مازال قائماً منذ أكثر من نصف قرن أن يوحد المواقف العربية أو يحقق التضامن العربي أو يسير خطوة في طريق إقامة نظام إقليمي عربي فعال، أو ينشئ سوقاً واحدة أو يقيم تكتلاً إقليمياً أو يرفع نسبة التبادل التجاري والثقافي والإعلامي والعلمي بين البلدان العربية لأكثر من (6%) من حجم تبادلات بلدان الجامعة الأعضاء مع الخارج، حتى أنه عجز عن فض الخلافات العارضة بين الأنظمة وقادتها، ولم يستطع أن  يحقق عقد اجتماعات دورية لمعظم هيئاته، وهكذا قصر النظام العربي عن إقامة تكتل إقليمي يحقق مصالح العرب السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها ويجعل منهم قوة موحدة قادرة على التخاطب مع قوى العالم الأخرى من موقع القوي المقتدر، بينما استطاعت أوروبا وجنوب شرق آسيا وبلدان أمريكا اللاتينية مثلاً إقامة أنظمتها الإقليمية بعد سنوات وأحياناً بعد عشرات السنين من قيام النظام العربي فوحدت قواها وحمت مصالحها وتأهلت لتكون شريكاً فعالاً في السياسة العالمية، في عصر لم يعد ينفع فيه إلا إقامة تكتلات إقليمية، خاصة بعد اتفاقات منظمة التجارة العالمية وانتشار العولمة وبدء سطوتها الاقتصادية والثقافية والسياسية.

أما الجهة الثالثة التي ساهمت في الضعف العربي وربما الهوان وزادت التمزق وعرقلت التطور القطري والقومي فهي الغزو الصهيوني الممثل بإسرائيل واحتلالها فلسطين وأراضي عربية أخرى مدعومة بالسياسة الأمريكية على مر العقود، ولعبت دوراً معيقاً لوحدة الأمة وتضامنها ونجاح تنميتها.

وها نحن الآن نجد أنفسنا مع بداية الألفية الثالثة في ظروف صعبة معيقة داخل أقطارنا وعلى المستوى القومي، في عصر سقط فيه الحليف السوفييتي وأصبح العالم يئن تحت ضغوط قوة غاشمة همجية تؤمن بحقها في السيادة على العالم وفرض قانونها وشريعتها.

من الطبيعي أن يزيد هذا الواقع الموضوعي الذي وجدنا أنفسنا فيه اليأس والقنوط  والإحباط واللامبالاة لدى شعبنا بمختلف شرائحه وفئاته الاجتماعية والثقافية والسياسية، في مرحلة من تاريخ الإنسانية تفجر فيها الاتصال وبدأ نفوذ العولمة يتجذر، وأخذ تنميط حياة الشعوب وتحويلها إلى مستهلك يتنامى، في عالم يتحفز قطب واحد للسيطرة عليه بهمجية فاقت همجية الإمبراطورية الرومانية وقواها الغاشمة، وخارج إطار أي شرعة دولية. وحال الأمة هذا لايتيح لأي منا الزعم بأن النصر على الهيمنة الأمريكية القائمة والقادمة قريب وسهل، فالقادم مفجع، والمخاطر متحققة، والوحشية الأمريكية لا حدود لها، والمطامع الإسرائيلية أكبر من أي تصور، والمصائب تتوالى وربما كان الآتي  أعظم.

هل يعني ذلك أن الهزيمة محققة ونهائية ولا راد لها، وأن لا سبيل أمام الأمة إلا الاستسلام، وهل افتقدت الأمة شروط مقاومتها وصمودها وبقائها وحفاظها على وحدة مصيرها وأرضها ومصالحها وثقافتها وأهدافها في التحرر والتنمية والوحدة، ولعب دورها الذي تستحقه وتستطيعه في المشاركة في السياسة العالمية والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، حضارة السلم والرفاه والتعايش والعدل والمساواة ؟.

 أقول في البدء أن مواجهة الهيمنة الأمريكية بصلفها وعتوها وفي ظروف ضعف الأمة الذي أشرت إليه لا تحققه الرغبة فقط، لأنه يحتاج لتوفر شروط موضوعية تؤهل الأمة لهذه المواجهة وتتيح لها رد الهجمة والحفاظ على مصالحها وهويتها وتماسكها، وتكمن هذه الشروط في فهم الظروف والمسببات التي أوصلتنا إلى الحال الذي نحن فيه والذي أشرت إليه آنفاً، والعمل على معالجتها خاصة بالعودة إلى الشعب وقواه الحية السياسية والاجتماعية، وإشراك الناس في تقرير مصيرهم ومواجهة قضاياهم والدفاع عن بلدانهم ومجتمعاتهم، في مناخ من الحرية والديموقراطية والحوار تتيح لهم تنظيم أنفسهم والعمل النضالي الحر والمسؤول في إطار برنامج قومي شامل. وفي الوقت نفسه أن يعمل الجميع أنظمة وحكومات وأحزاباً ومؤسسات أهلية ونخب ثقافية لإقامة نظام عربي إقليمي جديد جاد فعال ملزم للجميع، يتحقق من خلاله تضامن الأمة ووحدتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية وتأهيلها لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي والغزو الأمريكي والهيمنة الاحتكارية وحماية مصالحها ولعب دور حيوي في السياسة العالمية.

من البديهي القول أن امتلاك هذه الشروط لا يتحقق بين يوم وليلة، فلا يمكن خلال فترة قصيرة إصلاح ما دُمر خلال عقود عديدة، وربما كان الحل الجذري للحال في البلدان العربية يحتاج إلى تفكيك وإعادة تركيب، إلا أن ذلك لا يعني أن نكون (مرجئة) ونجلس صامتين مستسلمين ننتظر الفرج من المجهول الذي لن يأتي، أو نكتفي بجلد الذات من خلال توصيف الواقع والبكاء على الأطلال، أو الهروب إلى الأمام بالوقوع في أحضان التطرف الديني أو السياسي أو الاجتماعي، أو نستسلم لسيل الفلسفات والنظريات السياسية أو الإيديولوجية التي تتدفق على مجتمعاتنا. وعلينا جماهيراً وأحزاباً ونخباً سياسية وثقافية واجتماعية وقوى حية أن نستعيد إرادة الصمود والتصدي والصبر والثقة بالنفس والأمة والمستقبل، ونستفيد من الإمكانيات المتوفرة والقدرات الكامنة التي نمتلكها وننطلق منها، فما لا يدرك كله يدرك جله، تمهيداً ووصولاً إلى امتلاك الشروط والوسائل والمناهج التي تحقق الأهداف.

يمكن انطلاق مواجهة الهيمنة الأمريكية وتأمين تصاعدها واستمرارها  وجعلها مواجهة شاملة فعالة قادرة على صد الهجمة من خلال عديد من المواقف والتوجهات والممارسات أبرزها :

أولاً : إحياء إرادة المقاومة وثقافة المقاومة لدى الجماهير الشعبية، وتحريض هذه الجماهير وتحفيزها على العودة للدفاع عن قضاياها وتقرير مصيرها، وتعميق وعيها بأنها الوحيدة القادرة على حل مشاكلها، وبناء مجتمعها المتحرر المتطور، وصد  الغزاة الإسرائيليين والأمريكيين، وحماية الأمة ومصالحها وتراثها وثقافتها والحفاظ على هويتها، ومدها بنسغ الحياة باستمرار، وتأهيلها للتضامن والوحدة والمشاركة في السياسة العالمية،  والتخلي عن السلبية التي تقبع الجماهير الآن وراء غلالتها، ونزع بذور الإحباط، وخلع ثوب اللامبالاة، وإقناعها أن ما من أحد يدافع عنها ويحمي مصالحها بمعزل عنها، وإعادة توعية الناس بأهمية دورهم وفرادته في بناء الحاضر والمستقبل، وأن أنظمتهم السياسية لن تستطيع بدونهم – مهما كانت رغباتها – أن تحقق أهدافهم، فليس غيرهم من أحد قادر على تحقيق هذه الأهداف، وأن إرادتهم ووعيهم وتعاونهم وتنظيماتهم السياسية والاجتماعية وحراكهم المتواصل وفعاليتهم ونضالهم هي الوحيدة الكفيلة بتحقيق أهدافهم، وماعدا ذلك هو وهم وسراب.

إن الجماهير المنظمة وحدها هي المخلص الحقيقي، فالشعب هو الذي استطاع في عصر الانحطاط العربي في القرون الوسطى أن يقف بوجه الغزو الفرنجي ويتغلب عليه في النهاية، وهو الذي أوقف الجائحة المغولية في العصور نفسها، وواجه بنجاح الاستعمار الأوروبي في مختلف أصقاع الوطن العربي في القرن العشرين، والمقاومة الشعبية هي التي حررت جنوب لبنان في سنواتنا المعاصرة، وانتصرت على الآلة العسكرية الإسرائيلية وهمجية قادتها وساستها، وهي نفسها التي أتاحت للانتفاضة الفلسطينية أن تسطر صموداً عز مثيله، وتبتكر أساليب نضال لم يستطع جيش الاحتلال بكل جبروته أن ينتصر عليها، إن وعي الشعب قضيته واستعادته إرادة الصمود وثقافة المقاومة كفيلة ببقاء المقاومة مستمرة مهما كانت الصعوبات .

ثانياً : تفعيل النضال الجماهيري المتواصل من خلال مقاومة التطبيع ومقاطعة البضائع والثقافة والحياة الاستهلاكية الأمريكية، من خلال حياة الناس اليومية وسلوكهم وأنماط عيشهم. إن أهمية هذا النوع من النضال لاتعود فقط لأنه يعيق تنفيذ اتفاقيات (السلام) الإسرائيلية العربية، أو يسبب الضرر للاحتكارات الأمريكية، بل لأنه يؤكد ويعمق سلوكاً يومياً ثابتاً مواجهاً يباشره الناس ضد أعدائهم، لابد أن ينمو ويتطور ويترافق مع ابتكار الجماهير أساليب مواجهة أخرى، وحسم مواقف ثقافية وسلوكية تؤكد على أن الآخر الأمريكي والإسرائيلي هو المغتصب والعدو، وأنه الخطر الحقيقي على مصالح الشعب والأمة.

إن هذه الفعاليات التي قد نراها صغيرة وثانوية هي في الواقع بداية نهج نضالي يشكل نواة كرة الثلج التي لابد أن تكبر، كما يساهم بفعالية في نزع  السلبية واللامبالاة عن الجماهير الشعبية.

ثالثاً : اتباع مختلف الوسائل لزيادة الضغط الشعبي على الحكومات والأنظمة السياسية العربية ودفعها لتبني مواقف أقل خذلاناً تجاه العدو الصهيوني والغازي الأمريكي، وإلزامها تحقيق شيء من التنسيق بين مواقفها، والتضامن بوجه أعدائها، والاستقواء بشعوبها من جهة وبإمكانياتها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية من جهة أخرى، ومنعها من الاستسلام الكلي للهيمنة الأمريكية، وإقناعها بأن استمرارها يأتي من دعم شعوبها لا من الرضى الأمريكي، فالأمريكي يرضى عنها فقط ما دامت تقدم خدماتها، وسيتخلى عنها بالتأكيد عندما يستنفذ أغراضه.

لم يعد بإمكان الأنظمة السياسية العربية قهر شعوبها وتهميشها كما كان الأمر سابقاً، فهي أضعف من أن تقوم بمثل هذه الأعمال، ولهذا فإن الضغط الشعبي ليس ممكناً فقط بل شديد الجدوى والفعالية، وقادر على تغيير مواقف هذه الأنظمة وتصليب عودها ولو نسبياً.

رابعاً : اتسم العقدان الأخيران (بالثورة) التكنولوجية و (ثورة) المعلومات و(الثورة) الديموقراطية، ورافق هذه الثورات معطيات ومفاهيم سياسية وثقافية واقتصادية جديدة، من صراع الحضارات إلى نهاية التاريخ إلى العولمة مروراً بمفاهيم أخرى…

يحدث هذا في العالم في الوقت الذي يرافقه في البلدان العربية والإسلامية صعود السلفية والتطرف وتهميش العقل والتمسك بأسوأ أنواع التراث ورفض الاجتهاد والإبداع والمبادرة والتنوير، وأعتقد أن مفاهيم العصر هذه تقتضي من جميع التيارات الثقافية والنخب والمؤسسات المعنية والأحزاب والجماعات والجمعيات المختصة أن تعمل لتحقيق حركة تنويرية تنقد التراث والثقافة بهدف تنقيتهما من الشوائب وتجديدهما، ليستطيعا الاستمرار والصمود والمساهمة في تأكيد هوية الأمة وقيمها الحية وفهم الآخرين فهماً جديداً معاصراً، وإيجاد المناخ الملائم لاحتواء هذه المفاهيم والتطورات العاصفة التي يشهدها عالمنا.

خامساً : إن هذه المواقف المطلوبة الواردة آنفاً ممكنة التنفيذ على أن تعمل بها وتتولى متابعتها قوى المجتمع الحية من أحزاب سياسية موالية ومعارضة ومؤسسات مجتمع مدني ونخب ثقافية واجتماعية وجمعيات وهيئات ، فهي من مسؤولية هذه الفئات جميعها كل في مجالها منغردة ومجتمعة لأنها الوحيدة القادرة على تعبئة الجماهير وقيادتها وتفعيل نشاطها، وضمان استمرارية هذا النشاط وتصاعده.

إن الجماهير بلا قيادات وأحزاب تبقى دون فعالية، كتلاً هيولية غير منظمة، مشتتة الأهداف، فاقدة القدرة على استرجاع دورها وامتلاكه، وكماً من الأفراد بلا فعالية، وعليه فإن على رأس مهمات هذه القوى الأساسية  تنظيم الجماهير ومساعدتها على احتواء محاولات الهيمنة والمساهمة الإيجابية في الصمود والمقاومة والمواجهة.

لم تستطع الأحزاب السياسية العربية في المعارضة والموالاة ولا مؤسسات المجتمع المدني ولا حتى النخب - في الغالب الأعم - خلال العقود السابقة، من تطوير برامجها، أو تفعيل دورها الجماهيري، لأسباب عديدة ومتداخلة أهمها ما واجهه  معظمها من ملاحقة واضطهاد حتى كاد همها في بعض المراحل لا يتجاوز هدف الحفاظ على وجودها بأضيق الحدود فكيف بفاعليتها الجماهيرية و بتطوير برامجها أو الحوار فيما بينها سواء داخل القطر الواحد أو بين الأقطار الأخرى، وهكذا تراجعت قدرتها على توعية الجماهير من جهة وإمكانياتها في تطوير الحياة السياسية في بلدانها من جهة أخرى، ولم تستطع أحزاب المعارضة هذه أن تبلور أو تتفق على مشروع قومي واضح محدد فعال حتى لو كان مشروع الحد الأدنى لقد استهلكتها تناقضاتها وانقساماتها وصراعاتها بعضها مع البعض الآخر من جهة وملاحقتها وقمعها من قبل الأنظمة السياسية من جهة أخرى، وفي الوقت نفسه لم تقم أحزاب السلطة أو حلفاؤها ببلورة برامج قومية شاملة جدية وفعالة وقادرة على تحريك الجماهير، وعمدت بدلاً من ذلك إلى تفويض السلطة جزئياً أو كلياً بدورها ومهماتها فجمدت بذلك الحياة السياسية العربية، وخمدت قدرات الشعب النضالية، وكادت قدراته أن تلغى من ميزان القوى، وبقي بدون تنظيمات سياسية تساهم في توعيته وتنظيمه وقيادته، وللأسباب نفسها قصرت النخب العربية عن أداء هذا الدور، وبقي الناس طوال عشرات السنين بدون أحزاب وهيئات وجمعيات فاعلة تنظمهم أو نخب تقودهم، وقد حان الوقت الآن لهذه الأحزاب أن تقوم بدورها التاريخي وتساعد الجماهير الشعبية على عودة الوعي واستمرار الصمود والنضال، والضغط على الأنظمة السياسية لتتصلب مواقفها وتطلق الحريات وتكرس الديموقراطية وتجسر الهوة بينها وبين الشعوب، وتنتصر بشعوبها على الصعوبات الداخلية والتهديدات الخارجية.

أود في الختام أن أردد مع المفكر إدوارد سعيد :

إن هذا الصمت ليس مرفوضاً فقط بل هو غير قابل للتصديق. كيف يمكن لمنطقة يسكنها (300) مليون عربي أن تنتظر بهذه السلبية انهيال الضربات عليها، دون أن تطلق صيحة جماعية للمقاومة والاحتجاج والطرح القومي البديل.

ألم يحن الوقت بعد كي نحاول مجتمعين صياغة بديل عربي حقيقي للخراب الذي يوشك أن يغمر عالمنا؟. ألن يقف ولو واحد منا في ضوء النهار ليعبر عن رؤية لمستقبلنا غير مبنية على سيناريو من تأليف دونالد رامسفيلد وبول ولفوفيتش،  هذان الاثنان اللذان يرمزان للقوة الفارغة والعجرفة المزهوة بنفسها؟ أتمنى أن يكون هناك من يسمعني.

 

--------------        

كاتب وباحث سوري، المدير العام لدار الأهالي في دمشق.