الموسوعة المختصرة – الجزء الثاني

 

ناصر الغزالي*

 

المؤلف : هيثم مناع و14 باحثاً عربياً وأجنبياً

الناشر : دار الأهالي ، اللجنة العربية لحقوق الإنسان ، أو راب

الجزء الثاني ( 578  صفحة ، عام 2002) .

 

 

ثمة دائما ما هو كامن فينا ويتطلع إلي الحرية .

وثمة نتيجة مغايرة للتردي  يحققها الاثنان معا .... المبدع وقارئه .

من منهما ينفخ في البداية على جمرة الآخر... لا فرق ... 

 فهما فرد واحد في تطلعه لما هو اجمل (1) .

مثل" فراشة" هنري شاريير أو " بؤساء" فكتور هيجو ومع كل محاولة له جادة هي محاولة انعتاق نحو مستقبل جديد، والمتمعن في كتاب " الإمعان في حقوق  الإنسان" يشعر كم الجهد المبذول والدؤوب في تحقيق إنجاز هام للمكتبة العربية ، إذ يعتبر بحق سبق هام يوفر على الكاتب والباحث والقارئ عناء البحث والتقصي  عن كثيرا من  المفاهيم محتواة بين دفتي هذا الكتاب، إضافة إلي انه الجزء الثاني والمكمل على هذا الصعيد .

هيثم مناع كاتب مثابر يعيش هم الإنسان في الوطن العربي أولا والإنسان بشكل عام، عاش المنفى فتعرف  عن قرب لمفردات الفكر الغربي من خلال التعامل معه من داخله عبر العمل في كثير من منظماته والتعامل معها، هرب مناضلا وهو يمتلك هاجس دائم للتطلع  للحرية والعدالة الاجتماعية، قلقا  قلق المبدع من اجل الأفضل ، والمطلع على مؤلفاته يشعر كم الهم الذي يحاصر هذا الكاتب في تحقيق هذا الهاجس.

في المقدمة نتعرف على هذا الهاجس مباشرة من خلال قوله :-

"حقوق الإنسان ليست قرأنا جاهزا ولا قانونا أحادى التفسير، والعديد من موضوعاته تتعرض تفسيرا مختلفة بل متعارضة، وكل مدرسة فكرية تحاول أن تشد نحوها هذه الحقوق عبر قراءتها الخاصة بها، وهناك العديد من الحقوق التي  تعتبر بديهية للبعض مرفوضة تماما من البعض الآخر".

هنا يكمن أهمية الكتاب في تحليل وتمحيص هذه القوانين المؤشكلة وتفسيراتها، إذ نجد أنفسنا ننساب عبر قدرة تحليلية موضوعية لهذه الإشكاليات والتناقضات في التفسير، وبنفس الوقت يضعنا الكاتب أمام إشكالية أساسية تحتاج إلى جهد عام وجمعي في تفصيل هذه المفاهيم وتطويرها مع ما تخدم العصر على المستوى العالمي وتثبيتها في الوعي الجمعي للإنسان في الوطن العربي ، الذي يعيش تحت وطأة الاستبداد والفساد.

وفى المقدمة أيضا يحاول تحليل ما يجرى على الساحة العالمية، وسط عالم ينهار في زمن تصبح فيه القيم الكبرى فيه لعبة في يدي من يملك القوة فيجريها كما يشاء وينفيها عندما تتعارض مع مصالحه إذ يقول:-

"إن ألف باء حقوق الإنسان في الثقافات الإنسانية الكبرى قد جمع بين حقوق  الحرية والمساواة والملكية والمقاومة ، فقد وضع النظام الدولي السائد اليوم المفاهيم في حقل الشك والضبابية والتعارض . فهو بتنصيبه المفاهيم الملكية غير المقيدة وحرية حركة المال والتجارة دينا للقوى العظمى الجديدة والنظام العولمى الجديد. حرب مفهوم  المساواة بين الأفراد وبين الشعوب في الصميم وغيب بشكل كامل الحق الطبيعي في مقاومة الظلم"  

من الملاحظ إن الكاتب لا اكتفى في تحليل المفهوم بل قدم نقدا لما آلت إليه البشرية في مرحلة النظام الدولي الجديد ، وما تتعرض له الإنسانية في تغيب  لوعى الحق الطبيعي في مقاومة الظلم والاستبداد " الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي" دخل مناطق الحظر والخطوط الحمراء لهذا النظام فقام في تحليل المفاهيم المختلفة حولها والمتناقضة أحيانا في تفسيرها ، بالرغم أنها آخذت طابع التأملات الفكرية ، ولكنها دخلت في مفهوم اصل الحق والتركيز على روحه ، مفاهيم شغلت كثيرا من المفكرين والمنظمات والأفراد بسبب ما تحمل من إشكاليات في التفسير:" الإرهاب بين الحقوقي والسياسي، التقادم، حق البيئة، حق العودة، حق اللجوء، المجتمع المدني، حق المقاومة، الفساد وغياب المحاسبة".

استوقفني مفهوم حق المقاومة كثيرا،  كما استوقف الكاتب نفسه على ما اعتقد وهذا لما له من أهمية كبيرة في وضعنا الحالي إذ نواجه أخطار عدة . وعلى الصعيدين العربي والعالمي، تتطلب جهد من الإنسانية جمعاء المحبة للسلام والعدل الاجتماعي فكتب يقول:-

" آما من قضية شكلت موضوع نقاش ديني ودنيوي وشعبي وولائي للعامة والخاصة مثل قضية حق المقاومة " ليكمل عبر تساؤلات عدة إذ يقول:- "هل يمكنهم التنفس دون مقاومة الظلم الواقع عليهم، هل يمكنهم آكل لقمتهم بكرامة دون مقاومة الاستغلال البربري لوسائل استمرار عيشهم، هل يمكنهم قول كلمتهم بحرية في غياب الحد الأدنى لقبول اختلافهم" ؟؟؟؟!!!!

توغل الكاتب في تاريخ المفهوم أعاد صياغته إذ أعطاه البعد الحقوقي والإنساني على اعتباره جزء لا يتجزأ من الحقوق كافة .

أن اللوحة العامة المتنوعة الألوان إلى حد بعيد لكتاب هذا المؤلف تجعلنا ندرك ما ذكرته في البداية إذ شارك الكاتب مجموعة من الكتاب العرب والأجانب وهم :

"إبراهيم التاوتى ، ألان هو زير ، جمال البنا ، جيمس بول ، حسين عودات ، ديدبيه روجيه ، راؤول مارك جينار ، عبد العزيز النويضى ، فيوليت داغر ، محمد حافظ يعقوب ، محمد السيد سعيد ، المصطفى صويلح ، منصف المرزوقى ، هانى نسيرة" .

أعطوا هؤلاء الكتاب زخما وقدرة في أهمية هذا المؤلف فقدموا مع المؤلف قدراتهم وخبراتهم في مجال حقوق الإنسان وفلسفتها لتشكل بناء أولي يستطيع الباحث والقارئ الاستفادة منه .

وهنا لابد من الإشارة إلى ما قام به الكاتب من تبويب مؤلفه بتقنية العارف فجاء التبويب :-

1-  حقوق ومفاهيم مختلف عليها

2-  ما وراء الشرعة الدولية لحقوق الإنسان

3-  الثقافة والتربية على حقوق الإنسان

4-  الإصلاح الديني وحقوق الإنسان

ثم يعيد علينا بشكل منهجي النصوص الأساسية في مفهوم حقوق الإنسان فيبوبها :-

 نصوص أساسية  (1)" القانون الإنساني الدولي "

نصوص أساسية (2)" حقوق الإنسان"

كل هذا يقع بين دفتي الكتاب ومن غير المنطقي اختصاره لما يحتويه هذا المؤلف من أهمية بين دفتيه ، لكن أؤكد أن هذا الكتاب الجزء الثاني من الموسوعة سوف يأخذ دور هاما في زيادة الوعي في ثقافة وتربية حقوق الإنسان كما يؤكد الكاتب"  في هذا الصراع الأزلي بين القوى والعدل ، تخرج حقوق الإنسان من أيدي أخطبوط القوة متراس مقاومة تجمع بعالميتها الأسود والأبيض والأصفر والأسمر ، وتضم من الملل والنحل كل الطامحين للتخلص من أشكال البربرية المعاصرة ".

 

* رئيس مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية