عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

ياسين الحاج صالح  

في دلالة انفصال «العمل السياسي» عن السياسة العملية في بلداننا

 

 

2007-02-11

الحياة  

   

قلما يوضح مثقفون ومحللون عرب نطاق صلاحية تحليلاتهم، أو يحددون المخاطبين المفترضين بها، أو يميزون الطرف أو الأطراف المعنية بتنفيذ «حلول» يقترحونها في مقالاتهم ودراساتهم وأبحاثهم. والتمييز الجوهري الذي يخفق معظم كتاباتنا في الإلحاح عليه هو التمييز بين نطاقي ومنطقي التحليل والعمل، وتاليا الاختلاف الكبير بين ما قد نسميه الحلول التحليلية التي يمكن أن يقترحها المثقف، وبين الحلول العملية التي يمكن أن يستفيد منها السياسي. فلنبرح الكلام المجرد لتوضيح مقصدنا.

قلما يوضح مثقفون ومحللون عرب نطاق صلاحية تحليلاتهم، أو يحددون المخاطبين المفترضين بها، أو يميزون الطرف أو الأطراف المعنية بتنفيذ «حلول» يقترحونها في مقالاتهم ودراساتهم وأبحاثهم. والتمييز الجوهري الذي يخفق معظم كتاباتنا في الإلحاح عليه هو التمييز بين نطاقي ومنطقي التحليل والعمل، وتاليا الاختلاف الكبير بين ما قد نسميه الحلول التحليلية التي يمكن أن يقترحها المثقف، وبين الحلول العملية التي يمكن أن يستفيد منها السياسي. فلنبرح الكلام المجرد لتوضيح مقصدنا.

في صدد الأزمة الراهنة في لبنان، يكتب مثقفون مظهرين ترابط نزاعات سياسية لبنانية مع صراعات وتوترات إقليمية ودولية. وقد يكشفون بحق اختلالات بنيوية يعاني منها النظام اللبناني. وعلى المحور الزمني، يرصدون أصولا تاريخية متفاوتة القدم لمختلف عناصر الأزمة اللبنانية. ويخلصون إلى ضرورة معالجة مشكلات إقليمية شرق أوسطية، وإصلاح عميق في النظام اللبناني، والتصدي لمظالم ومخاوف تاريخية... من أجل التغلب على الأزمة. هذا «صحيح» بلا ريب.

لكن ما هو نطاق صحة الحلول التي تتوج تحليلات كهذه تجتهد لاستنفاد جميع الترابطات الممكنة؟ هل تفيد السياسي المهتم بمعالجة الطور الحاد من الأزمة؟ هل تقدم له عدّة عملية من أجل سياسة مثمرة في مواجهة الأزمة هذه؟ هل هي «توصيات تنفيذية» عملية، تخاطب جهات بعينها، على غرار ما تفعل مراكز دراسات استراتيجية غربية («المجموعة الدولية لمقاربة الأزمات» مثلا)، أم أنها تصورات إجمالية لأوضاع يفترض أنه تنحل فيها المشكلات المعنية، تصورات نابعة من دواعي اتساق مقال الكاتب أو بحثه، أو من ولاءاته الإيديولوجية أو حتى من مقتضيات توازنه النفسي؟ هذه أسئلة قلما نطرحها لقلة اهتمامنا بالقضايا المنهجية في ما نكتب. وفي غياب التفكير بهذه القضية، يمكن لتحليلاتنا أن تشكل خلفية معرفية مفيدة، قد لا يستغني عنها فاعلون سياسيون عقلانيون، لكن فائدتها في صوغ سياسات عملية تتراوح بين محدودة ومعدومة. وما قد نقترح من «حلول» قد يبقى بالغ الفائدة لنقد المعالجات التقنية المحض للمشكلات المدروسة (تغلب هذه المعالجات في نتاج مراكز الدراسات الغربية، «المجموعة الدولية...» المشار إليها مثالٌ؛ ومراكز «الثينك تانك» الأميركية تتبع السنّة نفسها)، هذه المعالجات التي تهمل البعد التاريخي، وتخفق في الغالب في بلورة تصور متماسك للعدالة، فتفصل تحليلاتها الوضعانية و»حلولها» العملية عن أي بعد قيمي، وتبقى وفية على العموم لموازين القوى القائمة، وما هو مضمر فيها من تفوق غربي مادي وثقافي وحضاري ودائم. أقول إن ما قد نقترحه من حلول، يحتفظ بقيمة نقدية حيال أمثال هذه المعالجات، بيد انه يبقى مع ذلك غير ملائم للسياسة العملية.

هذا لأن منطق التحليل يقوم على إظهار الترابطات الدالة لقضية معينة، فيما يقوم منطق العمل بالعكس من ذلك على الفرز والتمييز ووضع اليد على «تناقض رئيسي» أو «حلقة ضعيفة»، أو إجابة محددة على سؤال: «من أين نبدأ؟». كلما أظهرت تحليلاتنا ترابطات أوسع كانت أكثر إقناعا، فيما يلزم أن تكون هذه قليلة من أجل العمل. لذلك المثقف سياسي سيء. والسياسي مثقف أسوأ. ولذلك فإن كيسينجر على حق إذ يقول إن الفكر يعمل بصفاء مدهش حين ليس ثمة بديل. حالة اللابديل تقلل الاحتمالات التي قد يحار بينها التفكير، وتسهل عملية التقرير.

بخصوص الأزمة اللبنانية مثلا فإن الحل السياسي العملي هو من قبيل انتخاب رئيس جديد أو برلمان جديد أو الوصول إلى تسوية ما بخصوص نظام المحكمة الدولية... وهو ما لا يمس صحة القول بأن من شأن معالجة شاملة للمشكلات الإقليمية والإصلاح العميق للنظام اللبناني أن يساعد في تجنيب لبنان أزمات مستقبلية.

ويبدو لنا أن الجذر الأساسي لضعف انشغالنا بالسياسة العملية هو تخارج قيم الثقافة والسياسة، وهذا شرط تعززه حالة اللااعتراف (بل الاحتقار) المتبادل بين المثقفين والسلطات الحاكمة. ينكر المثقفون أية صفة كلية ومبدئية على السلطات التي تحتكر السياسة، فلا يشغلون أنفسهم بتقديم اقتراحات عملية لها. بالمقابل تطالب السلطات نقادها من المثقفين بحلول عملية، مصادرة على مطابقة تامة لها (السلطات) مع الكلي والمبدئي. فهي لا تتصور للمثقفين غير دور استشاري تكميلي.

ولما كان المثقف قلما يستطيع أن يبقى بعيدا عن السياسة، فإنه سيطور تصورا خاصا لها قد يصلح أن نسميه «العمل السياسي»، تمييزا عن السياسة العملية كما قد تمارس في مجتمع ديموقراطي حسم قيمه الأساسية ودوّنها في مؤسساته، وارتدت السياسة فيه إلى مستوى إجرائي أو «توصيات تنفيذية» (لا نلتزم بهذا التصور المحافظ للسياسة؛ نسوقه كنموذج توضيحي فقط).

فالعمل السياسي هو سياسة المثقفين، ولطالما كان في هذه عناصر طوبوية ونقدية تذكر بالأصول والانحيازات الثورية لطبقة المثقفين في بلادنا. ولطالما كان العمل السياسي بحد ذاته اعتراضا على السياسة العملية ذات الأصول المحافظة.

في ما وراء انفصال الثقافة عن السياسة، يعكس التباعد بين السياسة العملية والعمل السياسي ضعف التبنيُن الثقافي والتمأسس الاجتماعي والسياسي في دولنا الراهنة. هنا لا تستقل المعرفة بنصاب مستقل عن السياسة (عزيز العظمة)، وليس للسياسة ذاتها نصاب عقلاني يجتذب إليه أنشطة بحثية وفكرية تساعده في صنع قراراته ومأسستها. هنا تتداخل الأدوار والاختصاصات والمعقوليات، وتتشابك المسؤوليات، ويسجل البعد القيمي والعصبوي (الديني والمذهبي والإثني...) حضورا قويا في نزاعاتنا السياسية، فيما البعد المصلحي العقلاني يزداد ضعفا. وفي مثل هذه الشروط تشيع المقاربات «النظرية» والتأملية للسياسة، وتندر المقاربات الوضعانية العملية. والمثقف المحروم من أي سند مؤسسي لن يرى في المقاربات الوضعانية غير ما يؤبد الأوضاع القائمة. فإن وجدت هذه، ويحصل أن توجد، فإنها تتسم بطابع محافظ مكشوف في انحيازه للأوضاع القائمة هذه.

ليس ثمة ما يشير اليوم إلى أن الفجوة تضيق بين المثقفين والسياسة العملية في بلادنا. والمشكلة أننا نشهد مستوى متقدما من احتضار «العمل السياسي»، ومن انحطاط السياسة العملية إلى فن البقاء في السلطة بأي ثمن. سياسة المثقفين تموت. وسياسة السياسيين تزداد بهيمية. ولعل فناء تلك وتوحش هذه من نواتج تفكك الدولة الوطنية التي جمعت الطرفين على مضض، الدولة التي لم تعرف أن تتحول إلى دولة – أمة حقيقية، فلم يبق مفتوحا أمامها غير درب التمزق الطائفي، حيث الثقافة والسياسة معا فائضتان عن الحاجة.

 

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة