مهما
حاولت الإدارة الأميركية التخفيف من وقع الانتقادات العنيفة التي وجهها
الرئيس
الروسي فلاديمير بوتين للسياسة الأميركية الراهنة في «المؤتمر الدولي
للأمن»، الذي
عقد في «ميونيخ»، فإنّها لن تستطيع إخفاء امتعاض هذه الدولة العظمى من
سياسة
الانفراد والغطرسة التي تنتهجها الإدارة الأميركية حيال دول العالم،
وخصوصاً حيال
قضايا الشرق الأوسط، ولن تخفي كذلك التوجه الجديد الذي بدأته موسكو في
علاقتها مع
واشنطن، وخاصة في الكيفية التي تراها مناسبة للتعامل مع الأزمات
والقضايا الدولية
في هذا العالم العاصف. صحيح أن الأمر قد لا يصل إلى حدّ القطيعة مع
واشنطن أو إحداث
أزمة، إلا أنه يقدم دليلاً على تململ دول العالم من سياسة الولايات
المتحدة
الأميركية الخارجية، فالرئيس الروسي أبدى ملاحظات هامة، اعتبر فيها
السياسة
الأميركية لا تحترم العلاقات الدولية، وتنفرد بالقرارات، وباتت تجرّ
العالم نحو
المزيد من التوتر والاستقطاب، فالتصرفات الأحادية «فاقمت مشكلات
العالم»، وأدت إلى
نشوء معضلة قانونية في العلاقات الدولية، بسبب نهج الانفراد القائم على
مبدأ «القطب
الواحد»، و«السيد الواحد»، و«القوة الواحدة». في حين أن المطلوب
عالمياً الامتناع
عن التفرد والتوجه نحو التعددية القطبية، والمشاركة في القرارات
الدولية واحترام
مصالح الآخرين.
والواقع أن ليس روسيا، فقط، من يعتبر السياسة الخارجية
الأميركية مصدر خطر مباشر على مصالحها، بل العديد من دول العالم، وفي
مختلف
القارات. لكن القيادة الروسية تدرك تماماً الحجم الفعلي للتهديد
الأميركي، حسبما
أشار «يوري بالوفنسكي» رئيس هيئة أركان الجيش الروسي في المؤتمر الأمني
الذي عقد في
موسكو في العاشر من شهر شباط الجاري.
وجاء التحرك الروسي، ممثلاً بجولة الرئيس
«فلاديمير
بوتين» في منطقة المشرق العربي، في إثر الانتقادات الموجهة للسياسة
الأميركية، ليؤكد على توجه جديد للقيادة الروسية. واختار بوتين الرياض
والدوحة
وعمان، بوصفها عواصم تربطها علاقات جيدة مع الولايات المتحدة
الأميركية، الأمر الذي
يؤشر على بداية مرحلة جديدة من الاهتمام الروسي بالعلاقات مع البلدان
العربية،
وبقضايا منطقة الشرق الأوسط. ولا شك أن التوجه الروسي الجديد له علاقة
بقوة روسيا،
وخلاصها من انتظار الدعم الأميركي والأوروبي، حيث تمكنت من تحسين
الأوضاع المعيشية
لأبنائها، وتحقيق قفزات في النمو الاقتصادي، وتمكنت من سداد معظم
ديونها، والتخفيف
من عجزها المالي، والتحول إلى دولة مصدرة للطاقة.
ويشكل ذلك كله قاعدة لزيادة
فاعلية الدور الروسي في المنطقة العربية، الذي لن تكون بالضرورة
مترافقاً مع العودة
إلى أجواء الحرب الباردة السابقة، أو الدخول في سباق تسلح جديد، لكن
الدولة الروسية
عرفت كيف تبدأ السير بخطى ثابتة وجديدة، بغية استعادة دورها العالمي
الفاعل.
ومن المهم أن تشكل الزيارة الأولى للرئيس الروسي للمملكة العربية
السعودية
حدثاً سياسياً، يتكلل في خرق لمنطقتنا الهامة على كافة المستويات،
الإستراتيجية
والاقتصادية والتجارية. لكن السؤال الذي يطرح في هذا المجال، هو: ماذا
يمكن أن تقدم
الدول العربية لروسيا ولتوجهاتها الجديدة؟ وما هو مدى قدرة كل من روسيا
والدول
العربية، وكذلك إيران، في إشادة شكل جديد من التوازن الإقليمي بعد
الاختلال الشديد
الذي حدث في إثر الاحتلال الأميركي للعراق؟
أعتقد أن تصحيح الخلل في موازين
القوى يشكل مصلحة للدول العربية بشكل خاص، وينسحب ذلك إلى تصحيح الخلل
الحاصل في
موازين العلاقات الدولية، وضرورة الاحتكام إلى مرجعية دولية جديدة،
تنهض على
التوازن والتشارك في التعامل مع الأزمات العالمية الراهنة. وهذا لن
يتحقق إلا
بزيادة الضغط على الإدارة، كي توقف نهج التفرّد الأميركي في التعامل مع
الأزمات
والنزاعات العالمية، وذلك عبر تأييد الموقف النقدي الروسي، والتحدث مع
رموز الإدارة
الأميركية الحالية بلهجة لا مواربة فيها لكي تتعامل بجدية مع الدعوة
إلى مؤتمر
إقليمي ودولي، يعمل على إيجاد تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، والسعي
إلى حل كافة
أزمات المنطقة، في العراق ولبنان وسواهما.
ومن المناسب أن تحمل جولة الرئيس
الروسي القيادات العربية على عدم تكرار أخطائها، عبر وقف الارتهان
للطرف الأميركي،
لأن الارتهان المديد له لم يجلب سوى الاحتلال والانهيار والخراب وضياع
المصالح
العربية في مختلف أبعادها الوطنية والقومية. إضافة إلى أن الدفاع عن
القضايا
العربية يتطلب الاعتماد على القدرات العربية، وخصوصاً القوى الوطنية في
الداخل،
وتحسين الشروط المعيشية للناس، وإطلاق الحريات الديموقراطية، وعدم
الوقوع في فخ
الخلافات العربية ـ العربية، والدخول في علاقات دولية متوازنة.
(٭)
كاتب سوري


