عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

 ياسين الحاج صالح

«ميدل-إيستولوجيا»: في شأن المعرفة والسلطة و... العدالة!

 

 

2007-04-23

 الحياة    

يرصد التقرير الذي أصدرته مؤخرا المجموعة الدولية لمقاربة الأزمات (إنترناشنال كرايزز غروب) أكثر من تسع صفحات من نصه الانكليزي لشرح المقاومة الإسرائيلية للعودة إلى التفاوض مع سورية، فيما يخص الموقف السوري بأقل من خمس صفحات («تجديد إقلاع التفاوض السوري الإسرائيلي»، 10 نيسان/ابريل 2007). يبدو هذا غير متوازن. بيد أن قراءة مدققة للتقرير تكشف أن اللاتوازن أوثق صلة بتكوين الطرفين ونظامي السلطة والمعرفة فيهما منه بانحيازات محتملة من قبل معدي التقرير. سنلاحظ، مثلا، أن لا أسماء للمسؤولين السوريين الذي يحيل إليهم التقرير في هوامشه الوفيرة. إنهم «سيريان أوفيشالز» (رسميون سوريون)، والسلام! لا آراء ولا اجتهادات أيضا؛ «مواقف مبدئية ثابتة» فحسب. للإسرائيليين، في المقابل، أسماء وسِيَر وملامح مختلفة. هذا رئيس أركان سابق، وذاك مؤرخ عسكري معروف، وثالث وزير خارجية سابق، ورابع من ليكود، وخامس من العمل وهكذا. يعبر الإسرائيليون على العموم عن آراء قد تبلغ درجة العدوانية أو تنطوي على عنجهية مكشوفة، لكنها متنوعة، ويستند الأكثر توازنا بينها إلى معرفة منضبطة بقواعد بحثية نوعية (التاريخ العسكري، العلاقات الدولية، فن التفاوض...). المسؤولون السوريون، أو قل المسؤول السوري المتعدد النسخ، يعبرون عن مواقف لا شخصية أشبه بالكليشيهات: متشابهة، مجملة، هاربة من التفاصيل، يغني سماعها من شخص واحد عن الحاجة إلى سماعها من غيره.

اللاتوازن موجود في التقرير حقا، لكنه قبل كل شيء لا توازن بين نظامين للسياسة والمعرفة.

هذه أمثلة نأخذها من «معاهدة السلام» التي يقترحها التقرير. في الفقرة المخصصة لموضوع المياه، لا يكتفي التقرير بأن يمنح لإسرائيل سيادة تامة على بحيرة طبريا، بل يتعدى إلى مطالبة سورية بأن تمتنع عن التأثير على انصباب المياه فيها من مواقع محتلة حاليا. ويقترح محمية طبيعية تبدو في الواقع مخصصة حصرا لحماية كمية ونوعية الماء الذي ستنتفع منه إسرائيل. يسوّغ التقرير ذلك بحساسية قضية المياه بالنسبة للإسرائيليين، وبالأهمية السيكولوجية لدوام انتفاع الإسرائيليين بهذه المياه بعد أن تعودوا التمتع الآمن بها طوال الـ35 سنة ماضية.

لكن لماذا المياه ليست حساسة للسوريين؟ سبب أساسي لذلك أنه ليست ثمة رواية سورية حول مشكلات المياه المرشحة للتفاقم، وتمتع سورية بمصادر مياه أقل من تلك المتاحة لإسرائيل، وحيازة هذه قدرات تكنولوجية متطورة ومرشحة لمزيد من التطور (يورد التقرير ذاته أن كلفة تحلية متر مكعب واحد من ماء البحر تدنت اليوم في إسرائيل حتى 60 سنتا فقط، وأن لدى الإسرائيليين مشروعا يكرر 100 مليون متر مكعب في العام، وثمة مشاريع أخرى قيد البناء أو التخطيط ستتجاوز طاقتها التكريرية تدفقات الماء الجولانية).

في المقابل، معلوم أن مدينة دمشق تعاني من نقص في المياه، وأن نهر بردى يحتضر منذ ثلاثة عقود أو أكثر، وأن القدرات التكنولوجية السورية أدنى من نظيرتها الإسرائيلية، وأن نصيب الفرد الإسرائيلي من الناتج الإجمالي يتعدى تسعة أضعاف نصيب السوري، ولعل نسبة نصيبه من الماء أشد انحرافا. بيد أن هذه وقائع مكتومة أو لا تجد سبيلها إلى إطار تفكير متسق.

مثل ذلك أيضا في مسألة الأمن. خطة مجموعة مقاربة الأزمات للسلام تقترح منطقتي تسلح محدود على الجانب السوري عمق كل منهما عشرة كيلومترات، ومنطقة واحدة على الجانب الإسرائيلي عمقها عشرة كيلومترات. لماذا؟ «لأن إسرائيل تفتقر إلى العمق الاستراتيجي مقارنة بسورية». حقاً؟ وماذا عن التفوق الجوي الإسرائيلي الساحق الذي يمنح إسرائيل مساحة جوية تتجاوز بأضعاف مساحة سورية البرية التي تكاد مساحتها الجوية تكون معدومة، في أوقات الحرب بخاصة؟ وماذا عن التفوق البحري الإسرائيلي أيضا؟

التقرير يبني على مفهوم جامد للعمق الاستراتيجي، مهملا دروس كل جولات الحرب السابقة بين العرب وإسرائيل، وغاضا طرفه عن حقيقة أن من يملك تحريك قواته المتفوقة بسرعة وفعالية هو الطرف الإسرائيلي وليس السوري (ثمة تبرير آخر لتفاوت عمق المنطقة المنزوعة السلاح: حاجة إسرائيل إلى تأمين حدودها مع لبنان، ما يقتضي «وصلا» لا «فصلا» لقوات الطرفين الإسرائيلي واللبناني. لكن الحل الأكثر منطقية في مثل هذه الحال هو تواقت السلام مع كل من سورية ولبنان، بالخصوص لكون مطالب لبنان لا تتجاوز اليوم مزارع شبعا).

نقطة ثالثة: في بند الأمن نقرأ أن الطرفين سيمنعان أية منظمة أو مجموعة من الدخول في أرضيهما أو الإقامة فيها أو العمل فيها بما يعرض أمن الطرف الآخر للعنف أو التحريض عليه. هذه ثغرة لن تكف الذمة الإسرائيلية الوسيعة أصلا عن توسيعها، تأويلا وتهويلا. طبائع الكيان الإسرائيلي الأصيلة تتيح تنبؤا موثوقا بأنه سيعتبر أية أنشطة فلسطينية، إعلامية أو ثقافية أو اجتماعية أو سياسية، «تحريضا» عليها. هذا مع العلم أن في سورية أكثر من نصف مليون لاجئ فلسطيني (700 ألف حسب بعض التقديرات) شردتهم إسرائيل، ولا تكف عن تنكيد حياة ذوي قرباهم بلؤم مسعور.

نقطة رابعة تتصل باقتراح قديم يستعيده التقرير: مراكز مراقبة وإنذار مبكر يشرف عليها أميركيون. هذا بند يضرب صفحا عن كل تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، بالتحديد العلاقة العضوية بين إسرائيل والولايات المتحدة، واستحالة أن تكون هذه طرفا نزيها يوزع المعلومات على الطرفين بالقسطاس المستقيم.

هذه ملاحظات سريعة وغير حصرية من متابع غير مختص، ليس الغرض منها تعديل نصوص المعاهدة المقترحة (فات وقت ذلك منذ زمن بعيد، بالخصوص تخويل الأميركيين مراكز المراقبة...). ومن غير السليم كذلك التركيز عليها من باب تسجيل النقاط والتذمر على غرار ما جرت العادة السورية. الغرض، بالأحرى، تطوير رواية سورية متسقة ومفتوحة لا تثابر بكل بلادة على اجترار مبادئ مجردة للعدالة، مقطوعة الصلة قبل كل شيء بشروط حياتنا السياسية الوطنية.

رواية كهذه يتعين أن تتسع للعناصر التالية: أولا، معلومات تفصيلية وموثقة عن مختلف القضايا موضوع التفاوض؛ ثانيا، إدراج المطالب السورية ضمن إطار قيمي يستند إلى القيم الإنسانية العامة ومبادئ الشرعية الدولية (هذا شيء مختلف عن قراراتها)، لا إلى مطالبات قومية ذاتية، مصوغة فوق ذلك بخطاب ماضوي؛ ثالثا، مؤسسات بحثية وسياسية فعالة تعنى بتطوير الرواية السورية وتنويع الأطر التحليلية الداعمة لها (لا «مراكز دراسات استراتيجية» رثة، تجتر الخطاب الرسمي الفقير والرث أصلا)؛ رابعا، إدراج الرواية هذه في سياق استراتيجية وطنية عامة لاسترجاع الأراضي المحتلة بأقل قدر من القيود السيادية. هل هذا ممكن دون، خامساً، هياكل سياسية وطنية متحررة وعادلة؟

من شأن جهد في هذا الاتجاه أن يدفع نحو مقاربات أكثر توازنا، بقدر ما ينحو صوب تعديل موازين القوى بين نظامين للسياسة والمعرفة.

للوهلة الأولى، يبدو التقرير الذي بين أيدينا وفيا لمبادئ الميدل-إيستولوجية من حيث المركزية الغربية والمعامل التفضيلية لمطالب الطرف الغربي (إسرائيل في سياقنا هذا)، ومن حيث تفصيل الرواية الإسرائيلية وإجمال الرواية السورية، ومن حيث تغليب البعد الفني للمسائل المتناولة على بعدها السياسي والقيمي المتصل بقضايا العدالة والمساواة. قد يبدو «العلم» هذا، وهو جملة روايات منهجية تستجيب لوعي الغرب لذاته ومصالحه وتفوقه ومركزيته العالمية، نابعا من هياكل السيطرة الغربية وعوائدها ومعهوداتها. نعم. لكنه قبل ذلك نابع من لا توازن العلاقات بين نظامين للمعرفة والقوة. المبادرة إلى تعديل هذه العلاقة تنطلق من تصحيح هياكلنا، وليس من لوم الغرب على تفوقه وسردياته. وليس إلا القليل جدا من العقبات أمام التصحيح ناجم عن السيطرة الغربية.

«علم الشرق الأوسط» لا يمثل روايات الغرب، بل العلاقة بينها وبين رواياتنا. لا يقول شيئا عن جوهر الغرب، بل عن علاقتنا به وعلاقته بنا، سلطةً ومعرفةً.

 

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة