عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

محمد السيد سعيد إصلاح النظام العالمي ودبلوماسية الضمير الإنساني

 

 

2007-02-21

الاتحاد  

يوم 16 من فبراير الجاري نشرت صحيفة "الهيرالد تريبيون"، وعدد لا بأس به من الصحف العالمية، إعلاناً وقعه عدد من أبرز الشخصيات على مستوى العالم. من أبرز الأسماء التي وقعت على هذا البيان/الإعلان؛ فريدريكو مايور وماريو سواريز وسوزان جورج وناعوم شومسكي وجوزيه ساراماجو وروبرت سافيو والكساندرر ليكوتال وفاطمة ألو وكونيليو ساماروجا وشيكو ويتاكر وريتشارد فالك وسارا هوتارج وبول أورتيجا وجون فوستر. ووقعه من المنطقة العربية الأستاذ محمد فائق الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان والأستاذ زياد عبد الصمد منسق الشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية.
البيان يخاطب الأمين العام الجديد للأمم المتحدة "بان كي مون" بمطالب محددة, تحت عناوين ثلاثة. منح البيان أولوية واضحة لقضية الفقر والتنمية في العالم. وهنا طالب الأمين العام بأن يعمل على تطبيق أهداف الألفية وخطط العمل التي وضعت في القمم العالمية التي عقدت في تسعينيات القرن الماضي والتي يقول البيان إنها لم تطبق ولم تتحقق وخاصة هدف تخفيض مستويات الفقر إلى النصف. وبالتحديد طالب البيان بإلغاء فعلي للديون والوصول إلى المعدل المقرر للمساعدات من أجل التنمية ووضع ضريبة على رأس المال المالي الدولي وتوظيف هذه الآليات من أجل تمويل صناديق من أجل التنمية والتضامن في العالم.
أما العنوان الثاني فيتصل بهدف بناء السلام والأمن وحقوق الإنسان. ويؤكد البيان على أن الحل السليم لمشكلة العنف والإرهاب في العالم هو الامتثال لقانون دولي ديموقراطي يقوم على الحقوق العالمية للإنسان. ويركز البيان تحت هذا العنوان على إصلاح الأمم المتحدة إصلاحاً عميقاً بإلغاء حق النقض من مجلس الأمن وتوسيعه وتمكين الجمعية العامة من السيطرة على منظومة المؤسسات الدولية وتمكينها من التركيز على حل الصراعات بصورة سلمية ونزع السلاح وحظر انتشار الأسلحة الذرية وقصر استخدام العنف على الأمم المتحدة ومن أجل حماية الشعوب فقط وفقاً للميثاق.
ويلقي العنوان الثالث ضوءاً أكثر كثافة على هدف إصلاح مؤسسات النظام الدولي بما في ذلك التحويل الديموقراطي للأمم المتحدة. وهنا يدين البيان سياسات العسكرة والحروب الاستباقية واستخدام مختلف الوسائل غير الشرعية في مواجهة الإرهاب؛ مثل السجون السرية و"جدران العار" (مشيرا إلى الجدار الإسرائيلي المقام على الأرض الفلسطينية لعزلها في كانتونات مضطهدة) وعمليات الخطف والاغتيال الاستهدافي المطبقة في أفغانستان والعراق وفلسطين والسودان والصومال. ويطالب البيان بالوقف الفوري لهذه الممارسات البشعة والإصلاح العميق لمؤسسات النظام الدولي بما في ذلك بناء أمم متحدة أقوى وأكثر ديموقراطية وإعادة تأسيس وإدماج كافة المؤسسات الدولية متعددة الأطراف وخاصة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية تحت مظلة الأمم المتحدة. ذلك هو ملخص "المانيفستو" الذي أطلق هذه الحملة العالمية من أجل إصلاح حقيقي وله مصداقية ومعنى للنظام الدولي.
ما يلفت النظر في هذا المانيفستو أنه يحمل بصمات التيار الراديكالي في الفكر السياسي العالمي والذي يتبنى فكرة إصلاح النظام الدولي إصلاحاً جذرياً وإرساء ثقافة حقوق الإنسان والاتحاد من أجل السلام بين الأمم والحضارات وتشغيل مؤسسات العدالة الدولية تشغيلاً نزيهاً وبعيداً عن سياسات القوة والعسكرة ووضع قضية استئصال الفقر باعتبارها الهدف الأول والأسمى للمجتمع الدولي فضلاً عن مناهضة الحرب وسياسات التعصب والكراهية.
وقد يندهش الناس من أن يتم توجيه هذا البيان إلى الأمين العام الجديد للأمم المتحدة بان كي مون، لأن صلاحياته بعيدة عن أن تصل بذاتها إلى هذه الأهداف الكلية الكبرى، خاصة أنه يمكن للقوى الكبرى محاصرته في مقره وتعجيزه عن أداء وظيفته التي قررها له الميثاق. لكن هذا التوجه يتسق مع حقيقة أن المانيفستو ينهض أساساً على بناء أمم متحدة جديدة ولا يريد إسقاطها أو تصفيتها ومن ثم فقد أخذ الأمين العام باعتباره رمزا لهذه المنظمة. ثم إن البيان نشر في الصحف ووسائل الإعلام حتى يصل إلى كافة الشعوب والفعاليات الثقافية والسياسية في العالم.
ويلفت النظر أيضاً أن الموقعين على البيان ليسوا مجرد شخصيات فكرية، وإنما أيضاً يحتل بعضهم مكانة سامية في منظومة المجتمع المدني العالمي. وإذا تذكرنا أن ما نسميه بالمجتمع المدني العالمي يضم ما يزيد على مائة ألف منظمة دولية غير حكومية، مثل الصليب والهلال الأحمر الدولي والعفو الدولية، لأدركنا أن هذه المنظمات يمكن أن تلعب دور رأس الحربة في الحركة العالمية المنشودة من أجل إصلاح النظام الدولي ومواجهة العسكرة والسياسات الاستعمارية, خاصة أنها تمتد إلى جميع النظم الإقليمية والثقافية الكبرى في العالم. ومن الواضح أيضاً أن ثقل الشخصيات الدولية التي صاغت ووقعت وعممت هذا البيان على الرأي العام العالمي من خلال وسائل الإعلام، تؤسس لنمط جديد من الدبلوماسية الدولية: أي دبلوماسية الشخصيات العالمية العامة، أي التي تحوز على احترام يتجاوز الثقافات والمناطق والأقاليم السياسية وتنشط في حقول مختلفة للعمل العالمي من أجل السلام والتنمية والعدالة الدولية.
ومع ذلك يبدو أن هذا البيان أخطأ في ثلاثة جوانب مهمة: الخطأ الأول هو التسرع بالنشر قبل أن يتم تأسيس حركة عالمية فعلية ونشطة بالفعل، بل إن هذا البيان ذاته كان يجب أن يكون محصلة لمؤتمر عالمي ينهض بالأهداف الكبرى التي دعا لها، وكان من الأفضل كثيراً أن يتم النظر إليه كشراع يطلق حركة عالمية وليس مجرد تعبير عن عدد من الشخصيات العالمية العامة. وقد ترتب على هذا التسرع خطأ ثان وهو أن الموقعين على البيان لم يزيدوا عن واحد وخمسين شخصية، أغلبها معروف إقليمياً لكنهم ليسوا جميعاً شخصيات تمثيلية أو حتى معروفة عالمياً. ومن المؤكد أن البيان لو كان قد صدر عن حركة عالمية متأسسة بالفعل، لكان قد حمل ثقلاً عالمياً أكبر ولوقع عليه آلاف الشخصيات العالمية التي تتمتع بثقل فكرى وثقافي حقيقي وكبير.
ومن ناحية ثالثة فقد شابت البيان نفسه أوجه قصور كثيرة؛ أبرزها أنه ركز على نقد السياسات الإمبريالية والليبرالية الوحشية وحدها ولم يتطرق إلى سياسات العسكرة والحكم البوليسي والنزعات التعصبية والسياسات الاقتصادية الظالمة في العالم، بما فيه العالم الثالث. ومن المفيد للغاية المطالبة بمنح الأولوية لقضية استئصال الفقر ومن ثم إعادة توزيع الثروة على النطاق العالمي. لكن كان يجب توجيه النقد أيضاً للسياسات التي تؤدي إلى نشر وتعميق الفقر في العالم الثالث بواسطة حكوماته وطبقاته الحاكمة ومن ثم المطالبة بإعادة توزيع الثروة على المستويات المحلية أيضاً. والواقع أن ثمة أوجها أخرى كثيرة لقصور هذا البيان وخاصة على المستوى المعرفي.
ومع ذلك كله، يمكن أن ننظر لهذا البيان كبداية لإطلاق حركة عالمية من الأرض أو من المستوى القاعدي لإصلاح النظام الدولي ووقف توحش الدول الكبرى وعدد محدود من قادة هذه الدول وفي غيبة الرأي العام بها واستئثارهم بصلاحيات وسلطات تقرير مصير العالم. الوطن العربي يمكن- أو لنقل يجب- أن يقوم بدور كبير في إطلاق هذه الحركة واستكمال شعاراتها وأهدافها لأنها قد تعكس الضمير الإسلامي والعربي الحقيقي ولأنها من ناحية ثانية تعبر أفضل تعبير عن مصالحه.

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة