انتحال صفة

ماجد حبو *

 

شهد المجتمع السوري في مطلع الثمانينات ظاهرة اجتماعية شاذة لا تتناسب والقيم الاجتماعية السائدة والتي تشكل القواعد العامة الأساسية لسلوك أفراد المجتمع في سورية وذلك قبل أن تعمم على المواطنين إيديولوجية "باني سورية الحديثة".

هذه الظاهرة هي انتحال صفة عنصر أمن وهى تعكس أساسا جملة من المؤشرات:

أ- حالة انسداد الأفق أمام المواطن في استحقاق حقه في حالة كونه صاحب حق لدى المؤسسات الإدارية أو القضائية. أن كون المواطن وبصفته مواطنا فقط يمثل اضعف الحلقات الاجتماعية قد جعل منه في ابسط الحالات مادة خصبة لاستلاب حريته ومكاسبه وحقوقه من قبل أصحاب النفوذ، وعلى رأسهم المؤسسة الأمنية التي تشكل العمود الفقري للسلطة السياسية في سورية.

ب- تمثل الحالة الطريق الأسهل والأوفر لنهب واستلاب الآخرين والوسيلة الأسرع للربح والكسب غير المشروع بعيدا عن المسائلة.

ج- تمثل الحالة أيضا التعبير المزيف عن الوجاهة الاجتماعية وسلطة أصحاب النفوذ ذوى اليد الطولي في المجتمع السوري، فقد اصبح من المألوف أن لا يقال الدكتور الفلاني، أو ابن الأسرة الكريمة العلانية، بل أصبحت العملة الدارجة لتحصيل وجاهة اجتماعية هي درجة القرابة مع الضابط الفلاني أو صداقته مع المسؤول الأمني العلاني.

د- كون الحصانة الأمنية هي الأكثر فعالية وحضورا في ظل غياب أي حصانة أخرى من جهة وكونها تشكل المدخل الضروري لكل النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمتد نشاطها إلى تخوم السلطة السياسية. 

وبطبيعة الحال جاءت هذه الظاهرة لتمثل محاولة يائسة لاسترداد شيء من الحقوق المسلوبة، أو تعبيرا بائسا من أصحاب النفوس الضعيفة لكسر احتكار السلطة لهذا الامتياز في الوقت الذي سعت فيه الأجهزة الأمنية والسياسية لإبقاء هذا الامتياز محصورا في دائرة من يدور في فلكها فكان أن سنت قوانين عرفية لفرك أذن هؤلاء المغامرين "المتجرئين على هيبة الدولة" وتجاوزهم الخطوط غير المسموح باختراقها باعتقال عرفي يتراوح بين ثلاثة وستة اشهر لأنهم أساسا لا يشكلون حالة من المعارضة المنظمة أولا، ولطموحهم وأحلامهم أن يكونوا الأبناء المخلصين لهذه السلطة بشكل فعلي. وقد أبدت بعض الحالات التي تم توقيفها وحجزها بالمعتقل أثناء تواجدي فيه ما يفوق في إخلاصه اكثر المؤسسات أو الهيئات أو الأفراد وفاءا لتلك السلطة.   

وسأكتفي بذكر حادثة واحدة بشيء من الاختصار لحساسيتها الفائقة:

لم يكن قد مضى على اعتقالنا وقت طويل حتى استطاع أحد الآباء أن يحصل على إذن خاص بزيارة ولده المعتقل، وهو – أي رفيقنا المعتقل– ينتمي بحكم الوراثة البيولوجية لإحدى الطوائف الأقلوية وما أكثرها في سورية.

  فرحنا جميعا ً-ربما أكثر من رفيقنا صاحب الزيارة نفسه لان هذه الزيارة كانت النافذة الأولى الوحيدة التي تضرب بالسور المحكم حولنا.

كنا متلهفين لأخبار العالم، ما هو صدى اعتقالنا؟ إلى أين تجري الأمور في الخارج في ذلك الوقت العصيب من تاريخ سورية في مطلع الثمانينيات وما شهدته سورية من أحداث بل ومجازر بحق الوطن والمواطن.

حملنا رفيقنا من الأمنيات والتحيات ما يكفي لوطن بكاملة وجلسنا متلهفين ما سيحمله لنا من أخبار تطفئ ظمأ كل منا حسب تعطشه الخاص في الوقت الذي كان فيه رفيقنا يمضي إلى زيارته الاستثنائية الأولى والأخيرة!

لقد كان والده بمفرده هو من حصل على الأذن الخاص بالزيارة , فكان أن بادر ولده بالتوبيخ والتقريع فور مشاهدته، وبحضور المفرزة الأمنية المكلفة بحراستنا.

"ولك يا حيوان! في حدا بالدنيا يوقف بوجه حافظ الأسد؟ ما هو اللي حامينا!"

أساساً! أصلاً لو مو هو كان ذبحونا... كلنا!

صعق رفيقنا من هذه المقابلة غير المتوقعة –بالرغم من معرفته الكاملة بطباع والده،

وقبل أن يفيق من صدمته الأولى كان والده يبادر بالطلب من رئيس المفرزة :

"أعطيني الدولاب! لازم أعمله فلقة لهل عرص منشان يعرف أنو الله حق! لازم

يكون ما عرفت ربيه كويس وهو صغير... لازم ربيه الآن وهو كبير!

انتقلت الدهشة إلى وجه رئيس المفرزة، فقد كان فوق تصوراته –حسب إدراكه- أن

يكون ثمة  أب ينتحل صفته في معاقبة أحد المعتقلين لديه.

إلى هنا والمسالة برمتها لا تعدو كونها ظاهرة " فردية " لأشخاص مستعدين لركوب

ظهر الابن –طائعين أو مرغمين– للدفاع عن مصالحهم الفردية عموما، أما وان

تغدو مثل هذه الظاهرة من حيث الشكل والمضمون تنظم آلية عمل مؤسسات، هيئات،

سلطات أو أنظمة سياسية فهو ما يحتاج إلى وقفة مطولة لشرح دلالاته وتوابعه وسير

آليات عمله فقد أصبح من المألوف حالات الانتقال العنيف التي تميز آلية العمل

والخطاب الايدولوجى لبعض الأحزاب والهيئات السياسية بالأخص " ذات الخطاب

الاشتراكوي القوموي" نسبة إلى تقسيمات عزيزنا المرحوم "ياسين الحافظ" وسأحصر هنا المحاولة لتبيان الخطاب الايدولوجى والوعائي لكثير من الأنظمة العربية وهى ليست محاولة لتمييزها عن المسار العام الذي تنتظم فيه دول العالم الثالث برمتها. فقد شهد الوطن العربي انتكاسات تاريخية وانقطاعات عن مسار التطور الموضوعي الخاص بكل بنية اجتماعية سياسية، وقد تمثل المحرق الأساسي لمثل هذه الانتكاسات والانقطاعات في القضية الفلسطينية التي تظل محرقا أساسيا وجوهريا ذو أبعاد وطنية لبعض بلدان الطوق مثل سوريا ومصر أو ذات أبعاد قومية للبعض الآخر, وتجاوزا للإفاضة أجد من المفيد الوقوف عند هزيمة 5 حزيران 1967م كونها الحاضنة القيصرية لكثير من الأنظمة العربية الحاكمة، فقد حملت هزيمة 67 فيما حملت ورقة نعي لكثير من الأنظمة العربية وخصوصا أنظمة الطوق بما تمثل من مشروع وطني كانت قد تصدت لمعالجته البرجوازية العربية ذات المنشأ الهجين، والتي لم يكتمل نشؤها نظرا لولادتها المشوهة أصلا فكانت عاجزة موضوعيا عن حل المسالة الوطنية بما يتناسب ومهام الثورة البرجوازية ذات التعريف الكلاسيكي القائم على غرار النموذج الأوروبي، ونظرا للأوضاع الاستثنائية التي عاشها الوطن العربي الخارج بقوة من احتفالات كولونيالية أوروبية قدمت مباشرة بعد احتلال تركي طويل متخلف وهكذا حملت هزيمة 67 البرجوازية الصغيرة -وعبر مؤسسة الجيش خصوصا- إلى كثير من الأنظمة العربية، سورية الأسد 1970، السودان النميري 1969، ليبيا القذافي 1969، مصر السادات 1970، وهي بمجملها ما تزال حتى الآن نفس الأنظمة ببنيتها السياسية وان دخلت مخاضات متنوعة أفرزت فيها توجهات  تحمل مواصفات النظام الأصل، والذي يتميز بالتذبذب والعشوائية وقصر النظر.

ففي الوقت الذي كانت فيه دمشق " قلب العروبة النابض" " تنتحل صفة" هانوى العرب كان النظام السوري يدك مواقع المقاومة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية بأبرز مجازره فيها " تل الزعتر" عام 1976م .

وللوقوف على حقيقة الآمر تجدر الإشارة إلى طبيعة هذه الأنظمة السياسية ذات

  الأصول البرجوازية الصغيرة والريفية "عبر حواملها الموضوعية"والذين هم

 بالمجمل مجموعة من المغامرين العسكريين – فاوستات مشوهة، نسبة إلى

 فاوست بطل غوته، يحدوها حلم طوباوى بتغيير العالم وفق رؤى خاصة فرادنية, فكان أن باعت روحها للشيطان دون أن تتمكن من تحقيق أحلامها، وهكذا كان أن ارتدت تجلد نفسها بطريقة –مازوشية حادة– لتتحرر من اثام أخطائها وليس لإعادة النظر بالأخطاء ذاتها وكان الضحية على الدوام هو المجتمع وليس أحلامهم الفردانية التي ترسم لهم صورا وردية على شعوب وأفراد كانوا يتمنون لو كانوا من سويسرا وليس من ليبيا" على حد تعبير الزعيم الأخضر القذافي" وبالعودة إلى حالات "انتحال صفة" التي تميز هذه الأنظمة السياسية والتي أصبحت بدون شرعية اجتماعية، عبر أول امتحان لها بأوضاع مختلفة، فالنظام المصري الساداتي وجد أن أزمة المجتمع المصري التنموية ليست في حالة النهب المنتظم التي تمارسها مؤسسة الدولة واتباعها بل في حالة الحرب "لمعلنة فقط" مع الكيان الصهيوني فكان أن قام السادات بمبادرته المشؤومة  التي أقضت إلى حالة أقصى من الإقفار الاجتماعي بالإضافة إلى تبعات التسوية التي أخرجت مصر من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، وأدت في النهاية إلى النتيجة الطبيعية لاغتياله كمحصلة طبيعية لسوء اختياره، واستكمالا للمسيرة ذاتها يقدم الاقتراح "المبارك" بأن الزيادة السكانية للشعب المصري هي الآن اصل البلاء وليس "كف اليد الطولى" للجيش المصري والذي يقاسم الاقتصاد المصري بنسبة تتجاوز ال30% من الاقتصاد المصري عبر "اقتصاد وظل" غير مشمول بالقوانين الاقتصادية النافذة في المجتمع المصري. وبالعودة إلى اصل البلاء فان هذه الأنظمة والتي هي فاقدة للشرعية كانت تستمد عناصر قوتها من الخارج "وليس من الداخل "كونها لا تشكل امتدادا طبيعيا لعناصر القوة الموزعة اجتماعيا، فكانت اقل مناعة منه نحو الداخل وهو ما أفضى إلى ازدواجية الخطاب الأيدلوجي الذي قامت عليه أساسا، بل في كثير من الأحيان إلى ثلاثية أو رباعية الخطاب ذاته بما تقتضيه تصورات الخارج المتحكم به أصلا والذي ارتكز على عنصر مهم وهو "شخصنة النظام السياسي" الملتف حول "الزعيم" المنفرد الملهم الفذ الخالد. وهو ما كان يدفع بالراحل حافظ الأسد أن يتغنى بأصوله الريفية وبأن الجلسة على بيادر الطبيعة ارق واهدأ بالا من الكرسي الرئاسي أبان أزمته في مطلع الثمانينات مع حركة الأخوان المسلمين.

      وهو نفس الخطاب الايدولوجى والصفة المنتحلة لخلفه اليافع عندما يتنطح لمحاربة الفساد الاداري والاقتصادي في الوقت الذي يعيش فيها المواطن السوري في حدود أدني من الفقر. وإذا كان المواطن العادي يسعى للتماهي أو لإيجاد درجة ما من القرابة ولو بانتحال صفة مع الأنظمة السياسية الحاكمة وخصوصا عبر أهم مؤسساتها الأمنية كشكل بائس لتحصيل شئ من الحصانة أو المكاسب فإن هذه الأنظمة تنظر إلى الخارج وتسعى بكل السبل والوسائل لاسترضائه ونيل الحظوة لديه لأنها تدين لهذا الخارج بإدامة وجودها. وإذ تضع الولايات المتحدة الأمريكية سورية بنظامها السياسي على قائمة الدول الداعمة للإرهاب تجد النظام السوري يدفع بجنوده إلى مد حفر الباطن اسوة بذلك الوالد الذي ينوب عن جلاد ولده وهو ذات الشيء الذي يدفع بخلفه إلى المباركة على القرار الاممي 1441 الخاص بالعراق في الوقت الذي لا يكف إعلامه عن الصراخ والدعوة إلى التضامن الاجتماعي.

      وكما أن المواطن العربي يجد بحدسه أن اقصر الطرق لنيل الحظوة والمكاسب هو ركوب الموجة "الأمنية" فإن الأنظمة تتواطأ على نفس المنوال في التشارك الأمني المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية وخصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر فقد بات معلوما للجميع الاستباحة الكاملة وإطلاق اليد للمخابرات المركزية الأمريكية في كثير من الدول العربية وكشهادة حسن نية أو انتحال صفة تجاه التهمة الجاهزة "دعم الإرهاب" في كل من اليمن والكويت والسعودية والأردن والمغرب ومصر والجزائر وسوريا وبكثير من التفصيل لكل بلد على حدة .

     وأما الجهود السورية، أي جهود أجهزة الآمن السورية في مجال تسهيل عمل أجهزة المخابرات الأمريكية وتقديم العون والمساعدة لها في مجال ما اصطلح على تسميته مكافحة الإرهاب، وتقديم المخابرات السورية لوائح لأكثر من 1600 مشتبه لتنظيمات إرهابية جاء الثناء عليها من الإدارة الأمريكية إلا محاولة لانتحال صفة لن تنال عليها في المحصلة اكثر مما يناله المواطن السوري صاحب التجربة نفسها بل ربما اشد أمرا، فلن يكون النظام السياسي في سوريا بمأمن من بطش الولايات المتحدة كما هو حال النظام السوري, تجاه أصحاب النفوس الضعيفة.

 

 

* كاتب سوري