فنان الخط
العربي منير الشعراني: هناك مجلة واحدة للخط في العالم العربي وهذا
يصور مدي انعدام اهتمامنا بميراث فريد
القاهرة ـ القدس العربي
كانت الشهور السابقة طاقة عمل واسع لفنان الخط العربي منير الشعراني، حيث
أقام عدة معارض مهمة في انكلترا ومرسيليا، ودبي ومصر، وهو علي موعد مع معرض
جديد بعمان الأردن في آذار (مارس) القادم.
بالإضافة إلي ذلك فقد عاد الشعراني الي سورية، مسقط رأسه، بعد قطيعة دامت
ما يقرب من الربع قرن تزوج وأنجب وعاش خلالها بالقاهرة، وكانت العودة
مفتاحا جديدا لهذا الحوار، الذي ناقش مع الشعراني الأسباب، وهل يعكس ذلك
تغيرا في موقف السلطة السياسية.
ومنير الشعراني هو أحد كبار فناني الخط في العالم العربي الآن وكان قد تم
اختياره عام 2001 في برلين ممثلا للفن العربي بمعرض الهضاب السبع وفي هذا
الحوار تحدثنا الي الشعراني وتحدث إلينا حول إضافاته لفن الخط العربي
وتشكيلاته التي تبدو فائقة الحيرة والجدية، كذلك يتحدث حول ابتكاراته
واستخداماته الطباعية للملصق والإعلان والشعار وتطويره لبعض الخطوط
المهجورة والمهملة.
ولد الشعراني في 6/9/1952، وهو تلميذ لكبير خطاطي الشام بدوي الديراني
وتخرج من كلية الفنون الجميلة جامعة دمشق 1977، وهنا نص الحوار:
ماذا عن معرضك في كلية سان جون
بأكسفورد، الذي شاركت به مع الشاعر وليد خازندار؟
المعرض كان عبارة عن المحطة
التالية لتظاهرة شعرية فنية تنطلق من التراث الشعري العربي القديم،
حيث ترجم الشاعر وليد خازندار أشعارا مختارة لعدد من الشعراء العرب
بدءا من العصر الجاهلي، وقمت بصياغتها فنيا في مجموعة من اللوحات
بالإضافة إلي مختارات مكثفة في عبارات قمت بتشكيلها، وقد كانت
المحطة الأولي في مبني أثري في أكسفورد ورافق المعرض صدور كتاب
يحوي المختارات واللوحات مع مقدمة للشاعر وليد خازندار تلفت النظر
الي المزالق التي تعثر فيها المترجمون الغربيون في قراءتهم للشعر
العربي، وقد صدر هذا الكتاب عن كلية سان جون التي رعت المشروع كله.
أيضا حدثني عن المعرض الذي أقمته في البيت العالمي للشعر
بمرسيليا؟
في فرنسا وبالتحديد في مرسيليا أقيم المعرض في البيت العالمي للشعر
وترجم المختارات إلي الفرنسية الشاعر جان دوبول ورافقت افتتاح
المعرض قراءة لهذه المختارات باللغات الثلاث الانكليزية والفرنسية
والعربية، وربما كان في هذا المعرض رد غير مباشر علي الإعلام
الغربي الذي يبرز العرب كإرهابيين بعيدين عن الحضارة وعن العطاء
الحضاري، وهو في هذه التجربة يضطلع علي جانبين من جوانب الثقافة
العربية الرفيعة هما الشعر والخط العربي اللذان يحملان سمات ناصعة
من سمات الحضارة العربية. وربما يصب في هذا الاتجاه ايضا ذلك
المعرض الذي أقيم في المتحف البريطاني بعنوان الكلمة في الفن وكنت
من المشاركين فيه
وفي القاهرة كان هناك معرض بمركز الجزيرة، أليس كذلك؟
كانت هناك محطة أخري حيث أقمت معرضا لأعمالي بمركز الجزيرة للفنون
خلال شهر آذار (مارس) الماضي، ثم في دبي حيث عرضت في قاعة آرت سبيس
مجموعة من أحدث أعمالي خلال شهري تشرين الاول (أكتوبر) وتشرين
الثاني (نوفمبر)، والمعرض القادم سيكون في الأردن في مدينة عمان في
صالة دار الأندي خلال شهر آذار (مارس) القادم.
وكيف تقيم ملامح المرحلة الأخيرة من أعمالك الفنية؟
تعتبر المرحلة الأخيرة تكثيفا لتجربتي وإمعانا في المضي بها إلي
التكثيف اللوني والبصري وتأكيدا علي فهمي للعلاقة بين الكتلة
والفراغ وعلي قابلية الخط العربي اللا محدودة للتشكل بما يتناسب مع
التقاء الذائقة البصرية ومفاهيمها في كل الأزمنة.
هل تعتقد أن المكانة التي يحوزها الخط العربي، لائقة به بالفعل؟
هل هي مرضية؟
علي الرغم من الاهتمام الذي يزداد يوما إثر يوم لدي الجماعة
والمقتنين وبعض الرعاة بالخط العربي، فإننا ما زلنا نعاني من إهمال
الرسم لهذا الفن العريق والمميز في المراكز الأساسية التي كانت
حاضنا ومشجعا له، ولا يكفي في هذا المجال الاهتمام الحقيقي من قبل
بعض الأفراد والمؤسسات في الإمارات العربية، حيث تصدر المجلة
الوحيدة التي تعني بالخط العربي واسمها حروف عربية ، وحيث يقام
البينالي الوحيد للخط العربي بالاضافة الي اهتمام مستمر بإقامة
معارض دولية للخط العربي.
عدت إلي سورية بعد انقطاع دام ما يربو علي الربع قرن، لأسباب
سياسية طبعا، ما الذي حدث، وهل ذلك يعكس تغيرا في مواقف السلطة من
جماعة المعارضة؟
أتي السماح بعودتي وبعض المنفيين نتيجة لرغبة بعض رموز السلطة
لتجميل وجههم خصوصا وأن التنظيمات التي اتهم هؤلاء بالانتماء إليها
كانت قد أضعفت إلي درجة لم يعد النظام يخشي شيئا منها، في هذا
السياق عاد البعض وأنا منهم بدون تنازلات فأصبح حالهم كحال رفاقهم
الذين قضوا سنين طويلة في السجون، ثم خرجوا، وما زالوا يطالبون
بالديمقراطية والحرية في الرأي والحركة والانتماء السياسي علي
قاعدة الوطن، وربما كان ما يميز المعارضة السورية عدم ارتباطها
بجهات خارجية تملي عليها ما تفعله.
وهل ذلك يعكس بالفعل تغيرا ايجابيا في موقف السلطة السياسية؟
وكيف تري الحل للنهوض بالوضع العربي؟
نحن في المنطقة العربية أصبحنا في درك متدن علي مستويات عدة،
سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وعلمية وغير ذلك، ولا أعتقد أن
ثمة حّلاً ممكناً للنهوض من هذا الدرك إلا بإطلاق الطاقات
واستقطابها من المهاجر التي فُرضت قسرا، في سبيل هذا لا بد من توفر
مناخ من الحرية والديمقراطية وتهيئة المناخ الملائم لهذه الطاقات
لتعطي في بلادها ما تعطيه لبلدان المهجر التي ألجئت إليها.
لا بد من برامج مدروسة بعناية من قبل أبناء هذه الأوطان للنهوض
بالتعليم والاقتصاد والعلوم والثقافة والمجتمع، ووعي خطر التشرذم
والعصبوية والطائفية والارتهان والارتباط والديكتاتورية والانفراد
بالسلطة علي الجميع.
وهل تفكر في العودة إلي سورية؟
العودة إلي سورية كان يمكن أن تتم الآن، فأنا معني بكل المخاطر
الداخلية والخارجية التي يعاني منها البلد، وربما كان بقائي متعلقا
بوضع أولادي الدراسي وهذا أمر لن يطول.
نعود إلي نشأتك وتكوينك الثقافي كعنصرين فاعلين في تحديد ورسم
ملامح شخصيتك؟
تفتحت عيناي في السلمية تلك البلدة التي كانت مركز استقطاب فكري
وسياسي وثقافي لكل التيارات التي عرفتها سورية منذ بداية القرن،
هناك تعلمت القراءة والكتابة قبل سن المدرسة، وهناك رأت عيني كثيرا
من المخطوطات التي كانت موجودة في البيوت، وكنت أحب النظر فيها
واستمتع بتتبع حروفها، كان يسود البلد ميل الي الشعر والأدب، ولا
يخلو بيت من دواوين المتنبي والمعري والشريف الرضي، وغيرهم، مخطوطة
أو مطبوعة، كنت أسمع جرس الكلمات بعيني في المخطوطات ولربما كانت
هذه هي البذرة الأولي. بعد ذلك ومن بدء الدراسة الابتدائية اهتممت
بالقراءة وكان لمجلة سندباد ورسومها الجميلة التي كان يرسمها
الفنان حسين بيكار وقع جميل في نفسي، ربما شكل الماء الذي سقي
البذرة وجعلني أميل للرسم والخط في آن معا، وكان من الطبيعي أن
أمسك بالقلم وأرسم رسوما طفولية في ذلك الوقت، لكن اهتمامي بالرسم
والخط أصبح مركزا منذ السنة الثالثة الابتدائية، كنت أتعلم الرسم
في المدرسة والخط عند كبير خطاطي الشام الأستاذ المرحوم بدوي
الديراني وكانت كراساتي وكتبي مليئة بالخطوط المنقولة من عناوين
الدروس في الكتب.
أنت تزعم أن الجمود الذي اعتري الخط العربي لفترة طويلة أثر
سلبيا علي تطوره، فهل لديكم مقترحات للعودة به الي سياق التطور
والتجديد المنتظر مع إشارة إلي ذلك عبر أعمالكم؟
رغم أثر الجمود الذي اعتري الخط العربي، منذ أحيط بهالة من التقديس
الذي أبعده عن الحياة اليومية وقصر دوره علي وظائف دينية، أقول اثر
هذا بشكل سلبي علي نموه وتطوره منذ سيطرة المدرسة العثمانية عليه،
لذا كان من الضروري أن تخرج الي النور بعض الأفكار التي تبحث عن
مخرج من هذا الجمود، في هذا السياق فكرت كثيرا بهذا الأمر بعد
دراسة معمقة للخط العربي ولتاريخه الجمالي، ووجدت أن الخط العربي
لم يكن في يوم من الأيام ليقتصر علي الجانب الديني فحسب لأنه كان
دوما قاسما مشتركا لكل الفنون العربية الإسلامية، دينية كانت أم
دنيوية، وقد تطور بخط صاعد جماليا منذ صدر الإسلام وبدايات الحضارة
العربية الإسلامية، فواجه خامات لا حصر لها من النقود إلي الصناعات
المعدنية والخشبية الي النسجيات الي العمارة، وكل ما يرتبط بها من
خامات، ناهيك عن الورق، وقد استطاع الخطاط الفنان أن يجد حلولا
جمالية تتلاءم مع كل خامة من الخامات التي تعامل معها لذلك عرفنا
أنواعا كثيرة جدا من الخطوط العربية علي مستوي جمالي راق، يضاف الي
ذلك وصول الخط العربي إلي الأندلس والمغرب غربا، الأمر الذي جعل
عددا من الشعوب تسهم في الارتقاء بجمالياته فتمنحه خصوصيات محلية
علي مستوي فني عال.
من هنا فإن أي تفكير للعودة بالخط العربي إلي سياق التطور والتجديد
لا بد له من دراسة معمقة لآلياته وجمالياته الخاصة وتاريخ تطوره
الجمالي، لنبدأ من حيث توقف تطوره ولنضف جديدا إلي ما وصل إليه،
آخذين بعين الاعتبار التطور الذي أصاب المجتمع والتقنية والتلقي
الجمالي والعلاقات البصرية والمستجدات الحضارية، أما عن أعمالي
فليست إلا تطبيقا عمليا لأفكاري في هذا المجال.
قبل مناقشتنا أزمة الخط العربي، كيف تري محاولات التجديد
والموقف العام منها علي ضوء التقلص الذي مني به المشروع الثقافي في
العالم العربي بلا استثناء؟
في هذا المجال لا بد لنا أن نكون منصفين، فمحاولات التجديد لم تسر
علي وتيرة واحدة وفي اتجاه واحد، هذه المحاولات التي ابتدأت مع
بدايات الدعوة التحررية في أواخر العصر العثماني وتصاعدت مع الدعوة
الي التخلص من الاستعمار الأوروبي تلونت بألوان شتي وتزينت بأزياء
مختلفة، فكان هناك من يعملون علي التجديد انطلاقا من فهم التراث
ونقده وكانت هناك من يرون في التجديد عودة إلي دراسة الحضارات
السابقة علي الإسلام في بلدانهم والانطلاق منها في محاولات
التجديد، لذلك كان من الطبيعي أن تكون هناك مواقف مختلفة من موضوع
التجديد، فكان هناك تأييد محارب للاتجاهات الثلاثة التي ذكرناها
وكانت هناك في المقابل معارضة من كل حزب للحزب الآخر بالإضافة الي
معارضة السلفيين والمنغلقين لكل اتجاهات التجديد، ولو استعرضنا
النتاج الفكري والأدبي والفني خلال خمسين أو ستين عاما لوجدنا
مصداقا لها، فمحاولات التجديد في الشعر والأشكال الأدبية الأخري
وفي الموسيقي والفنون الأخري كانت تنطلق من هذه الاتجاهات لكن شكل
المواجهة بينها حتي السبعينات كان يأخذ منحي أكثر صدقا وجدية مما
نراه اليوم.
والمساجلات والكتابات المتعارضة التي عرفتها سنوات الأربعينات
والخمسينات كانت عميقة ومسلحة بالمعرفة علي عكس ما نراه اليوم وليس
أدلّ علي ذلك من موقف محمود محمد شاكر من رؤية طه حسين للشعر
الجاهلي والأدب العربي وتلك المساجلات التي جرت بين طه حسين وعباس
محمود العقاد، لكن الوقوف علي أرضيتين مختلفتين لم يكن يجر إلي
مهاترات بعيدة عن الموضوعية والعملية.
تشكون من التقليدية الصارمة التي يعاني منها الخط العربي لا
سيما تلك الخطوط التي كرستها المدرسة العثمانية، ألا ترون أنه من
الضروري تجاوز هذه المدرسة والخطوط التقليدية الأخري إلي أشكال
وأنواع وأساليب تلائم التطور الهائل في الفنون الجميلة وفي الحاسة
البصرية؟
أجل من الضروري تجاوز المدرسة العثمانية والخطوط التقليدية - وهذا
أمر دعوت إليه منذ بداية عملي - إلي أساليب جديدة تلائم التطور
الذي وصلت إليه الفنون الجميلة وتراعي التطور الذي وصلت إليه
الفنون الجميلة وتراعي التطور الذي أصاب المتلقي ووعيه البصري،
ويبدو هذا مهما من حيث المبدأ ولو حاولنا التحديد لوجدنا أن هذا
ضروري في التعامل مع اللوحة الخطية من ناحية ومع التقنيات الحديثة
التي حلت محل النساخ، أي في مجالات الطباعة والتصميم الفني
والاستخدامات المختلفة وعلي شاشات التلفزيون وعلي أغلفة المنتجات
وغيرها، وهذا يستدعي أن ينظر الخطاطون إلي الخط كفن لا كمهنة وأن
علي كل منهم أن يكون مبدعا ومجددا وأن يكون له دور في الإضافة
والتطوير الذي يراعي الزمن الذي نعيش فيه، فالناظم الذي يعرف
العروض فحسب دون موهبة شعرية ليس شاعرا، وكذلك الخطاط الذي يعرف
أشكال الخطوط وبعض قواعدها ليس فنانا حتي لو كان مجددا، فالمجدد
صاحب الأسلوب لا المقلد هو الفنان المبدع.
هل تري أن الفن التشكيلي بعد جيل الرواد في مصر والعالم العربي
معبر عن واقعه ومتصل في نفس الوقت مع تطور التشكيل في العالم؟
لا يمكن الكلام الآن - كما أري - عن اتجاهات فنية تجمع بين
الفنانين العرب، فهناك مستويات مختلفة ربما تصل الي حد التناقض بين
أشكال عطائهم الفني وأنا أري أن كثيرا من الفنانين العرب الآن ما
هم إلا نقلة للاتجاهات والموضوعات الفنية في الغرب، ليس علي مستوي
الشكل فحسب بل علي مستوي الموضوع أيضا، وهناك قلة من الفنانين
الذين تأثروا بمدارس الفن التشكيلي الغربية من حيث الشكل لكنهم
كانوا لصيقين بموضوعات مجتمعاتهم يستمدون روح أعمالهم من هذه
المجتمعات وهناك قلة قليلة مهمومة بعطاء فني شديد الارتباط شكلا
موضوعا بروح مجتمعاتهم ومشكلاتهم، وموروثهم الفني وثقافتهم، وعصرهم
ناظرين إلي كل هذا بعين ناقدة لا تطلق نيرانها علي الماضي وهي تنظر
إلي المستقبل لذا لا يمكننا الحديث عن الفن في بلداننا العربية
وكأنه كل متكامل.
وأخيرا هل ترون أن هناك رعاية مقبولة من المؤسسات العلمية
العربية للخطاطين وهل توجد معاهد للخطوط ذات فعالية؟
دعني أقل لك أن الرعاية تكاد تكون معدومة ليس للخطاطين فحسب، بل
لفن الخط العربي هذا القاسم المشترك لكل الفنون العربية الإسلامية
التي نتباهي بآثارها وتتسابق متاحف العالم لاقتنائها.
ليس هناك اهتمام بدءا من المدرسة مرورا بكليات الفنون ومعاهدها،
وانتهاء بالتعامل مع الخطاطين كمهنيين لا كفنانين، الأمر الذي يقع
جزء كبير منه علي عاتق الخطاطين أنفسهم الذين تحول معظمهم فعلا إلي
خطاطين مقلدين حتي وإن كانوا مجودين.