عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

د. طارق سيف تديين السياسة وتسييس الدين

 

 

2007-02-11

الاتحاد  

السياسة الدولية ساحة للتنافس بين قوى مختلفة ذات مصالح ذاتية متضادة؛ تعمل على تحقيقها أو فرضها بأي طريقة وبشتى الوسائل؛ سواء المشروعة منها أو غير المشروعة، وهي ميدان لصراع بين نماذج لقوى عديدة تعمل صراحة وخفية، على استخدام الدين في السياسة أو خلط السياسة بالدين لتحقيق مصالحها الخاصة، وتعتبره الضمانة الوحيدة للوصول إلى مطامعها وطموحاتها، ولا تقدِّر حجم المخاطرة التي تُقدم عليها بتعريض أصحاب هذا الدين لخطر القتل أو الاضطهاد أو التطهير الطائفي والمذهبي، ولا يهمها في النهاية سوى مصالحها.

وقد انقسم مستخدمو الدين كـ"مطية" للوصول إلى أغراضهم السياسية من سلطان وثروة إلى نوعين؛ أحدهما قام بـ"تديين السياسة"، والآخر سعى إلى "تسييس" الدين، ولكن يجمع كلا النوعين إضفاء الصبغة الدينية على توجهاته وتصرفاته، ليحقق أهدافاً عدة في وقت واحد من أهمها:

- الحصول على الجماهيرية في الشعارات المطروحة التي تخلط بين الدين والسياسة، وتضع الرأي العام أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن يكون مع الدين فيظفر برضا الله ويُكافأ بالجنة، أو يقف ضده فيستباح دمه وعرضه وماله.

- وضع القوى المضادة في موقف المعادين للإرادة الإلهية، ومن ثم إضعاف معسكرهم من ناحية، وحرمانهم من أي حلفاء من ناحية أخرى، ويجعل ذلك العالم أمام خيارين: "من ليس معنا فهو ضدنا"، أو فسطاطين: "إما الخير أو الشر".

- إضفاء صفة الألوهية على أي موقف أو تصرف يتم اتخاذه، ومن ثم يُمنع أي نقد له، أو اعتراض عليه سواء من أنصاره أو تابعيه، ولذا يسلب إرادتهم عند تنفيذ ما يطلب منهم.

- جعل الإرادة الإلهية الموجه الأساسي للنخبة الحاكمة، وأن ما يجري على أرض الواقع هو امتثال لهذه الإرادة، لذا يصعب التراجع عنه أو تغييره أو إلغاؤه.

- تصبح تصرفات السلطة الحاكمة داخلياً وخارجياً فوق الدستور والقانون والأنظمة والتشريعات، وتصر على تنفيذ ما تراه فقط دون أدنى اعتبار للعواقب أو التداعيات.

- جمع أنصار وأتباع هذا الدين وعلمائه وكهنته وراء القيادة وتوجهاتها، ويبررون تصرفاتها.

- إضفاء هالة من الرهبة والتبجيل على الشخصيات القيادية والزعامات، وجعلهم في مرتبة تعلو عن البشر، فهم لا يمسهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم.

والأمثلة على من يتمسكون بـ"تديين السياسة" كثيرة، يأتي على رأسهم الرئيس بوش الصغير وإدارته التي تقود السياسة الأميركية وتعتمد على قواها العسكرية لفرض مصالحها، وكذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت وعصابته المتغلغلة في الكيان العبري، ثم الجماعات الشيعية المتطرفة ومليشياتها المسلحة التي تعيث خراباً ودماراً في العراق بالتعاون مع المتمردين من الطوائف الأخرى، وكذلك أطراف الصراع الدائر في السودان.

وهذه النماذج كلها تعمل على إقناع الكون بأنهم ينفذون مشيئة الله على الأرض، فيتمسكون بمقولة أن الإله قد أمرهم بأن يفرضوا أجندتهم مهما كانت التضحيات المادية والخسائر البشرية، ورغم إيمانهم بكذب ادعائهم إلا أن "الغاية تبرر الوسيلة". ولكن تكمن المعضلة هنا في أن "تديين السياسة" يدفع بالأمور إلى مواقف يصعب بل يستحيل الرجوع عنها حتى لو أراد معتنقوها ذلك، لسبب بسيط هو أنهم يصدقون كذبهم ويؤمنون بأنهم أصحاب رسالة عليهم إنفاذها، فتصيبهم لعنة "العناد" وعدم قبول الحقائق الدامغة التي تشير إلى كذبهم وتورطهم فيما لا يعرفون مداه، فتكون النتيجة الحتمية مزيداً من الخسائر دون طائل، وصعوبة الاستماع إلى صوت العقل، أو مواجهة الحقيقة، الأمر الذي يُعجّل بنهايتهم غير مأسوف عليهم، ويجعل غيرهم يدفعون ثمن آثامهم وسطوتهم وكذبهم، ويتذكرهم التاريخ بأنهم حمقى وسفاحون ومصاصو دماء.

أما الأمثلة على الذين يقومون بـ"تسييس الدين" فهي كثيرة، وتبرز بكل وضوح في سعي المنظمات المتطرفة والإرهابية المختلفة التي تتخذ من الدين ستاراً للوصول إلى غايتها في السلطة والثروة، مثل "المحاكم الإسلامية" في الصومال، و"تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية"، والإخوان الشياطين في دول عربية عدة، و"المحافظين الجدد" في الولايات المتحدة الأميركية، والأحزاب الدينية في الكيان العبري المسمى إسرائيل، وغيرهم كثير. كما يظهر أيضاً في سلوك بعض الأنظمة الحاكمة أو تنظيمات لها وجود داخل النظام السياسي للدولة، مثل حكم الملالي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، و"حزب الله" اللبناني، وحركتيْ "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في فلسطين، و"الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في الجزائر، وغيرها من القوى التي حاولت أن تتخذ "تسييس" الدين جسراً لتحقيق مصالحها، وهي على قناعة تامة بأن السلطان هو مبتغاها وغايتها، والدين وسيلتها، فهو وحده القادر على إقناع الأتباع بالموت في سبيلها، لذا فإن تسييس الدين هو الوسيلة وليس الغاية، وفي سبيل تحقيق الغاية تجري التضحية بالوطن والمواطنة والأهل والشعب، ولا يهم حجم الدمار الذي يتسبب فيه هؤلاء، طالما ظلوا مختبئين في الكهوف وبعيدين عن التعرض للمخاطر، في الوقت الذي يزجون فيه بالمقاتلين أمواجاً تلو الأخرى ليضحوا بأرواحهم في سبيل "قيم دينية" فسروها كما شاءوا لتتوافق مع مصالحهم، ودين "سيَّسوه" وفق أطماعهم.

ولكن مَنْ من هذه القوى، سواء أصحاب "تديين السياسة" أو "تسييس الدين"، يهتم بالتداعيات والمخاطر التي يجلبها على أهل دينه؟ لقد أعماهم سلطان الثروة وبريق السلطة عن ذلك، ولكن الواقع يدين الجميع، فقد كانت أهم نتائج مواقفهم الآتي:

- دفع المجتمع الدولي إلى اضطهاد أصحاب الدين والنفور منهم وحصارهم، والنظر إليهم على أنهم إرهابيون، متعطشون للقتل والتدمير.

- نشر الفتنة الطائفية داخل المجتمع، وتشجيع الاقتتال بين المذاهب والطوائف المختلفة، والدفع في اتجاه تقسيم وانقسام الأوطان.

- انتشار الشعارات الجوفاء المتطرفة والخطب الرنانة الراديكالية التي تحض على الانتقام وتشحذ الهمم نحو الاقتتال، ليتوارى العلماء ويكثر الدهماء.

- شعور الأقليات الدينية بالظلم، ومن ثم سعيها للتحالف مع الخارج لتأمين مصالحها ووجودها، مما يدفع بتدخلات كثيرة ومن جهات مختلفة لتغليب فئة على الأخرى، فتدفع الأوطان الثمن.

- تغليب العمل العسكري على الحوار والتفاوض والنقاش، لفرض المصالح وتحقيق الغايات، لأن الدين هو المحرك الأساسي، لذلك يستحيل التراجع عن أي سلوك أو تصرف.

- اتساع نطاق المواجهة بين أصحاب الأديان المختلفة، فالكل يهب دفاعاً عن دينه وهو لا يدري أنه سلاح في معركة ليس له ناقة فيها ولا جمل، وليس للدين فيها أي يد.

- تنشغل الحكومات والشعوب بما يحدث بعيداً عن التوجهات الرئيسية للتنمية والتقدم.

تلك هي المأساة التي يصنعها من يستخدمون الدين وسيلة لتحقيق مصالحهم، وتلك هي مصيبة من يصدقونهم، وتلك هي كارثة من يتبعونهم، أما "أم المصائب" فهي أن الثمن يدفعه أصحاب الدين من عقيدتهم وأرواحهم دون جريرة سوى انتمائهم لهذا الدين

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة