شهادة (2)

قطعوا يدي ... وطالبوني أن أدافع عن حلب  (محمود درويش)

 

ماجد حبو*

 

كانت ليلة الجمعة الموافق لـ 18/3/1983 ليلة استثنائية بكل المقاييس، وقتها كانت مدينة حلب تودع رداءها الشتائي وتتهيأ لربيعها المقبل مع الثمار الأولى لاشجار "الاراسييا". كانت ليلة ما تزال تخبئ من شتائها بضع غيمات تحاول أن تغسل بها سماء شوارع حلب من رائحة الرصاص، بينما الخوف جاثم في العيون، والقبور مازالت طرية، والنساء ما زلن يندبن آباء وأزواجا "حديثي الموت" .
كانت رائحة الموت تعبق في المدينة .
آه ما أجملك يا حلب ! أنثى كاملة الاكتمال!
حلب! جسد ذكورى صلب...
حلب ... عذراء  فضت بكارتها بعصا غليظة!
لم تنتحب! لملمت أطرافها، ودماؤها ما زالت ساخنة تنظر بعين حزينة كسيرة لقادم... سيربت على شعرها ويعيد "عشقها للحرية... والطعام اللذيذ... والغناء العذب".
سيعيد لابنائها فطرة بداوتهم ... ورقة مدينتهم.
حلب... يا إلهي كم أحببناك... وكم سنحبك.
كانت رائحة الموت تتسلل من نافذة ذلك القطار القادم من الشمال، "الحسكة"، وفى زاوية من إحدى عرباته تكومت على نفسي مع حقيبة صغيرة معلقة على الكتف بعد أن ودعت أما تعودت المشي خلفي في كل  مرة احصل فيها على إجازة أسبوعية خميس وجمعة من الخدمة الإلزامية في "سجن المدفعية في حلب "، عفوا اقصد "مدرسة المدفعية في حلب".
في هذه المرة مشت أمي ورائي طويلا وكأنها بحدسها "الإلهي" تخمن بأن زيارتي لن تتكرر قريبا ، بل ستطول لتمتد نحو أربعة عشر عاما فقط حتى أستطيع أن أعود إلى تلك المدينة الهادئة البسيطة.
أربعة عشر عاما حتى يحتويني ذلك المنزل الجديد والذي انتقلت إليه العائلة بعد اعتقالي بحوالي سنتين بسبب قدم المنزل القديم الذي شهد صرختي الأولى، لاعود بعد ذلك إلى أسرة محطمة تمزقت أوصالها بعد أن تمزقت أجساد أفرادها.
فبدءا من أخى الأكبر والذي لم يستطع الفكاك من مطارة الأجهزة الأمنية له والضغط عليه لمعرفة كل ما يمكن معرفته عن أصدقائي ورفاقي، كما حدث للكثيرين من رفاقي في المعتقل، فاختار أخيرا المنفى الطوعى واحتوته شوارع أوروبا كرقم آخر لمهاجري الجنوب ولكن هذه المرة  ليس لأسباب اقتصادية.
مرورا بوالدتي التي انهد حيلها وهى  تواجه في كل مرة تستطيع فيها زيارتي وهي تحمل كل ما تحلم به أم لابنها المعتقل عساها أن تقدم شيئا من روحها مع وجبة الطعام يحمل طعم ملوحة دموعها .لقد كانت طوابير الذل والمهانة التي تواجه اهالي المعتقلين وهم ينتظرون "الفرج" بزيارة قصيرة لا تتجاوز الدقائق العشر وعلى اكثر من شبك عازل، تحمل اكثر من معنى البشارة التي عاشتها "مريم العذراء" وجبريل ينقل إليها النبأ الإلهي الموعود.
تقول:- آنا اخماتوفا عن تلك الطوابير التي جمعت اهالي المعتقلين – بتصرف-
لم اكن لاعرفهم من قبل
لكن البريق الصادر من العيون المعتمة
كان اكثر من حبل السرة لي.
وهكذا كان أن أصيبت أمي وفى السنة الثامنة لاعتقالي بتهتك غضروفي لأربع فقرات في الظهر كجزاء بسيط على طوابير الانتظار، لكن ذلك لن يحول دون زيارتها لي ولستة أعوام أخرى وهى محملة بالأمل ما يكفى لقارة بكاملها.
فنتازيا
يملؤني توق عارم لإعادة ترتيب الزمان ، فالعبث الذي دمر شطرا كبيرا من شبابنا، والزمن الذي ترك بصمته على ذاكرتنا وأجسادنا كان زمنا مجنونا... لا منطق له ولا ذاكرة.
كان زمنا قاتلا ، غدارا ، مخاتلا .
كان زمن العسف ، والانفلات المجنون للغرائز الحيوانية... كان زمنا دمويا .
أشبه بأب سكير ينهال بالسوط على أبنائه في  سورة سكر عارم ... نكرهه ونحبه.
نكرهه لأنه سكير ... خارج الزمن والمنطق .
ونحبه لأنه جبار ... لأنه أبونا ....
كان ذلك الزمن زماننا ...
أحببناه إلى درجة الاستشهاد ... عشقناه إلى درجة القتل !!!
يا الله ما كان من أجمله زمن !!!
ولانه زمني ... زماننا جميعا ... سأعيد ترتيبه ... سأرجع له منطقه ودورته الطبيعية .
انه لنا ... انه نحن- المنفيين خارج الزمن- فمن حقنا أن نعيد تشكيله.
ولان- المنفى خارج الزمن فإن "المعتقل" لا يفقد حريته في اللحظة التي اعتقل فيها بل يستردها في اللحظة التي ينالها.
لذلك ستكون اللحظات التي كنا فيها قاب قوسين أو آدني هي اللحظات الأكثر حساسية وأهمية بالنسبة لنا -نحن المعتقلين.
الخديعة :

كان عام 1992 مميزا بكل المقاييس فمع انهيار الكتلة الشرقية وسقوط الأنظمة الاشتراكية-الشيوعية بدءا من انهيار الاتحاد السوفييتي، مرورا بحرب الخليج الأولى والتي مهدت لما سيأتي بعدها دون أن تتمكن المخيلة من رصد وتصور البعد الكارثي والمأساوي لها، انتهاء وليس أخرا بمؤتمر مدريد لما سمي بالسلام العربي الإسرائيلي، حيث تقابلت وبشكل علني أول مرة الوفود العربية والإسرائيلية تحت عدسات الكاميرات وتناوب فيها الوفدان السوري والإسرائيلي على تبادل الاتهامات علانية – فمن صورة المطلوب رابين wanted
 -
التي حملها الوفد السوري، إلى القائمة الطويلة من المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي التي حملها الوفد الإسرائيلي بدعوى الدفاع عن الديمقراطية المفقودة في سورية.
 
وقتها لم يكن أمام الأسد سوى الإسراع وبأقل تكلفة ممكنة بإطلاق سراح بعض المعتقلين السياسي، ولكن طبعا بشروط أهمها التوقيع على المذكرة الأمنية التي تنص فيما تنص على ضرورة و إلزامية ما يلي:
 -1 
مراجعة الأجهزة الأمنية في المحافظة التي يقيم فيها المعتقل المطلق سراحه وبشكل دوري كل خمسة عشر يوما.
 -2 
إبلاغ الأجهزة الأمنية بآي نشاط أو تحرك أو اتصال يقوم به المعتقل السابق.                                          
 -3 
التعاون الأمني الكامل  بل وحتى القيام بالمهام الأمنية المطلوب منه تنفيذها . طبعا من المسلم به التوقيع على المذكرة السياسية والتي تنص على:                     
أ- عدم الانتساب إلى أي حزب أو منظمة سياسية تعارض أهداف حزب البعث.
 
ب- انسحاب كل معتقل من الحزب الذي ينتمي إليه أصلا. وقتها لم تكن المحصلة النهائية لعدد المعتقلين السياسي الذين وافقوا على هذه الشروط مرضية للجنة الأمنية العليا والتي شكلت خصيصا لهذه المهمة مما لم يرض طموح القيادة السياسية والأمنية. لذلك لجأت إلى  جملة من الإجراءات والتدابير لتحقيق الهدف المرجو، كان منها على سبيل المثال الشكل الجديد "للمساومة" المتبع أجراؤها تقليديا مع المعتقل والتي تحددها جملة من الظروف ترتئيها القيادة الأمنية السياسية باعتبارها ظرفا مناسبا للقيام بها. بالمناسبة كنت قد تعرضت شخصيا ورفاقي في نفس المعتقل إلى ثمانية "مساومات" قبل أن امثل أمام اللجنة الأمنية العليا، وكانت كلها أي "المساومات" تتم بطريقة كلاسيكية واحدة. 
المنفضة:
كان يرأس قسم التحقيق في فرع الأمن السياسي في حلب، والذي كنت معتقلا لديه، ضابط برتبة رائد يدعى عبد الكريم سلامة، وهو "ضابط حربي" آي أنه ليس حقوقيا، فمن المتعارف والواجب عليه أن يكون ضباط الأمن السياسي خصوصا حاصلين على شهادة الحقوق ومن ثم يتم انتدابهم كضباط في "الآمن السياسي". عبد الكريم سلامة هذا وهو الذي يرأس قسم التحقيق المعنى بكل التحقيقات التي تتم مع المعتقلين السياسي وزواريب أحزابهم وتنظيماتهم السرية وبرامجهم الحزبية.  لم يكن يفقه من هذا كله سوى منفضة سجائره الثقيلة، فإن حدث ووقفت أمامه يبادرك بالسؤال :
- إيه ولاك شو ما بدك تحكى ؟
- عن شو بدك أحكي يا سيدى؟
ترد عليه ببراءة لا تنطلي عليك ولا عليه وأنت تحاول استراق النظر  من تحت عصابة عينيك .
لك صرعت ربي ولاك!! بينما تمتد يده لا شعوريا إلى منفضة سجائره لتحلق في الهواء ويكون بعدها نصيبك ما قسمته الأقدار أو كمية الخمرة التي عادة ما يبدأ نهاره بها .
فكرت ذات مرة أن معمل الشرق للزجاج في حلب يقدم كل إنتاجه لعبد الكريم سلامة هذا.
هكذا كانت طرق التحقيق "الحديثة جدا" التي يتقنها عبد الكريم سلامة.

أما طرق المساومة التي كان يمارسها، وهو عادة ما يقوم بذلك مكرها لاعتقاده بأنها تنازل خارق من القيادة الأمنية تجاه هؤلاء الأفاقين والمجرمين، فكان أن يجلس إلى طاولته وهو مخمور كالعادة ثم يطلب من رئيس المفرزة أن يدخل المعتقلين واحدا تلو الآخر:
الأول مثلا
-
شو اسمك ولاك... ؟
- كذا... سيدى
 - من انو تنظيم أنت ولاك...؟
-
 من التنظيم الفلانى... سيدى.
-
 تتعاون معنا ولاك...؟
-
 لا ... سيدى.
- انقلع ولاك!

الثاني مثلا 
-
 شو اسمك ولاك...؟
-  كذا ... سيدى
-  من انو تنظيم أنت ولاك...؟
-  من التنظيم الفلانى....  سيدى ....
-  تتعاون معنا ولاك...؟
-  نعم سيدى...

- انقلع ولاك!
 

اللجنة:

كان هذا الشكل الفريد من المساومة معمولا به وساري المفعول منذ عام 1980 لغاية الشهر الثاني عشر من 1992 حيث قررت القيادة الأمنية، ونزولا عند الحاجة والضرورة الأمنية العليا، اللجوء إلى تدابير اكثر دراسة وعمقا وتحايلا.

فكان أن طافت اللجنة الأمنية العليا- والمؤلفة من السادة "الأفاضل" : محمود سيفو رئيس فرع الأحزاب لدى الآمن السياسي، رامى عبيد  نائب رئيس الآمن السياسي بسورية، هاشم الصالح رئيس فرع الآمن السياسي بحلب، وتحت رعاية وأشراف مباشر من محمد سعيد الصالح رئيس الأمن السياسي بسورية- السجون في كل من تدمر وحلب وحمص ودمشق واللاذقية لمساومة المعتقلين السياسي علها تصل إلى نتيجة ترضى طموح القيادة الأمنية بتعاون المعتقلين وموافقتهم على الشروط الأمنية والسياسية مقابل إطلاق سراحهم.
لجأت من اجل ذلك إلى طرق جديدة في الخديعة والمكر (انطلت للأسف على بعض الرفاق)  دون دراية وبحكم الرهبة والإرهاب والتكتم الأمني والسرية التي رسمت مسار الأحداث.
من  المفيد الإشارة إلى أن هذه اللجنة الأمنية طالت في مجال عملها فقط التنظيمات والأحزاب السياسية أي حسب التقسيم الرسمي للقيادة الأمنية: كل المعتقلين السياسي من غير تنظيم الأخوان المسلمين ، دون التمييز لشقيه السياسي منه أو العسكري بالإضافة إلى ما هنالك من تفرعات لتنظيمات مسلحة أخرى مثل "الطليعة المقاتلة". ولم اكن واعيا وقتها للفروق الجوهرية بينهم بحكم سيادة الخطاب الدعائي للسلطة. على كل حال لم يبق منهم أحد من "الطليعة المقاتلة" على قيد الحياة داخل المعتقلات فقد تمت تصفيتهم بمحاكم ميدانية ونفذ حكم الإعدام فورا بحقهم.
كان قد تم تقسيمنا إلى مجموعات صغيرة، كل مجموعة تضم حوالي خمس معتقلين ، لاعتبارات حزبية أحيانا، أو اعتبار الحداثة أو القدم في الاعتقاد حينا آخر.
لقد كنت ضمن مجموعة من الرفاق ضمت كلا من : أسامة عاشور العسكري، شقيقه الأصغر مازن عاشور العسكري، حسين سبراني، أديب الجاني، وأنا، تم اقتيادنا إلى "لفرع" حوالي الساعة العاشرة مساءا بعد أن أشيع في الجناح الذي كنا نشغله في سجن حلب المركزي بأننا ذاهبون للإفراج بسبب صدور عفو رئاسي عن كافة المعتقلين السياسيين في سوريا، وتم تهيئة الأجواء لذلك .
كان ثمة إحساس متناقض يراودني وأنا في السيارة التي اقلتنا  إلى فرع الأمن السياسي بالسليمانية بأنني لربما نلت أخيرا الحرية التي احلم بها، لكن ثمة شئ ما في داخلي كان يعكر مثل هذا الحلم البعيد المنال.
كان دوري الثالث عندما اقتدت إلى غرفة رئيس الفرع /كما عرفت بذلك فيما بعد.

المساومة:
في الطريق إلى غرفة  رئيس الفرع لم يتح لى أن التقى برفيقي أسامة العسكري الذي سبقني إلى المساومة، علني استبين شيئا مما سيحدث لى ولو بنظرات خاطفة كانت لغتنا السرية في معتقلات الصمت التي ألفناها.
كانت صالة فسيحة أشبه بملعب لكرة السلة توزع فيها أثاث فخم لا يتناسب والحالة المزرية التي تشي بحالتنا كمعتقلين لصالح ذلك الفرع المذكور. في صدر الغرفة وعلى مسافة متوسطة النظر توسد مكتب بديع ذكرني بقاعات المحاكم الإنجليزية الشهيرة السمعة خلفها توزع بطريقة عشوائية ثلة من الرجال. أحسست وأنا أخطو الخطوة الأولى داخل القاعة بعد أن دفعني إليها المرافق دفعا واوصد الباب خلفي، أنني خارج الزمان بكل ما اختزنته ذاكرتي خلال الأعوام التسعة السابقة لاعتقالي .
كانت المساحات الفارغة بين أجساد الحاضرين هي المساحة المفضلة، بل الوحيدة، التي غامرت بالنظر إليها، ثم ما لبثت عيناي أن استراحت من عناء النظر إلى الخارج وارتدت بشكل لا إرادي نحو الداخل لتمعن النظر في شريط طويل عمره تسعة سنوات، شهد اليوم الأول لوجودي في هذا المكان .
تسمرت قدمي عند الخطوة الأولى التي شغلتها في هذه القاعة ما لبثت أن جررت الأخرى لامنح نفسي شيئا من التوازن المفقود عله يهدأ من دهشة الأحداث القادمة، كانت الصور تتدافع أمام عيني بطريقة موجعة، أغلقتهما علي أوقف هذا النزف الذي طالما كنت قد عشته بحذافيره.
أفقت على صوت أحسست انه قادم من عالم آخر
-
إيه يا ابني .... هات لنشوف ....احكي لنا شو وضعك؟ كان ثمة نبرة أبوية في ذلك الصوت لم ارتح لها.
-
آنا يا سيدى... وكتلميذ أمضى الليل كله وهو يحفظ عن ظهر قلب - سورة مريم- أفرغت ما في ذاكرتي دفعة واحدة ثم صمت - هكذا فجأة كما بدأت .
ران صمت  ثقيل لم يرق لي، كما لم يرق لمحدثي التالي الذي قطعه قائلا بقسوة أحسست بأنها تعيد توازن الأشياء المفقودة في هذا المكان :
-
اسمع يا ابني... هلا نحنا بدنا نطلعك من السجن... بس بدنا إياك إذا شفت حدا بدوا يخرب أو بفجر بالبلد تبجي تخبرنا عنه... مو هيك؟
-  شلون يعنى سيدى؟  تساءلت ببلاهة وأنا اشعر أن شخصا آخر يتحدث بداخلي.
- يعنى إذا شفت قنبلة تبجي تخبرنا؟
 ...يا إلهي..! هل اصبح من الممكن أن يتمشى البشر في الشوارع  بين القناب ؟ لم يكن بوسع مخيلتي أن ترسم شكلا طبيعيا لشوارع وطني الذي افتقدته طويلا!
-  شو... باين عليك آدمي وفهمان وحابب تطلع من السجن... شو قلت؟
-  يا سيدى بروح خبر مخفر الشرطة!
أحسست بأني خارج المأزق .
-
 لا... بدنا إياك تبجي تخبرنا نحنا.
عاد الصمت ثقيلا مرة أخرى وعاد شريط الصور يؤلم عيني فأغمضتهما ثانية، كان وجه أمي يلح علي كطرق على السندان.
قطع الصمت صوت قاطع، حاد، نزق :
-
 هلق بدك تتعاون معنا ولا لأ؟

-      لا...
-  انقلع! انقلع!  وهكذا عادت الأشياء إلى منطقها الطبيعي... انقلع! وقتها استعدت تمالك نفسي ... أنني أنا هو هو... انقلع .... إذن فأنا في المكان الصح .
كان ثمة صبر وأنا اكثر ودهاء وحيلة اشد للكثير من الرفاق :
-  شو اسمك؟
-  كذا ..سيدى..
- من ايمتى أنت موقوف...؟
-  من تاريخ كذا ... سيدى..
يتابع محدثك التظاهر بالكتابة على ورقة أمامه بينما أنت في وضع غير متوازن لا يسمح لك بالقبض على الحدث ...
-  أنت اعتقلت بالجامعة ولا بالشغل؟
-  لا بالجامعة ...سيدى..
-  بالجامعة .. هـــــــــآآآ
- طيب تعا وقع على ها الحكى .. وروح لبيتكم..
وبطريقة مدروسة لا تدع لك فرصة الاطلاع على أي ورقة تم توقيعك، تكون قد انطلت عليك الخديعة التي شكلت من اجلها تلك اللجنة، بجهابذتها العباقرة .
لم يقف الأمر عند هذا الحد،
قامت اللجنة الأمنية العليا وعن طريق الفروع الموزعة في المحافظات السورية بالاتصال بأهالي وذوى المعتقلين - أصحاب الرؤوس الحامية - واستدعائهم والطلب إليهم بإقناع - أبنائهم أو أزواجهم أو آبائهم - بالموافقة على الخروج من السجن !!!!!!
نعم الخروج من السجن.
اجل هكذا كان الخطاب الدعائي للأجهزة الأمنية والذي روجت له اجتماعيا وسوقته إعلاميا ، آما ضحايا هذا الخطاب فكانوا الأهالي والمعتقلين على حد سواء.
لقد تم الطلب - أحيانا بطريقة النصح وأخرى بطريقة الرجاء - من زوجات وآباء وابناء وأمهات المعتقلين بعد أن تم منحهم زيارات خاصة بعد فترة انقطاع طويلة أن يقوموا بإقناع أزواجهم أو أبنائهم أو آبائهم بالموافقة على الخروج من المعتقل ذلك بعد أن ارتأت "رحمة وحنان الأب القائد" إصدار " عفو شامل" عن كافة المعتقلين وإعادتهم إلى الحياة الطبيعية.  لكن بعض " أصحاب الرؤوس الحامية " يرفضون هذا "السخاء الأبوي"، ويجحدون بنعمة ربهم، لذلك ليس المطلوب سوى "موافقتهم -أي المعتقلين - للخروج من المعتقل".
لكم أن تتخيلوا الحالة النفسية التي تكون عليها الزوجة والتي تصل " بالضخ الدعائي" للاعتقاد أن زوجها يفضل المعتقل على الخروج والحياة الحرة الكريمة معها .
وتفاقمت بعض الحالات وصولا إلى حالات الطلاق كما حدث  للشهيد المرحوم رضا حداد حيث وضعت زوجته أمامه اختيارات ضيقة لا سبيل للخروج منها : فأما أن يطلقها،  أو يخرج من المعتقل بأي شكل كان.
أو كما حدث لوالدة الرفيق "عزيز تبسي التي أصيبت بانهيار عصبي أودى بالبقية الباقية من توازنها النفسي بعد تسعة أعوام من المعتقل امتدت لتصل إلى خمسة عشر عاما.
آما ما كان من نصيبي المتواضع: لقد تم منح والدي بطاقة زيارة بعد أن تم الإيحاء والإقناع بأنني من يرفض الخروج من المعتقل.
باءت كل محاولاتي بالفشل لا قناع والدي بحقيقة الأمر .
كان واقعا تحت تأثير  وهم احبه ولا يريد تكذيبه مهما حدث، بأن فرصة إخلاء سبيلي متوقفة علي، وهى كذلك حقيقة، ولكن لأسباب أخرى مختلفة عن تصوراته وان المسالة برمتها متعلقة بي وبقراري الذي يجب أن يكون إيجابيا.
لقد كنت في وضع لا احسد عليه، وأنا العارف بحقيقة وضع والدي الصحي، فهو مصاب بثلاث أزمات قلبية سابقة بالإضافة إلى مرض ارتفاع ضغط الدم والسكري الذي يعاني منه، وفوق كل ذلك شيخوخته التي لا ترحم.
في الحقيقة كان كلانا في وضع لا يحسد عليه. ارتفعت حرارة الحوار، تم استخدام بعض كلمات غير لائقة، تمت الاستعانة بإشارات عديدة من الوجه واليدين .
وصل الحوار إلى نقطة اللاعودة. وقتها شعرت - صادقا- بأنني ربما كنت قاتل أبى، بجلطة رابعة مقدمتها " رعونة - صوابية" موقفي .
اهتديت دون أن اخطط أو أدرى بأن الزنزانة هي المكان الوحيد الذي أستطيع أن اخرج فيه  من الحصار الذي كنته، وذلك ما زاد من قناعة والدي باختياري.
وجاءت النتيجة بأفضل أسرع ما توقعت .
بعد اقل من ثلاثة اشهر أصيب والدي نتيجة ارتفاع معدل السكر لديه بالغر غرينا في إبهام  قدمه اليسرى أودت بساقه من فوق الركبة.
شكرا لكل اللجان الأمنية،
 
وكل لجنة وانتم بخير

 

 

 

* كاتب سوري