اللبرلة في سورية :

الصراع بين العقلية الاقتصادية والعقلية السياسية

 

ريموند أ0هينبوخ*

 

وصفها إحدى الدول العربية التي جربت الليبرالية الاقتصادية وأبدت ، حتى الآن، مقاومة قصوى إزاءها،فإن سورية تمعن النظر في الكيفية التي تسعى بواسطتها القوى المؤيدة والمناهضة لليبرالية الاقتصادية إلى تدبر أمرها وسط السياسات العربية0 هذه الحالة تتيح لنا نظرة متفحصة نوعا ما في الآلية التي يمكن من خلالها لهذه القوى،التي أطلق لها العنان ذات يوم،أن تغير في النظام السياسي0

     في الأنظمة الدولانية· المتسلطة،كما هو الحال في سورية،ثمة مقاربتان متعارضتان،إحداهما تسوغ اللبرلة والأخرى تسوغ مقاومتها0 بالنسبة للماركسيين،فإن أزمة التراكم الرأسمالي الحكومي تتسبب بتوليد ضغوطات لا تقاوم،يمكن للبرجوازية أن تستغلها من أجل فرض الليبرالية الاقتصادية،ويتأتى هذا عن فقدان الدولة لاستقلاليتها إما عبر الاستيلاء عليها من قبل القوى الاجتماعية ذات الامتيازات أو من خلال خضوع الدولة للقيود الاقتصادية الدولية0 وفي نهاية المطاف فإن مستلزمات التراكم الرأسمالي هي التي توجه دفة السياسة،وما إن تخفق الدولة في تحقيق ذلك،حتى تتولى الطبقة الرأسمالية السلطة0 ولأن التراكم الرأسمالي في الدول المعتمدة على الكتلة الشعبية يتطلب "طاعة" الطبقات الخاضعة ،فإن نظام الحكم التسلطي ملزم سياسيا بتسريحها من العمل أو إقصائها0

    أما وجهة النظر المخالفة،والتي يمكن تسميتها نموذج الوراثية الجديدة،فتعتبر الدولة الشرق أوسطية عقبة كأداء في وجه الليبرالية الاقتصادية0 فالدول الوراثية /صاحبة الدخل تسخر الاقتصاد لخدمة متطلبات سلطتها،مستخدمة إياه بوصفه مصدرا لحقها في المحسوبية** والسيطرة على حساب العقلانية الاقتصادية0 وتكمن المشكلة على وجه الدقة في استقلال الدولة عن المجتمع،الأمر الذي يعزى معياريا إلى الثقافة السياسية- التي هي إحدى ثمار التسلطية والتبعية – المفتقرة إلى العقلانية0 وحسب وجهة النظر هذه ،فإن الدولة تكون عرضة لضغط طفيف إما أن تمارسه برجوازية ضعيفة،متكلة على الدولة ومقيدة برعايتها،أو جماهير محاطة بشبكات الوصاية[i]0

يبدو أن المقاربتين على طرفي نقيض في تناولهما للاقتصاد السياسي،الفعال والنموذجي في الدول النامية،أي أن هنالك صراعاً قائماً بين العقلية الاقتصادية والعقلية السياسية،بين خلق الثروة وخلق السلطة0 مهما يكن من أمر فإن وجهتي النظر تتقاربان كثيرا حين تعتبران أن السياسة الحكومية تتحدد إما بواسطة العامل الاقتصادي أو العامل الثقافي.وحسب النموذج الماركسي فإن البنية الاقتصادية التحتية تمنح بعض الحرية إلى صانعي القرار،إذ تقوم الدولة أساسا بخدمة منطق التراكم الرأسمالي،وعلى العكس،ففي نموذج الوراثية الجديدة يكون الاقتصاد في خدمة السياسة،ويتمتع صناع القرار بمناعة ثقافية ضد العقلية الاقتصادية،وتكون السلطة الوراثية منسجمة تماما مع الثقافة السياسية الموروثة0

   في الواقع ،لايمكن لأي من المنطقين أن يسود على نحو كامل في العادة،فلكل دوره الحقيقي. إذ ينبغي أن تتطور النظم الاقتصادية، ولكن بالمقابل، يجب أن تبنى الدولة حيثما كان هنالك فراغ معياري في السلطة0 وقد حاولت النظرية التحديثية (المجددة)،كعادتها،أن تبرهن على أن الانسجام الطبيعي بين الرأسمالية والديمقراطية من شأنه أن يجسر الهوة بين كلا المنطقين: يمكن للتراكم الرأسمالي أن يحدث في مجال اقتصادي متمايز عن الحقل السياسي حيث الانتخابات التنافسية هي التي تولد السلطة التشريعية 0 فالتجارب السلبية التي خاضتها البلدان النامية مع الدمقرطة (التحول إلى الديمقراطية) تمخضت عن نظريات تحديثية تؤكد بأن هذه العملية لا يمكن تحقيقها إلا بعد تخطي عتبات محددة من تشكل الدولة وتطورها  الاقتصادي 0 وفي البلدان التي لم تبلغ هذه العتبات بعد،قد يكون هنالك تأرجح بين المنطقين السياسي والاقتصادي ،لكن التحدي يكمن في خلق التوازن بينهما0 كما أن أي صراع بينهما على وجه الخصوص،وفي أي بلد يمكن اختياره،لن يكون نتاجا لقيود اقتصادية وطرائق ثقافية فحسب،بل لمجمل الممارسات السياسية أيضا- التي هي المحصلة النهائية للنخب الحاكمة وصراعها السياسي مع منافسيها0

الدولة ،العقبة في وجه اللبرلة الاقتصادية

     يبدو أن مقاومة اللبرلة الاقتصادية جزء لا يتجزأ من منطق الدولة الشعبية- التسلطية التي تحكمها أقلية نخبوية شعبوية،كما في سورية0 والحقيقة القائلة إن الدولة انبثقت عن ثورة قادتها نخبة أقلوية شعبية ،وأدت إلى إزاحة الطبقات التي كانت سائدة فيما مضى،وظهور عناصر جديدة قوية ومعبأة ،قد مكنت النظام من خلق حالة من التوازن ، داخل نمط بونابرتي ،ووضع حد للصراع بين القوى الاجتماعية 0 كما أنه تمتع لزمن طويل باستقلالية عن أي سيطرة   طبقية ،وما يزال مستقلا إلى حد بعيد0[ii]

     هذه الدولة البونابرتية لديها جهاز سلطة هائل،وقوة صنع القرار متركزة على نحو حاسم في ملكية رئاسية فعلية تستند إلى كتلة ضخمة من البيروقراطيين المدنيين والعسكريين،وتعتمد قيادتهم على المحسوبيات وعلاقات القرابة0 حزب على غرار الحزب اللينيني،وسلسلة من "المنظمات الشعبية" شبه النقابية،يتغلغلان داخل القطاعات الشعبية للمجتمع ويعملان على دمجها، وخاصة في القرى،ويقومان بعزل قوى المعارضة ذات النزوع الليبرالي المحتمل عن هذا الجزء الرئيسي من الجمهور الواسع0

     إن سيطرة النظام على قطاع حكومي كبير،وقدرته على الاستفادة من الريع (كعائدات النفط والمساعدات العربية)،يمنحانه الاستقلالية،خصوصا عن البرجوازية0 وهذا الريع،إضافة إلى أنه ساعد في تقليل أهمية الضغوط على النظام بشأن تعزيز شروط التراكم الرأسمالي للبرجوازية،فقد وفر له (للنظام) ملاذات رعاية كي يبقى جزءا من البرجوازية معتمدا على الدولة0

     إن استقلال النظام قد مكنه من صياغة سياساته وفقا لمصلحة الدولة العليا           (raison d'état)  ،أي مصالحه الخاصة،وليس مصالح الطبقة السائدة0 كما أن حفظ الأمن الداخلي وتجيير الموارد لصالح الصراع الخارجي قد احتلا الأولوية على حساب مستلزمات التراكم الرأسمالي الضرورية للبرجوازية ،وبالتالي فإن متطلبات توفير القوة هذه قد أعاقت اللبرلة الاقتصادية0

     إن الأولوية الرئيسية للدولة تكمن في الدفاع عن الركيزة الأساسية لمواردها0 وفي هذا المجال كان القطاع الحكومي وما يزال مصدرا حاسما للدخل0 ومن غير الممكن حاليا الاستعاضة عنه بالضرائب المتأتية عن القطاع الخاص- الجاهز والقادر تماما على التملص من دفع الضرائب- الذي لا يعتبر النظام ممثلا له0 كما أن العملة الصعبة مورد أساسي يسعى النظام باستمرار لإبقائه تحت سيطرته،خاصة حين يندر وجودها،حتى ولو على حساب تشجيع قطاع الأعمال0

     والأولوية الثانية هي أن النظام مضطر لتأمين مصالح نخبه الأساسية 0 وما يوفر له دعامة نادرة للحفاظ على دور كبير للدولة في الاقتصاد هو حقيقة أن هذه النخبة تسيطر عليها أقلية كانت سابقا بلا ملكية ،خاصة العلويون،الذين يستخدمون الدولة بمثابة سلم لارتقائهم،في حين أن الاقتصاد القائم على القطاع الخاص تسيره الطائفة السنية ذات الأغلبية الساحقة في المجتمع0 كما أن الطواقم الحزبية والبيروقراطية التي تشكل البنى الفعلية للدولة لها ركائز إيديولوجية ومادية في الدور الاقتصادي للدولة0 إن الأولوية التي تطالب بحق هذا الجيش الكبير في الانتفاع من الموارد الاقتصادية تكتسب مشروعيتها مادام الصراع مع إسرائيل مستمرا0

     أما الأولوية الثالثة فتستند إلى اعتبار مفاده أن النظام ملزم بحماية قاعدته الاجتماعية العريضة0 وبوصفه نتاجا لحركة شعبية مناهضة للبرجوازية ،فمن المرجح أن اللبرلة الاقتصادية تهدد القوى الرئيسية المكونة لهذه الحركة :العمال النقابيون ،والمستخدمون الحكوميون وصغار الفلاحين0 حيث أن الشرعية المتقلقلة للنظام تقوم على توفير الخدمات الاجتماعية والفرص الاقتصادية لهذه الشرائح0

       إن المنطق السياسي يقضي بحماية القاعدة الفلاحية من تعدي ملاك الأراضي البرجوازيين الذي عادوا إلى الحياة،كما ينبغي استرضاء الجماهير المدينية،ذات الخطر الاحتمالي الناجم عن سرعة تأثرها بالأصولية الإسلامية،وذلك عبر قيام الدولة بتوفير الغذاء الرخيص وفرص العمل0 فالعناصر المكونة لنسيج النظام لديها القدرة على الدفاع عن مصالحها داخل  مؤسسات النظام من خلال الامتيازات المتاحة لها في الاتحادات الشعبية التي شكلها حزب البعث0

     مادامت القوى الرئيسية المكونة للنظام معرضة للتهديد من جراء عملية اللبرلة،فمن المرجح أن البرجوازية ،بصفتها المنافس التاريخي للنظام ،هي التي ستستفيد منها وتتقوى بها

     إن تجربة تحرك الأخوان المسلمين تكشفت عن وجود صلة وثيقة بين سياسة النظام الاقتصادية والبرجوازية0 فعندما أدرك النظام أن البرجوازية لا تضمر له الود كي تدعمه،كسبت الأحزاب النخبوية ذات العقلية الدولانية وزنا مهما داخل النظام،وتم كبح الإجراءات السابقة المتعلقة باللبرلة التي كانت البرجوازية تستفيد منها ،كما اتسع نطاق التدخلية الاقتصادية للدولة0 إذن فاللبرلة الاقتصادية تتطلب إجراء تسوية عملية بين الدولة والطبقة البرجوازية0 فتحقيق اللبرلة يعني أنه ينبغي على الدولة التسلطية الشعبية أن تنقل جديا قاعدتها الاجتماعية باتجاه البرجوازية،وهي مهمة من شأنها جعل الأمور كلها أكثر تعقيدا في سورية بسبب وجود تداخلات من نوع ما بين الانقسامات الثنائية:قطاع دولة/قطاع خاص،علوي/سني0 وهذا ينم عن وجود تباين ما مقارنة مع الأنظمة التسلطية المحافظة التي تتخذ من البرجوازية قاعدة اجتماعية راسخة،حيث جميع قطاعاتها ترحب أصلا باللبرلة0[iii]

عوامل اللبرلة الاقتصادية

أزمة اقتصادية

     بالفعل إن عوامل اللبرلة متموضعة،كما يرى الماركسيون،في البنية التحتية الاجتماعية- الاقتصادية0 ومع أن الدافع المباشر للبرلة الاقتصادية غالبا ما يكون سياسيا،بيد أن الضغط الأساسي لإجراء تغيير كهذا يتأتى جذريا ،وبصورة طبيعية،عن أزمة اقتصادية0

     في سورية،تجد هذه الأزمة جذورها في الطبيعة الفعلية لاسترايتيجة تشكيل الدولة في نظام الدولانية- الشعبية0 هذه الاستراتيجية همشت القطاع الخاص(نابذة إياه بقوة نحو حقول نشاط من المرتبة الثالثة أو إلى تصدير رأسماله )،وأخفقت مع ذلك في جعل القطاع الحكومي محركا فعالا لعجلة التراكم الراسمالي0 وقد نجم هذا الإخفاق في القطاع الحكومي عن عملية البقرطة* (التي ولدت بدورها اخفاقات في التخطيط والإدارة على السواء)،وإضفاء الطابع السياسي على كل شيء (الأمر الذي أدى إلى إخضاع منطق التراكم إلى الأهداف السياسية كالمحسوبيات والإفراط في توفير فرص العمل وإنتاج السلع الاستهلاكية الرخيصة)0 وقد كان هذا انعكاسا للاستراتيجية الاحتوائية لبناء السلطة والهادفة إلى إقحام الطبقات الدنيا في السياسة لصالحها0 والمشكلة في هذه الاستراتيجية أنها تنزع إلى تشجيع الاستهلاك الجماهيري على حساب التراكم الرأسمالي (الذي يتطلب،وفقا للمعايير،التدريب والمراقبة وصرف جزء من العمال والفلاحين من العمل)0 كما أن بناء قاعدة قوية لسلطة وطنية استلزم أيضا استيراد مواد صناعية بديلة أدت في سورية،كما في أي مكان آخر ،إلى الاعتماد على استيراد قطع التبديل والآلات والمواد الخام الهامة لتنمية الطاقة التصديرية ،وتوفير العملة الأجنبية اللازمة لشرائها0 وهذا ما خلق أزمات حتمية في ميزان المدفوعات والعملات الأجنبية. 

   على المدى القريب ،كان الريع المتأتي من النفط(والمتاح لدول الشرق الأوسط خصوصا) عاملا مساعدا في استمرار استراتيجية النظام،ولكن مع هبوط معدل الريع تجلت هشاشة هذه الاستراتيجية0 كما أن أزمة التراكم كان لها أثر أكثر ملموسية وراهنية،وقد تبدى في أزمة مالية:فالدولة(التي تفاقم حجمها نتيجة للريع) لم يعد بوسعها النهوض بأعباء تضخمها ووظائفها مع تدني معدل الريع0 وهذا ما أوجب سياسة التقشف- تخفيضات في الانفاق الحكومي – وأدى بالتالي إلى تراجع قدرة الدولة على الاستثمار المالي والتشغيل وإبرام العقود0 ضمن هذا الوضع المعقد،بدأت الدولة منذ منتصف الثمانينات باللجوء إلى البرجوازية لملء الفراغ الاقتصادي0 بالمقابل كان لا بد لهذه الأخيرة أن تمنح بعض الامتيازات ،وهكذا بدأ باب اللبرلة الاقتصادية بالانفتاح0

     إن التطور الرئيسي المتمم لفتح هذا الباب هو الأزمة الاقتصادية  والمالية التي أضعفت،على مايبدو،المقاومة التي كان يبديها أنصار النظام0 فبالنسبة لأولئك المقربين من مركز السلطة لم يعد بوسع الدولة أن تصرفهم،فقد شبوا عن طوق رعايتها إلى حد بعيد ،علما أن الرأسمال الذي راكموه خلال الفترة الطويلة لعملهم في الدولة يمكن أن يشغل ويحقق دخلا إذا ما أطلقت حرية السوق0 والظاهرة نفسها تبدو في قاعدة النظام،ولو بوضوح أقل0 فالبعثي العادي أو الضابط يتحدر على نحو نموذجي من عائلة لها ابن يعمل في الأرض،وآخر في الحزب أو الجيش أو الحكومة،وثالث يدير أعمالاً صغيرة0 وهؤلاء أكرههم التقشف على الانهماك في أعمال مختلفة من خلال تطوير مصالحهم التجارية0 وقد يجدون فرصة أكبر في القطاع الخاص،على الرغم من أنهم لا يؤيدون التقليص الجذري للقطاع الحكومي0 في غضون ذلك،فإن حدود قدرة الدولة على تحمل أعباء النمو وخلق فرص العمل الضرورية لتعيين أفراد الطبقة الوسطى المثقفة،والآخذة في التزايد،قد جعل الظروف أكثر خطورة سياسيا بحيث يصعب معها الحفاظ على الواقع الراهن،ناهيكم عن تغييره0

     باختصار كانت الأزمة مؤشرا على أن المنطق السياسي قد مضى إلى أبعد ما يمكن،على حساب المنطق الاقتصادي، وإن لم يتساوق المنطق السياسي مع المنطق الاقتصادي،فان الفشل سيكون من نصيبه هو الآخر[iv]0

إعادة بناء البرجوازية

وهكذا انفتح باب اللبرلة،بيد أن اللبرلة لا يمكن أن تتقدم كثيرا بمعزل عن إعادة بناء البرجوازية المقاولة،الراغبة في الاستثمار والتي يمكنها أن تشكل خيارا قابلا للتطبيق،وبديلا عن القطاع العام. على المستوى السياسي، ينبغي تحضيرها بغية التوصل إلى تسوية مؤقتة مع الدولة ،كما يجب أن تحوز على السلطة كي تشق طريقها نحو اللبرلة الاقتصادية،وفي مواجهة المصالح المحققة عبر المنطق الدولاني0

     في الحالة الخاصة بسورية،يبدو أن البرجوزاية تخوض عملية إعادة البناء،ولكن بصورة ناقصة0 والطريف في الأمر أن الدولة هي التي ساعدت في ولادة البرجوازية الجديدة0 فالنخبة السلطوية نفسها قد تبرجزت*من خلال قيامها بنشاطات فاسدة أو أعمال تجارية أيضا،أي أنها راكمت رأسمالا خاصا على حساب التراكم الرأسمالي الحكومي0 في الوقت نفسه ،فإن النفقات الهائلة على تطوير الدولة ، على مدى السبعينيات،قد أسهمت في نشوء برجوازية تابعة،ولا تحتل أي منصب،قوامها الوكلاء والمستوردون والمتعهدون0 وقد يكون صائب نحاس نموذجا عن أفراد هذه الطبقة الجديدة،وقد يصبح النسخة السورية عن عثمان أحمد عثمان0 حيث بدأ بوصفه الوكيل المحلي الرئيسي لشركات السيارات،مستخدما علاقاته السياسية لاحتكار شركات السياحة والنقل بترخيص من الدولة0 وهو شريك في رأسمال شركة غولف للسيارات في البنوك الدولية وشركات الاستثمار 0 كما استخدم منافذ سياسية لترويج مشاريع نصف مخصخصة،بحيث تدير الدولة هذه الشركات وتحتفظ بحصة تزيد عن حصة هيئة إدارة الشركة الخاصة 0 مؤخرا ،انتقل نحاس من قطاع الخدمات إلى مشاريع زراعية وصناعية مشتركة ،برأسمال عربي0 في هذه الأثناء كان هنالك قطاع كبير من التجار الدمشقيين ممن تكيفوا مع النظام واستفاودا من فرص مشابهة،في حين تراجع،بصورة جذرية ، تأثير ملاك الأراضي "الأرستوقراطيين" المناهضين للبعث0

     إن ظهور مؤسسة جديدة،أو ما يدعى " مجمع عسكري- تجاري " مؤلف من ضباط علويين ورجال أعمال دمشقيين،كان دليلا على قيام تحالف بين الدولة "الجديدة" والبرجوازيين "القدامى"0 يفترض باتريك سيل أن الأسد قد لجأ إلى هذه الطريقة بشكل مدروس كي يدعم نظامه بأساس طبقي جديد وضروري للاستقرار[v]0 حيث أن الخصومة الحادة السابقة بين الدولة والبرجوازية كانت تخضع للتهدئة في حين كانت النخبة السياسية تحرز موقعا في التفاوتات الاجتماعية الجديدة مما جعلها متمايزة عن كتلتها الشعبية 0

     ولكن هل تشكل هذه البرجوازية الجديدة إحدى قوى اللبرلة؟ فمن جهة،لها مصلحة في استمرار دور الدولة لأن هذا الدور يعتبر مصدرا لتعاقداتها التجارية واحتكاراتها وحمايتها0 إنه السعي إلى تحقيق الريع حتى أقصى الحدود بدلا من الاستعداد للمنافسة في السوق0 وعلى الرغم من أن معظم البرجوازيات قد أقلعت تاريخيا على هذا النحو ،فان ذلك لا يحول دون اهتمامها اللاحق بالمزيد من اللبرلة0في الواقع إن هذه البرجوازية ترحب بإفساح المجال أمام مشاركة أجنبية أوسع،والسماح للرأسمال الخاص بالاستثمار في حقول نشاط كانت في السابق حكرا على الدولة0 وهنالك أيضا برجوازية اكثر تكيفا مع اقتصاد السوق،آخذة في الظهور0 كما برز بعض الصناعيين الجدد ممن صعدوا من صفوف البرجوازية الصغيرة ،أنشأوا معامل متوسطة الحجم في مجالات صناعية كالنسيج والبلاستيك0 كذلك فان الرأسمال المغترب يبدي اهتماما جديا بسورية0 وإذا استثنينا أولئك القادرين على تعزيز امتيازاتهم واحتكاراتهم ،يبقى السؤال المثير للجدل، بالمعنى الاقتصادي،بصدد الرأسمال الخاص،وهو إلى أي مدى بلغت جاهزيته للاستثمار في القطاعات الإنتاجية،المنتجة للسلع،مع الأخذ بعين الاعتبار وفرة الفرص المتاحة خارج سورية،والتي لا تنطوي على مغامرات كبيرة0 يصر الموظفون الرسميون والمسؤولون الحزبيون على أن الرأسمال يهتم حصرا بالمشاريع ذات المردود السريع والعالي،وأنه لا يمكن لعجلة الاقتصاد أن تدور إلا إذا وظف القطاع الحكومي رأسماله الاستثماري في مشاريع استراتيجية طويلة الأمد0

   أما سياسيا،فما تزال البرجوازية السورية ضعيفة،ومنقسمة إلى حد ما بين البرجوازية الجديدة المؤيدة للنظام والبرجوازية الأقدم التي لم تتصالح قطاعاتها مع النظام بعد0 أما واقعة الاقتران،المحدودة حتى الآن،بين النخبة السياسية العلوية والنخبة التجارية السنية فتوحي بافتقار دائم للثقة  الاجتماعية0 ومادام النظام غير قادر على الوثوق كل الثقة بالبرجوازية،فلن يكون بمستطاع هذه الأخيرة أن تخفف كثيرا من الضوابط المفروضة من قبل الدولة0 إن البرجوازية لم تقم تحالفات مع طبقات أخرى خارج حدود البرجوازية الصغيرة المدينية ،لان معظم العمال والفلاحين ظلوا في إطار الاتحادات الشعبية المؤيدة للنظام ،رغم أنهم بلا جدوى إلى حد بعيد0 استنادا إلى ذلك فان البرجوازية تفتقر في الوقت الراهن إلى القوة والرغبة في شق طريقها نحو لبرلة اقتصادية أكبر مما يريد النظام0 بيد أن ذلك لا يمنع بعض أفرادها من استغلال حدوث انشقاقات داخل النظام،وذلك عبر إقامة تحالفات مع الأجنحة الأكثر ليبرالية في النخبة الحاكمة،أو السعي لإيصال قضاياهم مباشرة إلى الرئيس0

 

النخب،سياسة الحكومة واللبرلة الاقتصادية

     يبدو أن القوى المؤيدة للبرلة الاقتصادية في سورية وتلك المناوئة لها متساويتان إلى حد يصعب على أي منهما أن تهزم الاخرى0 ويبدو أيضا أن ذلك من شأنه أن يتيح للنخب القدرة على خلق توازن بين الدولة والبرجوازية،وتكييف اللبرلة وفقا لمصالحها (النخب) الخاصة0

تغيير إيديولوجيا النخبة

     إن الطريقة التي تعبر من خلالها النخب عن مصالحها تتمظهر في إيديولوجيتها أو ، على الأقل،ما توحي به هذه الايديولوجيا0 وقد ترتب على هذا تغير إيجابي نحو اللبرلة،مماثل للتغير الذي طرأ على الموقع الوظيفي الموضوعي لهذه النخب فالبرجزة والاخفاقات الناجمة عن العقلية الدولانية قد خلقت ميلا أكبر نحو اللبرلة0 كما أن المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث المنعقد عام 1985، كان بمثابة الحد الفاصل،فقد نقل عن الأسد تصريحه بأن تجار سورية هم "طبقة جديرة بالاحترام"، وأنه أيد منح القطاع الخاص دورا أكبر[vi]0 لقد أدى انهيار الشيوعية في التسعينات إلى تبديد قدر كبير من العدائية المتواصلة والمتأصلة إيديولوجيا ضد اللبرلة0

وتوحي الحقيقة القائلة بأن الأزمة الاقتصادية التي عجلت بطرح اللبرلة وعادت لتهدأ في التسعينات دون أن يرافقها ارتداد إلى الدولانية لدى أوساط النخبة،توحي بأن التغير الإيديولوجي ما يزال مستمرا0 وقد تعلم النظام خلال الثمانينات أن الدولة لا يمكنها أن تتحمل وحدها أعباء التنمية الاقتصادية،ناهيكم عن أن الأمور ازدادت صعوبة منذ انهيار الكتلة السوفيتية التي كانت مصدرا للمساعدات والتكنولوجيا والتسويق 0 من جهة أخرى،فإن النخبة،وخصوصا أولادها،قد انخرطت في حقل الأعمال بصورة متزايدة،إما على شكل شراكة مع البرجوازية أو كوكلاء للشركات الاجنبية0 حتى أن الجيل الجديد من العلويين ،بعد توفير الامتيازات لهم،يشعر بأنه جزء من الطبقة العليا ولا ينتابهم الخوف الذي لآبائهم من البرجوازية السنية0

     النخبة هي الأخرى تصر،مع ذلك ،على وجوب إجراء مصالحة بين المنطقين الاقتصادي والسياسي :إنها تريد أن تشجع البرجوازية بوصفها المحرك الاقتصادي ،ولكن دون أن تمنحها سلطة سياسية 0 وثمة إجماع حول ضرورة تجنب الطريقة السوفيتية في هدم الاقتصاد الدولاني قبل أن يحل محله اقتصاد السوق 0 ولأن كيفية تسوية هذه القضايا غير متبلورة ،فإن النخبة منقسمة ومختلفة حول حجم اللبرلة ووتيرة إنجازها 0 وما دام الأمر كذلك ،فمن أجل فهم اللبرلة لا بد من تفحص سير العملية السياسية داخل النخبة 0 ولعل ذلك واضح،إلا أن وجهات النظر السائدة إما تتجاهلها أو لا تدخلها في الحسبان0 فالماركسيون يرون أن القوى الاقتصادية هي التي تفرض التغيير ،أما الوراثيون الجدد فيعتقدون أن بعض التقاليد الثقافية تقصر السياسة الاقتصادية على النتائج اللاعقلانية0 ولفهم السياسة الاقتصادية والقوى التي تسهم في صياغتها لا يمكن للمرء تجنب الفحص الدقيق للعملية السياسية مهما بدت غامضة0

العملية السياسية

   ثمة بضع ملاحظات متتالية حول كيفية تجلي اللبرلة داخل العملية السياسية0 أولا،في النظام الرئاسي التسلطي لسورية تعتبر آراء الأسد حاسمة0 كما أن مصلحة الدولة العليا هي التي تحكم قراراته بالدرجة الأولى،وهذا ما جعله ميالا إلى اللبرلة0 ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وانتصار الرأسمالية العالمية بات الأسد على يقين من أن سياسته الخارجية لا يمكن لها أن تستمر في معارضة الولايات المتحدة الأمريكية0 وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية ايضا،فان الانفراج في العلاقات مع الغرب يتطلب بعض الليبرالية الداخلية، وهذا يتضافر مع الضغوطات الاقتصادية كالتي تصاعدت إبان الثمانينات، مطالبةً بتقديم تنازلات أكبر إلى البرجوازية0 ويبدو أن هذين العاملين قد التقيا معا في القرار الاستراتيجي الذي اتخذه الأسد والقاضي بتوسيع قاعدة نظامه من خلال تقليص اعتماده على الحزب والجيش والدولة،وضم البرجوازية إلى تحالفات النظام بطريقة اكثر جدية بكثير مما حدث حتى الآن0

     إن ما حال دون التدخل الرئاسي في إلحاق الهزيمة المنكرة باليمين يعزى إلى الطبيعة المتحفظة والبراغماتية للأسد،وكذلك عدم رغبته في تصدر إجماع النخبة حول القضايا الاقتصادية (بوصفها متعارضة مع القضايا الاستراتيجية)،فضلا عن أنه ينفر من التطفل على تفاصيل السياسة الاقتصادية 0 والحالة هذه،فإن نطاق اللبرلة خاضعة بدرجة كبيرة إلى الأساليب السياسية للبيروقراطية،أي أن هنالك ،داخل بيت النظام صراعا بين "التكنوقراط" الليبراليين وال"الساسة " الدولانيين0

     في ظل  السياسات البيروقراطية،وبسبب الافتقار إلى آلية حاسمة في تحديد القرار السياسي بصدد قضية ما،كالانتخابات العامة مثلا،لا بد من تحشيد الكثير من الموارد وتجميعها على يد الجماعة الحزبية المنتصرة0 إنه لأمر مهم التمتع بمنصب رفيع ، بامتيازاته القانونية وموارده المالية ومؤيديه ،كما أنه لأمر حاسم أن يوفر هذا المنصب،أحيانا،مدخلا على الرئيس0 على هذا النحو ،تتحقق إمكانية تقديم خيارات موثوقة،بديلة عن فشل السياسات الراهنة0 كما أن بناء التحالفات ضروري دائما في ظل غياب العناصر الفاعلة- دون منصب الرئاسة- المتمتعة بعناصر قوة لها استقلاليتها0

      من هم الفاعلون في السياسات البيروقراطية؟يبدو أن بعض الشخصيات البارزة تؤيد النزعات المعارضة 0 فوزير الاقتصاد،السيد محمد العمادي،هو ليبرالي تقليدي والمهندس الأول لمعظم تجارب اللبرلة0 وحظي بثقة الرئيس على الرغم من افتقاره للانتماء الحزبي0 وقد استغل اخفاقات ذوي النزعة الدولانية من اجل خلق بدائل ليبرالية0 إن دور الليبراليين قد تعزز من خلال تحالفهم الضمني مع رجال الأعمال الذين يسعى النظام إلى مغازلتهم0 من جهة أخرى ،هنالك شخصية نموذجية،عز الدين ناصر،عضو القيادة القطرية للحزب0وهو علوي يرأس اتحاد نقابات العمال0 وقد حاول إقامة تحالف مع مدراء القطاع الحكومي بغية الارتقاء في إصلاح القطاع الحكومي بدلا من الخصخصة[vii]0 هذا الشخص يعتبره قطاع الأعمال خصما رئيسيا0

     يتجلى التطور الحاسم في أن السياسيات البيروقراطية آخذة في التمدد نوعا ما لتشكل وجوها اجتماعية فاعلة وغير منضوية تحت مظلة الدولة 0 فقرار الرئيس الأسد بتوسيع قاعدته أعد بقصد منح قطاع الأعمال الفردي وشبه المؤسساتي منفذا على مركز صنع القرار،والرئاسة0 وفي الوقت نفسه تم استبعاد الحزب عن مركز اتخاذ القرار0 ومع انهيار الاشتراكية بدأ الحزب يستنفد نفسه إيديولوجيا بحيث لم يعد يشكل تهديدا لقطاع الأعمال الخاص0 وبالتالي فقد تنامى نفوذ هذا القطاع،فهو يستخدم نافذته على الرئيس ،مع بعض النجاح بغية إقناعه في تعزيز إجراءات اللبرلة وردا على مقاومة نخب الدولة والحزب0

     مع ذلك كله فإن السياسات والتحالفات المحتملة تعبر عن نفسها قطعا،فيما يتعلق بالحزب والدولة،بطريقة مضادة للقطاع الخاص0 ولكن يمكن تجنيد بعض مدراء القطاع الحكومي لنصرة الإصلاح،وذلك عبر منحهم حرية العمل في السوق0 كما أن بعض القادة الحزبين يهيئون أنفسهم للعهد الجديد من خلال منازلتهم القطاع الخاص0 علاء الدين عابدين على سبيل المثال،هو أمين فرع دمشق لحزب البعث ،تربطه علاقات وثيقة مع العائلات البرجوازية الدمشقية التي تكره النظام،ويعمل على رفع المظالم عنها0 كما أنه يرحب بنمو القطاع الخاص لتأمين الوظائف بعد أن بات القطاع الحكومي غير قادر حاليا على استيعاب خريجي الجامعات الجدد0

محصلات السياسة

     إذا سلمنا بسيرورة سياسية كهذه،فليس مفاجئا أن تكون المحصلة تنامياً في اللبرلة تم التخطيط له بإتقان بغية تقليص الأعباء الاقتصادية للدولة،دون الإضرار بمصالحها وسيطرتها0 من جهة أولى فإن التدخل الاقتصادي للدولة آخذ في التقلص،مفسحا في المجال لدور أوسع للقطاع الخاص0 وسياسة التقشف حدت من الاستثمار الحكومي والمساعدات التي تدفعها الدولة0 وقد ظهرت حقول نشاط جديدة أمام السوق بفضل وضع حد لبعض احتكارات الدولة في ميدان التجارة الخارجية،وتحرير سعر الصرف،وتخفيف الرقابة على الاسعار0 ولم يعد ينظر الآن إلى القطاع الخاص على انه مجرد قطاع مساعد للقطاع لحكومي"الموجه"،بل بوصفه المحرك للتطور الاقتصادي ،أو على الأقل ندا للقطاع الحكومي0 وثمة قوانين جديدة خاصة بالضرائب والتوظيف المالي المتمتع بالامتيازات ، وتشجع الاستثمار المحلي والأجنبي في معظم حقول النشاط0

      من جهة أخرى،لم تندرج خصخصة القطاع الحكومي في جدول الأعمال،بل إن قسما من المكاسب المادية غير المتوقعة،والمتأتية عن حرب الخليج،قد أنفق على تجديد القطاع الحكومي 0 فضلا عن أن مشاريع القطاع المشترك (الحكومي والخاص) هي بمثابة بديل عن الخصخصة المفتوحة0 وغالبا ما كانت مساهمة الدولة في هذا القطاع مقتصرة على الأرض أو المعامل،في حين يساهم القطاع الخاص برأس المال والمقاولات 0 وما يزال موظفو الدولة يحتفظون ببعض السيطرة ويحصلون على حصة من المكافآت الاقتصادية،إلا أن الشركات يديرها رجال الأعمال بهدف تحقيق الربح0 وهذه المشاريع تشكل مرحلة وسيطة من شأنها تشجيع التحالفات بين البرجوزاية والدولة،الأمر الذي يؤسس لمزيد من اللبرلة0

     حتى الآن تعتبر الحصيلة مشجعة بالنسبة للنظام0 فالاستثمار الخاص استجاب على نحو مرض لهذا المناخ الجديد،على الأقل لجهة تزايد واردات وصادرات القطاع الخاص وتنامي المشاريع الجديدة،الصغيرة والمتوسطة ،وكذلك رخص الاستثمار0 ويؤكد أحد المراقبين أن الاستثمار الخاص يفوق حاليا ميزانية استثمارات الدولة حجما[viii]0 إن التراث البعثي لا يمكن التغلب عليه بين عشية وضحاها،ولكن ما إن تصبح الدولة أكثر اعتمادا على برجوازية متطورة وقادرة على تحقيق ازدهار اقتصادي ،حتى تجد نفسها ملزمة بتقديم تنازلات أكبر0

التبعات السياسية للبرلة الاقتصادية

    تبقى دائرة القوى المحركة سياسيا واقتصاديا غير مكتملة ما لم يجر تقييم ما إذا كانت اللبرلة الاقتصادية تعجل في حدوث تعددية سياسية اضافية0

التخفيف المحسوب للضغط السياسي

     يواصل النظام حاليا استراتيجية تخفيف الضغط السياسي بطريقة مدروسة بديلا عن التعددية السياسية الحقيقية ،وهذا له جدواه على المدى القصير 0 فالممارسة بالغة القسوة التي فرضت في الثمانينات بدأت الآن تخف مع تراجع الحظر الإسلامي 0 ثمة حرية صحافة أوسع،ويمكن أن يتعرض الوزراء للنقد0 ويجري كبح جماح قوى الأمن،كما بدأت المدارس الدينية والمساجد باستعادة استقلاليتها ،مشروطة بتجنب النشاطات المناوئة0

     على أية حال، ما يزال فتح باب اللبرلة على مصراعيه محفوفا بالكثير الكثير من المخاطر السياسية التي يدركها النظام0 ويحاول الأسد البرهنة على أن صعوده إلى السلطة عام 1970 كان بداية لبيرسترويكا سورية – استرخاء سياسي،وانفتاح على القطاع الخاص – سابقة لغورباتشيف بزمن طويل، وبأن الحالة التي تمر بها (سورية) غير ملائمة لإجراء  (انتخابات تنافسية)[ix] إن سيطرة حزب البعث قد تصبح محط تهديد، ويمكن للقوى العصية على الضبط أن يطلق لها العنان0 وإلى أن يتم تجسير الهوة بين الدولة والبرجوازية ،قد يكون العلويون معرضين للخطر لدى أية عودة إلى السلطة من قبل مؤسسة رجال الأعمال ذات السيطرة   السنية 0 حيث أن الليبرالية السياسية تنطوي على خطورة أن يصبح الإسلام عربة التعبئة المناهضة للنظام مادامت الفجوة الإيديولوجية بينه وبين النظام الاقلياتي العلماني واسعة جدا0 كما أن النظام مصمم على الحؤول دون حدوث السيناريوهات الجزائرية أو الأوروبية الشرقية ،وقوى الأمن لديها القوة،ولها المصلحة الذاتية في بقاء النظام ،كيما تدافع عنه0

     حتى الآن،لا يمكن أن تكره الدولة على أكثر من ليبرالية سياسية محدودة0 فثمة القليل من الضغط المجتمعي الصريح من أجل الدمقرطة0 إن ا لوقائع التي جرت في أوروبا الشرقية والجزائر والأردن قد أثارت في البدء بعض التوق إلى الديمقراطية في أوساط الطبقات المثقفة ،مع ذلك فإن الفوضى التي صاحبت تلك الوقائع،وكذلك الأصولية الإسلامية،جعلت مؤيدي الديمقراطية الطبيعيين – كرجال الأعمال والمثقفين – حذرين من الديمقراطية0

     إن الاستراتيجيات الوراثية ،كالتبعية مثلا،تظل قابلة للحياة مادام القطاع الحكومي الكبير،والريع المتأتي عن النفط يمنحان الدولة القدرة على مراقبة القطاعات المنافسة في مجتمع متشظ ،والتلاعب بها واستيعابها0 فالأشكال الاتحادية (النقابية) المعدة لربط المجتمع بالدولة قد تكون كافية،لبعض الوقت،لتستوعب التعقيد المجتمعي المتزايد 0 وحماة تذكر الأحزاب كلها كيف يمكن أن يمضي النظام بعيدا من أجل الحفاظ على نفسه حين لا تجدي أساليب الضبط المشار إليها0 مع ذلك يمكن بالتأكيد ملاحظة بذور التعددية المحتملة0

اللبرلة السياسية والبرجوازية

     لا تملك البرجوازية ،حتى الآن، الرغبة ولا القوة كي تطالب بليبرالية سياسية مقابل استثماراتها المالية0 ما من شك في أن المغتربين يتمتعون ببعض نفوذ يمكنهم من الضغط باتجاه اللبرلة 0 فعمران أدهم،مغترب،يتخذ من باريس مقرا له،كان قد وجه رسالة مفتوحة إلى الأسد يؤكد فيها على أن التعددية السياسية عنصر أساسي من أجل الاستثمار:"إن الحرية الاقتصادية والحرية السياسية تسيران معا"[x] بيد أن الأهم من الديمقراطية ،برأي البرجوازية ،هو الاستقرار مقترنا بتزايد الحريات الفردية الاقتصادية ،كالشراء والبيع والسفر (التنقل) والتعبير عن الرأي وإعادة خلق مجتمع مدني مستقل0 يؤكد مشارقة،نائب الرئيس ، على إمكانية فصل النشاط الاقتصادي عن السياسة: إن أهل المهن يبقون سعداء إذا ما ازدهرت أعمالهم0 في الواقع،مقابل حرية النشاط الاقتصادي وتوفير الحماية،تبدو البرجوازية مستعدة لتأجيل مطالبها بشأن السلطة السياسية0 ويمكن لتسوية ما أن تصاغ بين دولة هي في حاجة إلى توليد الثروة وإلى قوة اجتماعية محافظة وبين برجوازية تحتاج هي الأخرى إلى فرص اقتصادية وحماية سياسية توفرها الدولة0 وبدلا من أن تقود البرجوازية حركة ديمقراطية ،تتوقع من الأسد أن ينأى بنفسه عن حزب البعث ويعين عددا أكبر من مؤيديها في الحكومة،ويوفر لها حرية أوسع على الصعيدالسياسي0

     في الواقع،تتمتع البرجوازية حاليا بحرية متزايدة للوصول إلى مركز صنع القرار 0 فالنظام النقابي السابق ذو السيادة الشعبية الذي كانت نقابة العمال والمنظمات الشعبية تحظى من خلاله بامتياز الوصول إلى السلطة ،أصبح مفتوحا أمام البرجوازية 0 فلجنة ترشيد الواردات والصادرات والاستهلاك التي يترأسها رئيس مجلس الوزارء ،وتضم رؤساء الغرف التجارية والصناعية،توفر للبرجوازية مدخلا مهما على صناعة القرار الاقتصادي[xi]0 كما أن الانتخابات البرلمانية ،رغم أنها تحت السيطرة ،توفر منفذا للطامحين سياسيا0 فنحو عشرة برلمانيين من أصحاب الملايين يتحدثون بصراحة ،ويشكلون كتلة من التجار والصناعيين المستقلين،وينسقون أحيانا فيما بينهم لخدمة مصالحهم المشتركة0 هذه الكتلة الجديدة المتعاونة في أشياء كثيرة يمكنها أن تؤسس لأعراف من شأنها التمهيد لتسوية بين الدولة والبرجوازية 0

      ترى،مع تنامي القوة الاقتصادية للبرجوازية ،هل بوسع النظام الإبقاء على استراتيجية- شبيهة بالصينية- الرافضة لمبدأ تقاسم سلطة قائمة على المؤسسات؟

إن البرجوازية في سورية لم تتعرض قط إلى التدمير الذي أصاب مثيلتها الصينية،واللبرلة تمنحها استقلالية أكبر كي تعيد بناء مجتمع مدني يرتكز على النشاط الاقتصادي0 فبعد أن اختار النظام الاعتماد على توظيف الرأسمال الخاص،سيكون ملزما بالاستجابة لمتطلبات البرجوازية الداعية إلى سيادة أكبر للقانون وتقليص شامل لصلاحيات سلطة الدولة0 مع ذلك ،مادامت العواقب المجحفة للرأسمالية مرشحة لتصعيد الاستياء الشعبي،فلا البرجوازية ولا النظام سيرغبان بليبرالية كاملة0 والحالة هذه ،فإن استراتيجية على الطريقة المصرية،تصر عليها الرئاسة التسلطية ،ربما تناسب البرجوازية السورية،إلا أن البرجوازية في مصر منخرطة في الحزب الحاكم وممنوحة حصة في السلطة عبر البرلمان0 على أية حال فإن حزب البعث لا يمكنه أن يتحول بسهولة إلى حزب ممثل للنشاطات الاقتصادية كما الحزب الوطني الديمقراطي في مصر،فهو حزب يضم بصورة شاملة أولئك المعتمدين على الدولة أو المتضررين باللبرلة ،خصوصا المعلمين والمستخدمين الحكوميين وعمال القطاع الحكومي والفلاحين،وحوالي 2% فقط من أعضائه يعتبرون من الطبقة العليا أو الشريحة العليا من الطبقة الوسطى[xii]0 وعلى الرغم من أن الإيديولوجية البعثية تؤكد حاليا إهمالها التاريخي للجانب الليبرالي،موافقة على الحريات ،وعلى وجود قطاع خاص،فإن هذه البعثية ،بوصفها مؤيدة للمساواة من حيث المبدأ ،تؤدي دورا إيديولوجيا هزيلا في التشريع للتفاوتات (المظالم) الناجمة عن التطور الرأسمالي 0 والبديل هو السماح للبرجوازية بتأسيس حزبها الخاص وخوض المنافسة مع البعث في انتخابات حرة نسبيا،رغم إعاقتها من الوصول إلى الجماهير عبر مواصلة استراتيجية المحسوبية الجماهيرية ،وهي لعبة مارسها الحزب الدستوري الثوري في المكسيك لزمن طويل0

اللبرلة والمعارضة الإسلامية

     لا يمكن أن تقدم الليبرالية السياسية إلا القليل من الازدهار ، ما لم يتم التوصل إلى تسوية تاريخية بين دولة البعث وجناح المعارضة الرئيسي،الإسلام السياسي0 فالحركة الإسلامية خسرت المعركة مع النظام في الثمانينات ،إلا أن جذورها ما تزال عميقة في السوق،حيث تمتزج روح التاجر بالحساسية الدينية المنتشرة التي يرعاها العلماء0 ومع وجود قاعدة اقتصادية مستقلة نسبيا،وايديولوجيا مضادة،تبقى المدينة التقليدية الوسط الأكثر مقاومة لاختراق الدولة0

     هل يمكن للسوق أن يندمج في النظام السياسي بطريقة تعجل بقدوم التعددية مادام الإسلام السياسي محافظا على تعبيره السياسي السائد؟ إن الإسلام السياسي يشكل عقبة بقدر ما يعمل على تغذية الصراع الطائفي في مجتمع فسيفسائي وثقافة مغايرة غير مندمجة بسهولة في دولة علمانية0 ومن جهة ثانية ،فان الحركة الإسلامية ليست بالضرورة معادية للديمقراطية:في العهد السابق للبعث،شارك الأخوان المسلمون السوريون في الانتخابات بدلا من تأسيس منظمات سرية كما حدث في مصر وفي محاولة لاجتذاب عدد اكبر من المؤيدين دافعت الحركة في الثمانينات عن دولة شبه ليبرالية 0 إن فكرة الثورة العنفية صارت موضع شك حاليا لدى معظم الأوساط الإسلامية 0

     لأن الحركة الإسلامية كانت إلى حد بعيد جدا تعبيرا عن ردة فعل السوق وقطاعات من البرجوازية على التخريب الاقتصادي للاشتراكية البعثية ، فان اللبرلة الاقتصادية قد تدفع بحدوث انفراج بينها وبين النظام0 أما البرجوازية الحلبية ،التي دعمت التمرد الإسلامي نتيجة الاستياء من التضحية بها وتهميشها (إلحاقها باشتراكية الدولة المتمركزة في دمشق )، فكانت محط استرضاء متزايد عبر منحها فرص عمل جديدة ، كفرصة الاستفادة من تصدير الصفقات الخارجية إيفاء للدين السوفيتي على الدولة 0 كما انتعشت البرجوازية الصغيرة للسوق السورية ، حتى أنها ازدهرت رغم حكم البعث ، ففي السبعينيات والثمانينيات ارتفع نصيب التجار من القوة العاملة ، فعليا (من 9إلى12%)[xiii] 0 وقد يحظون بموقع أفضل يمكنهم من الانتقال إلى الحيز الاقتصادي الذي تخلت عنه الدولة ، وذلك بفضل رأسمالهم المتراكم ومهارتهم التقليدية 0 وبالتالي فإن الجذور الاقتصادية للشقاق بين النظام والمعارضة الإسلامية تتلاشى تدريجيا 0 اقتصاديا ، كانت الحركة الإسلامية في سورية تدافع على الدوام عن النموذج الاقتصادي الليبرالي ، فقد طالبت البيانات الإسلامية بانسحاب الدولة من التجارة والمشروع الحر و"والحوافز الطبيعية " للكسب المشروع 0 فبقدر ما يتقدم النظام في عملية اللبرلة ، تضيق الهوة الأيديولوجية 0

      سياسيا ، ثمة مؤشرات انفراج بين الإسلاميين والنظام ، الذي يسعى لاختيار واسترضاء الاتجاه الإسلامي السائد ، مهمشا في الوقت نفسه العناصر الأكثر راديكالية 0

فالقادة الإسلاميون المعتدلون الذين يشاركون في الحكومة ، أمثال محمد سعيد رمضان البوطي ومفتي الجمهورية أحمد كفتارو ، لديهم بعض الأتباع من الجماعات الصوفية ومن الأحياء القديمة ، كالميدان 0 كما أن للإسلاميين متحدثين رسميين علنيين في البرلمان ، مثلا غسان أبازيد ، طبيب ، وزعيم أخواني من مدينة درعا ، الذي توسط لعودة المنفيين الأخوان من الأردن ، فاز بمقعد في البرلمان بصفته مرشحا مستقلا 0 في عام (1992) تم إطلاق سراح عدد كبير من الإسلاميين للتخفيف من انتقادات الغرب بصدد حقوق الإنسان ، وتلطيف آراء الإسلاميين أيضا 0 ويسمح حاليا للإسلاميين بنشر مجلة ، حتى أن الناس ما عادوا يخشون من ارتياد المساجد كما كانت الحال في ذروة الضغط ضد الإسلاميين 0 ثمة حركة إسلامية مسالمة تنتشر حاليا ، مركزة على المسلك الشخصي الورع ، وما دامت لا تدخل في تحد مع النظام ، فسيسمح لها أن تكون بمثابة صمام أمان 0

      إن السيناريو الأكثر قبولا بالنسبة لاندماج الإسلام السياسي في النظام ربما كانت الانتخابات البرلمانية التي تؤدي إلى تقاسم السلطة بين النظام والإسلاميين المعتدلين 0 وقد داعبت الأسد فكرة تشجيع وجود حزب إسلامي معتدل ، فعند سقوط تشاوشيسكو ، طلب النظام الهلع من البوطي أن يشكل حزبا كهذا 0 فالسابقة الأردنية التي تفترض أنه يمكن تدجين الحركات الإسلامية عبر المشاركة قد تشجع النظام على الشروع بهذه التجربة 0 فليس تحصيل حاصل أن بوسع البعث أن يحتفظ بمركزه في الانتخابات 0 حقيقةً ، في الانتخابات الحرة ، الوحيدة ، التي حدثت في عهد البعث عام 1972 للمجالس المحلية ، فازت القوى التقليدية والإسلامية في المدن ، وفاز البعث في المناطق الريفية 0 وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة حقق النظام نتائج حاسمة ضد معارضة متشظية نتيجة لمقدرته على تعبئة فئات المقترعين عبر المنظمات الشعبية والجبهة الوطنية التقدمية 0 ويمكن للبعث أن يعول على تأييد الكثير من العائلات السنية المتأثرة بالغرب والنساء العاملات ، هذه الفئات المتخوفة من الأصولية أو من السيناريو الجزائري 0

من الصعب أن نتخيل تقدما مهما في سيرورة الليبرالية الاقتصادية قبل أن يتعمق الانفراج بين الإسلام والنظام إلى حد يجعل المغامرة بهذه التجارب ممكنة 0

 

الجمهور العام واللبرلة

          حتى الآن ، لم تكن الجماهير ذات فاعلية مهمة في سياسة اللبرلة الاقتصادية ، تاركة الحرية للنظام كي يعاير سياساته بدقة ويغير قاعدته الاجتماعية 0 ولكن إذا أصبحت الطبقات المؤلفة لجمهور النظام ضحية اللبرلة الاقتصادية ، هل يمكن منعها من تحديه ؟ فنقابات العمال قد تذمرت بحدة من ذلك ، ولكن عندما اعتزم أحد الأطراف الانسحاب من النظام النقابي المسيطر عليه بعثيا ، تجلت ردة الفعل الغريزية للأسد بالتنبيه إلى أن الحرية ينبغي أن تفهم " في إطار المسؤولية " لا" التناقض والانشقاق "[xiv] 0 وبما أن النظام ملتزم بالتطور الرأسمالي على نحو متزايد ، فسوف تحرز الجمعيات الحرفية طاقة إنتاجية متنامية كي تبرهن على أن ذلك يتطلب توفير امتيازات جديدة مؤيدة للنشاط الاقتصادي ، وأن الاتحادات الشعبية قد تخوض معركة خاسرة في المجالس المحلية للنظام 0 وإذا كان تقاسم السلطة على نحو أكبر بالنسبة للبرجوازية ، لا يقصد منه تحويل المركزية النقابية إلى أداة لضبط الطبقات الشعبية ولصالح التطور الرأسمالي ، فلابد للنقابات والاتحادات من تحقيق الاستقلال كي تدافع عن مصالحها التي كانت في العهد الشعبي السابق 0 وفي  غير ذلك ، يرجح أن يبرز قادة جماهيريون إما من خارج النظام النقابي أو من داخله لكن خفيةً، كما حدث في مصر0  مع ذلك فإن تعبئة الجماهير المعارضة للسياسات الرأسمالية تستلزم إيديولوجيا شعبية مفقودة في الوقت الراهن : فالماركسية فقدت المصداقية في حين أن الحركة الإسلامية ، التي عبأت في مكان آخر ضحايا اللبرلة الاقتصادية ، تبنت ، في سورية ، إيديولوجية السوق الحرة ،لكنها لم تتعاف بعد من قمع الثمانينات 0

      ثمة نتيجة بديلة وهي احتمال أن يقوم عناصر من جماهير النظام بالانفصال التدريجي عن البعث بوصفهم الأقدر على استغلال اللبرلة الاقتصادية 0 ويمكن للعمال المهرة أن يغادروا القطاع الحكومي لصالح شركات خاصة جديدة تحقق لهم مردودا أعلى ، كما أن الفلاحين الأغنياء قادرون على رفع مستوى إيراداتهم في السوق ، ويمكن لأولئك وهؤلاء أن ينضموا إلى البرجوازية داخل حلف ليبرالي 0 وبإمكان خريجي الجامعات الذين لم يحظوا بفرصة عمل لدى الدولة أن يعتمدوا على الاستثمار الخاص بوصفه فرصتهم الوحيدة 0 حتى أن مستخدمي الحكومة ممن يديرون أعمالا جانبية قد ينعطفون نحو الليبراليين 0 أما الطبقة الشعبية الأقل طموحا أو مهارة فقد تصبح عندئذ معتمدة إلى حد بعيد على حماية الدولة ، ومن غير المرجح أن تدخل في تحد معها 0

      على المدى القصير ، فإن انبعاث مجموعات اجتماعية منافسة من شأنه أن يضع النظام في موقع مضاد لمجتمع مقسم 0 وعلى المدى الطويل قد يلجأ النظام إلى تأسيس قاعدة للبرلة حقيقية 0

ويمكن لمعاهدة سلام مع إسرائيل أن تعجل في تفكيك تحالفات النظام الذي كان الصراع القومي يشكل لحمتها الشرعية المشتركة 0 حتى أن النظام ، نظرا لحاجته إلى شرعية بديلة دفاعا عن نفسه وفي مواجهة الخيار الإسلامي ، يمكن أن يحسب أن من شأن ليبرالية سياسية أوسع أن ينطوي على مغامرة أقل 0 وإلى أن يتوفى الأسد ، لا يتوقع المزيد من الليبرالية ، وإنما منافسات على الخلافة ستكون في حاجة إلى الحصول على دعم قطاعات مجتمعية جديدة ومنتعشة ، ويمكن للفائز ، كما سادات مصر ، أن تكون له مصلحة في بناء قاعدة أبعد من حدود مجمع مثلث الأثافي ، علوي /عسكري/ حزبي، وفي تحضير النمو الاقتصادي اللازم لتعزيز هذه القاعدة 0 وهذا ما يستوجب تنازلات من أجل استقلال أوسع للبرجوازية وربما للاتحادات والنقابات 0

خاتمة

     توحي التجربة السورية أن كلا المذهبين السائدين وحيد الجانب 0 فوجهة النظر الماركسية القائلة بأن أزمة النظام الدولاني هي أساس التغيير في نهاية المطاف تبدو محط تأييد 0 في حين يمكن وضع علم الاقتصاد في خدمة المنطق السياسي على المدى القريب ، ولكن على المدى البعيد ، ينبغي أن يعهد بمستلزمات التراكم الرأسمالي إلى طبقة رأسمالية وذلك يعني إعادة بناء هذه الطبقة 0 وفي  الغالب يتطلب ذلك  ، بالتأكيد ، تقاسم سلطة من نوع ما ، ولبرلة سياسية محدودة ، ربما على غرار مصر ما بعد النظام الشعبي 0 ولكن من الضروري أن يفضي ذلك إلى تخلي نخب الدولة عن عقلتيها السياسية ، وهذا بعيد الاحتمال ، لأنه يعني التخلي التام عن القاعدة الأساسية الدولانية الشعبية واستيلاء البرجوازية على السلطة 0 من غير المؤكد أن اللبرلة السياسية الموسعة التي تصاحب اللبرلة الاقتصادية عاجزة عن سد الفراغ السياسي الذي يمكن لضحايا التطور الرأسمالي أن يدافعوا عن مصالحهم من خلاله 0

     إن المدرسة الوراثية الجديدة تحدد بدقة التناقض قصير الأمد بين المنطق السياسي والمنطق الاقتصادي ، بيد أنها تخفق في رؤية القوى الكافية لحسم الصراع ، وربما لأنها لم تحدد كفاية الجذر الأساسي للخلاف 0 فإذا كان مرده نزوعا ثقافيا كبيرا ، قد يكون ، نسبيا ، غير قابل للتغيير 0 أما إذا كان قائما على استراتيجية تكوين الدولة ذات الجذور الممتدة عميقا في القاعدة الأساسية الشعبية المضادة للطبقة البرجوازية ، كما طرح في هذا البحث ، عندئذ يمكن للبرلة الاقتصادية أن تتقدم مع ما يرافقها من تغير في قاعدة النظام الطبقية وخواء في استراتيجيته السياسة 0 فضلا عن ذلك ، إذا كان اندماج الجماهير في الدولة غير ناجم عن ثقافة سياسية قائمة على الإذعان والتبعية وإنما عن استراتيجية سياسية شعبية ، فإن هذه الجماهير قد تتحشد لصالح اللبرلة السياسية ما إن ينفرط عقد التحالف الشعبي 0

     ربما يكون من الأفضل تتبع نطاق الصراع بين العقليتين السياسية والاقتصادية في أطوار مختلفة 0 ما إن تصبح بنية الدولة متماسكة ، حتى تكون هذه الدولة قادرة على منح الأولوية لمستلزمات التراكم الرأسمالي ، واللبرلة الاقتصادية الجارية في سورية توحي بحدوث ذلك 0 وحالة سورية لا تقدم حتى الآن دليلا داعما للحجة اللبرالية القائلة إن اللبرلة الاقتصادية والسياسية تسيران جنبا إلى جنب ، مجسرتان الهوة بين العقلية الاقتصادية والعقلية السياسية 0

ولكن في سياق الانتقال إلى مرحلة ما بعد الشعبوية ، حيث ينبغي توفير متطلبات الرأسمال على حساب الحقوق الشعبية ، يمكن للبرلة سياسية محدودة أن تكون استراتيجية موفقة تنفذها نخب الدولة 0 فهي تلبي مطالب البرجوازية بشأن السلطة ، وتشجع ، في الوقت نفسه ، الكتلة السابقة من شعبية النظام على التعبئة لسلطة موازية 0 إن الدولة تصون استقلالها من خلال خلق التوازن بين كفتين : تحسين التراكم الرأسمالي وإرساء ديمقراطية محدودة تساعد على التسريع لكبح العقلية الشعبوية 0

 

 

ترجمة: مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

(الفصل السادس من كتاب "سورية المعاصرة" لريموند 0أ0هينبوخ)

 

 

 



·  Statist: الدولاني،أي المنادي بتركيز السلطة الاقتصادية والتخطيط الاقتصادي في يد الدولة0

  ** المحسوبية:القدرة على التعيين في الوظائف الحكومية على أساس غير أساس الكفاءة وحدها0

*  تعميم البيروقراطية وانتشارها في جميع ميادين العمل0

*  أصبحت في عداد البرجوازية



[i]  For two sophisticated variants of these approaches see, respectively,  S.farsoun and W.Carroll, “state capitalism and counter-revolution in the Middle East: a thesis”, in B.H.Kaplan (ed),social change in the capitalist world economy (Beverly hills, CA,1978),and j.Leca, social structure and political stability: comparative evidence from the Algerian, Syrian and Iraqi cases', in A.Dawisha and W.Zartmen (eds),Beyond Coercion :the Durability of the Arab State (London,1988),pp 164-202.

[ii]  E .Longuenesse,” the class nature of the state in Syria, MERIP Reports 9/4(1979), pp3-11 .

[iii] For evidence on the Ba'th state, see my Authoritarian Power and State Formation in ba'thists Syria: Army ,party, and peasants (Boulder,CO,1990).

[iv]   On the economic crisis, see G.Meyer,” Economic development in Syria since 1970,in J.A.Allan (ed),Politics and the economy in Syria (London,1980).pp 40-62,V.Perithes,"The Syrian economy in the 1980s",Middle East Journal 46/1 (1992),pp 37-58.

[v]   P.Seate,Asad of Syria: "The struggle for the Middle East (London,1988),p457.On the bourgeoisie, see also V. perthes. "A look at Syria's upper class. The bourgeoisie and the Ba,th", Middle East report 170/21 (May-June1991), pp 31-7.

[vi]   Y.M.Sadowski ",Cadres,guns & money :the eighth regional congress of the Syrian Ba'th ,MERIP Report 15/6 (July-August1985).

[vii]   Tishrin,4-5 December 1989.

[viii]   E.Kienle ,ch 7 of the present volume.

[ix]   Asad's speech,Foreign Broadcast information service, daily report: Middle East and North Africa,17 may 1990,p27

[x]  Middle East (September 1991),p21.

[xi]  S.Heydemann, "Liberalization from above and the limits of private sector autonomy in Syria  :the role of business associations, paper presented at Middle East studies conference (Austine,TX,1990).

[xii]  Hizb al-ba'th al-arabie al-ishtiraki, Taqarir al-mu'tamar al-qutri al-thamin wa muqarraratuhu (reports and resolutions of the 8th national congress)(Damascus,1985),pp35-58.

[xiii]  Syrian Arab Republic ,statistical abstract (Damascus),1976.pp151-2,and 1991,pp76-70

[xiv]  F.H.Lawson ,ch 9 of the  present volume.