عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

محمد عارف

الاحتلال أساس الخراب والفساد في العراق

 

 

2007-02-14

الاتحاد  

انتقدني بشدة أكاديمي عراقي على ما كتبته هنا في 11 يناير الماضي حول مشروع للسلام في العراق أعدّه علي علاّوي، وزير التجارة والدفاع في أول وزارة بعد الاحتلال. وانصبّ النقد على تجاهلي "نهب الثروات الطائلة للشعب العراقي" في عهد تلك الوزارة. ولم أجد ما أعتذر به غير نكتة عن عراقي مصاب بالنسيان، كان يحاول عبثاً أن يتذكر ما قال له الطبيب: "ضفدع بالصحن؟ لأ. يمكن أرنب بالسطل؟.. لأ. أكيد تمساح بالحوض؟". وبعد أن يئس اتصل هاتفياً بالطبيب الذي قال له: "هذه عاشر مرة تسألني... عندك سرطان بالحوض. سرطان بالحوض"!

آملُ أن تخفف النكتة ألم الاطلاع على نتائج أول استجواب يجريه الكونجرس الأميركي مع بول بريمر، مدير ما يسمى "إدارة التحالف المؤقتة" التي عيّنت وزراء حكومة الاحتلال. كشفت وثائق الاستجواب الذي جرى في الأسبوع الماضي عن اختفاء 12 مليار دولار من أموال العراقيين خلال سنة من عمر الوزارة. مصدر تلك الأموال مبيعات النفط العراقي، وموارد "برنامج الأمم المتحدة للنفط مقابل الغذاء"، واحتياطيات عُملات الدولة العراقية التي استولت عليها سلطات الاحتلال. اختفت تلك الثروة الطائلة دون أن يُعثر لها على أثر، وأغرب ما في عملية اختفائها هي طريقة نقلها من "الصندوق الاحتياطي الفيدرالي" في نيويورك إلى بغداد، وتوزيعها على الوزارات المختلفة. ذكر ذلك رئيس لجنة الاستجواب هنري واكسمان، متسائلاً: "هل يملك عقلاً سليماً من ينقل 360 طناً من النقود إلى ميدان حرب"؟

جرى تحويل أموال الدولة العراقية إلى عملات ورقية فئة مئة دولار، بلغ عددها 281 مليون ورقة. ورُزمت الكميات الهائلة من النقود في عبوات بلاستيكية مضغوطة حملتها منصات خشبية على متن طائرات شحن عسكرية، نقلتها على دفعات بمعدل مرتين في الشهر. وبلغت كمية آخر دفعة منها نحو مليارين ونصف المليار دولار، شُحنت قبل ستة أيام من نقل السلطة إلى ما سُمي في حينه "الحكومة العراقية المؤقتة". وأوردت مذكرة الاستجواب شهادة موظف في إدارة الاحتلال عن "أكداس المئة دولار التي كانت تتطاير في المكان"، وقال إن "أحد المقاولين تسلّم دفعة واحدة قدرها مليوني دولار في عبوات بلاستيكية مضغوطة محشوة بالنقود، موضوعة داخل حقيبة كبيرة مصنوعة من قماش الخيام".

وجاء في المذكرة أن المحاسبين اكتشفوا مفاتيح الخزائن، حيث كانت الأموال تُحفظ بعهدة جندي أميركي، كان يتركها على المنضدة عندما يذهب لتناول الغذاء. واكتشفوا أيضاً سرقة نحو 800 ألف دولار من أحد أقسام الخزائن. وكانت أكياس النقود متروكة دون حراسة في مكاتب الوزارات. وقال "بيتر ويلش"، وهو عضو "جمهوري" في لجنة الكونجرس إنهم كانوا يتولون "صرف أطنان من النقود من على ظهر سيارات الشحن". وصُرف لأحد الموظفين مبلغ 7 ملايين دولار نقداً، مع أمرٍ بأن ينفق المبلغ خلال أسبوع واحد قبل أن تسيطر "الحكومة العراقية المؤقتة على الأموال العراقية". وكشفت مراجعة آخر محضر لجلسات "إدارة التحالف المؤقتة" وجود دفعة واحدة قدرها 500 مليون دولار مخصصة لنفقات الأمن، ومؤشر عليها بالحروف الإنجليزية الأولى فقط من عبارة: "يجري البتُّ فيها".

ويصعب تصديق حالات الفساد والهدر في الأموال التي أنفقت على آلاف الموظفين "الأشباح" الذين كانوا يتسلمون مرتباتهم بموجب صكوك من وزارات تحت سيطرة "إدارة التحالف المؤقتة". ولا يُستبعدُ أن تكون بعض هذه الأموال قد ذهبت، حسب مذكرة الاستجواب، إلى "عصابات الإجرام والجماعات المسلحة التي تحارب الولايات المتحدة". وكان "ستيوارت براون"، المفتش العام لما سُمي "إعادة إعمار العراق"، قد كشف في مذكرة سابقة إنفاق نحو 9 مليارات دولار من مخصصات الوزارات العراقية "من دون ضمانات بأن تُستخدم هذه الأموال بشكل ملائم، أو خاضع للحساب". إلاّ أن مذكرة الاستجواب الحالية أشارت إلى أن براون يعتقد الآن "أن مبلغ 20 ملياراً أنفق بالكامل دون شفافية، أو محاسبة". وظهر أن "إدارة التحالف المؤقتة" عهدت بأعمال تدقيق الحسابات لشركة استشارية مغمورة اسمها "نورث ستار كونسلتانتس". يقع عنوان الشركة الصغيرة في منزل شخصي في مدينة "سان دييغو" في ولاية كاليفورنيا التي يسكنها عدد من "الأثرياء الجدد" العراقيين الأميركيين. وذكر المفتش العام "أن شركة الحسابات لم تكن تلتزم بضوابط الرقابة المطلوبة".

واعترف "هنري واكسمان"، وهو عضو "جمهوري" في الكونجرس عن ولاية كاليفورنيا، بأن تعيين موظفي "إدارة الاحتلال المؤقتة" كان يجري على أساس انتمائهم لـ"الحزب الجمهوري"، وليس على أساس التجربة والكفاءة. وذكر أن نصف الموظفين تخرجوا حديثاً من الجامعات، ونصفهم لم يسافر قط خارج الولايات المتحدة... وقد "أدّى ذلك إلى أن شباباً في العشرينيات من أعمارهم تولوا مهمة الرقابة على الموازنة المالية للحكومة العراقية"! وظهر من مَحاضِر جلسة الاستجواب أن المسؤولين الأميركيين الكبار، لم يكونوا مهتمين بالوضع لأن "مليارات الدولارات لم تكن أموال دافعي الضرائب الأميركيين". ففي جواب عن سؤال عمّا حلّ بالأموال العراقية، ذكر الأدميرال المتقاعد "ديفيد أوليفر"، مستشار بول بريمر، أنه لا يملك فكرة عن ذلك، وقال: "لا أستطيع أن أقول لك ما إذا كانت النقود قد أنفقت بشكل صحيح أم لا. ولا أعتقد أن ذلك مهم حقاً". وعندما وُجِّه إليه السؤال: "لكن هذه مليارات من الدولارات، وقد اختفت دون أيّ أثر لها؟"، ردَّ قائلاً: "هي أموالهم (العراقيين)، مليارات الدولارات من أموالهم (العراقيين)... ما الفرق الذي يمكن أن يحدثه ذلك؟".

وبعد مرور نحو 4 أعوام على الاحتلال، لا تختلف الصورة الآن عما كان عليه الوضع في عهد وزارة الاحتلال. فقد تحدث التقرير الذي أصدره الأسبوع الماضي "المفتش العام لإعادة إعمار العراق"، عن "عجز الحكومة العراقية الحالية عن رفع إنتاج النفط والكهرباء، رغم المساعدات الأميركية"، وذكر أن معدل ما تحصل عليه بغداد من الكهرباء يبلغ ست ساعات ونصف يومياً، وأن سبب ذلك "يعود جزئياً إلى تدمير خطوط نقل التيار الكهربائي، لكن أيضاً إلى النزاعات السياسية حول أي المناطق خارج بغداد ينبغي أن تقاسم العاصمة حصتها من الكهرباء". وقال التقرير إن وزارة الخارجية الأميركية أنفقت 44 مليون دولار على إنشاء معسكر مؤقت لتدريب الشرطة لم يُستخدم إطلاقاً، وأنفقت نحو 37 مليون دولار لشراء سيارات مدرّعة وأسلحة "لم يكن بالإمكان العثور عليها". وجاء في تقرير "هيئة المحاسبة الحكومية" في واشنطن، أن وزارة الدفاع والقيادة العسكرية الأميركية في بغداد، لم تستطيعا حتى الآن تحديد مصير 90 ألف بندقية و80 ألف مسدس، كانت قد وضعت في عهدة قوات الأمن العراقية عام 2004. وكشف التقرير نفسه أن لدى الحكومة العراقية ستة مليارات دولار لم تستطع إنفاقها، لأن وزارات عدة لا تملك القدرة على تلزيم المقاولات. هذا هو الاحتلال في نهاية المطاف: خراب وفساد ونهب وعجز وعنف ومذابح طائفية وتشريد الملايين.

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة