عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

ويليام فاف

رسالة أميركا في العالم... "أخلاقية" أم إمبريالية؟

 

 

2007-02-09

الاتحاد  

لا يكف الحوار السياسي الدائر حول السياسات الخارجية الأميركية مطلقاً عن محاولة التوصل لأفضل كيفية ممكنة لأن تفعل أميركا ما تراه صحيحاً بالنسبة لها، ومعبراً عن مصالحها الحيوية والاستراتيجية، إلا أنه لم يسبق له قط أن اهتم بفحص مصادر وعواقب تلك السياسات من الناحية العملية. كما أنه لم يسبق لهذا الحوار أن أبدى أدنى اهتمام يذكر باستحالة تحقيق الأهداف التي ترمى إليها تلك السياسات، بكافة المفاهيم والمعايير.
وحتى هذه اللحظة، فإنه لم يصدر عن الكونجرس الأميركي، ولا عن دوائر صنع القرار في واشنطن، ولا من قبل أي من وسائل الإعلام الأميركية، نداء واحد، لإعادة نظر نقدية في المبادئ الأساسية التي يقوم عليها ما تفعله الولايات المتحدة حالياً في العراق، ولا فيما يتوقع أن تفعله قريباً جداً في إيران، وكذلك في شرقي أفريقيا على أرجح الظن.
وبحسب رؤية جورج بوش، فإنه يقع على عاتق الولايات المتحدة، "وضع حد للطغيان والاستبداد على نطاق العالم بأسره". وذلك هو الهدف القومي الذي نص عليه البيان الرسمي حول "استراتيجية الأمن القومي"، وهو الوثيقة التي يبدو أن مسؤولي السياسات قد أخذوها على محمل الجد، وعولوا عليها كثيراً في رسم استراتيجية الأمن المذكورة. ولكن يبقى سؤال مهم: من منا، بمن فينا أولئك الذين ينهضون بخط بيانات وإعلانات استراتيجية كهذه، يؤمن حقاً بإمكان وضع حد للطغيان والاستبداد على نطاق العالم كله؟! لو وجد بيننا من يؤمن حقاً بمثل هذه الترهات، فلا ريب البتة في كونه مخبولاً أو مختلاً عقلياً. وما نعلمه جيداً أن ظواهر الاستبداد والطغيان والقهر والنزاعات، تعد قديمة قدم وجود البشرية نفسها على وجه الأرض، وأنه ما من سبيل لاجتثاث جذورها واستئصالها مهما حلمنا وتوهمنا.
والشاهد أن أميركا ما زالت تزعم أنها تهدف لإصلاح المجتمع الإنساني أخلاقياً، مستندة على المقولة القديمة بأنها تؤدي دورها الدولي، انطلاقاً من كونها حاملة "رسالة إلهية" كونية. وقد ترسخت هذه القناعة الأخلاقية، في صلب اللبنات الأساسية التي قامت عليها الولايات المتحدة أصلاً. أما أصولها ومنابعها، فتعود هي الأخرى إلى المعتقدات الدينية التي بشر بها مستعمرو "نيو إنجلاند" التطهُّريون. وكما هو معلوم، فقد كان هؤلاء من المنشقين الكالفينيين، من ذوي الطموحات والتطلعات الكونية. وقد آمن هؤلاء إيماناً لا يتزعزع بأن مجيأهم واستقرارهم في الولايات المتحدة، إنما هو أمر مقدر ومخطوط سلفاً بمشيئة إلهية، أرادت له أن يكون بداية تطهرية جديدة للإنسانية الغارقة حتى أذنيها في الرذائل والخطايا. وبدا في لحظة لهؤلاء، وكأنهم يضعون اللبنات التأسيسية الأولى لـ"قدس جديدة" في التراب الأميركي. غير أن بقية المستعمرين الأميركيين الأوائل، لم يكونوا يشاطرون هؤلاء الاعتقاد الديني نفسه، نظراً لترويج هذه البقية للقيم والأفكار التجارية العملية، ولإرسائها لتقسيم الأراضي الأميركية الجديدة المكتشفة حديثاً، على قواعد وأهداف ذات طابع مادي عملي بحت.
ومهما يكن من خلاف بين تيار استعماري وآخر، فإن الشاهد أن هؤلاء التطهُّريين قد ألهموا الخيال الأميركي، ومنحوا الأميركيين ذلك الشعور العميق الراسخ في وجدانهم بأن لهم واجباً ومهمة أخلاقية إصلاحية في هذا العالم الجديد. بل لقد عملت أميركا على هذا الأساس، وتبنت نهجاً توسعياً عابراً للحدود والقارات خلال القرن التاسع والعشرين، وهي فترة اتسمت بمحافظة أميركا بشكل عام، على مسافة فصلت بينها وبين سياسات القوة التي كانت تتبناها دول القارة الأوروبية الاستعمارية حينئذ.
لكن في عصرنا العلماني الحديث هذا، فإن تمسك أميركا بتلك الوضعية الرسالية الخاصة، إنما يستند على ظروف وملابسات نشأة الأمة الأميركية نفسها، باعتبارها خلفاً ثورياً للبلاطات الملكية التي حكمت أوروبا، بقدر استناده كذلك على ما حققته أميركا من نجاحات وإنجازات اقتصادية وصناعية وتكنولوجية لاحقة، فضلاً عما بنته من قوة عسكرية عملاقة. ولكونها ديمقراطية قائدة، فقد ألقت على عاتقها مسؤوليات دولية جساماً، تضارع ما تتمتع به من مكانة مرموقة وامتيازات دولية. وعلى أي حال، فقد ظل ذلك الشعور بالسيادة الأخلاقية على العالم، مراوحاً مكانه دائماً هناك، على مستوى السياسات والأفعال معاً. غير أن معضلة أميركا، تكمن في أن غالبية من هم خارج القارة الأميركية، لا يرون سبباً واحداً وجيهاً يبرر رسوخ هذا الاعتقاد أو الوهم الأميركي الخاص.
ففي عام 1900، انتهت نزعة أميركا الانعزالية بخوضها حرباً ضروساً فاصلة مع أسبانيا. وفي عام 1914، كانت الولايات المتحدة قد أعلنت حيادها في بادئ الأمر، إلا أنها انجرت إلى ساحات الحرب العالمية الأولى وميادينها، ما أن أعلن الرئيس "وودرو ويلسون" أنه إنما يفعل ذلك، انطلاقاً من غاية أخلاقية سامية نبيلة، تتمثل في خوض الحرب بغية وضع حد لكل الحروب. غير أن الحقيقة أن هذا الهدف، وغيره من جملة الأهداف الأخرى التي شكلت النقاط الأربع عشرة التي قامت عليها خطة السلام الشهيرة التي أعلنها قد باءت جميعها بالفشل.
وما أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، حتى عادت أميركا إلى نزعتها الانعزالية مجدداً، وظلت عليها حتى وقع الهجوم العدواني الكبير على "بيرل هاربر". وبذلك فقد أرغمت ثانية على خوض معارك الحرب العالمية الثانية، مستلهمة العقيدة الويلسونية نفسها، بجعلها لهذه الحرب حملة أخلاقية جديدة، تهدف إلى تحقيق "الحريات الأربع" للبشرية كافة.
أما حقبة الحرب الباردة، فلم توفر لوزارة الخارجية الأميركية، إلا فرصة محدودة للغاية، لصياغة ما عرف بسياسة "الاحتواء" ضد الاتحاد السوفييتي السابق. لكن ما أن تولى فوستر دالاس مهام الوزارة في عهد الرئيس الأسبق إيزنهاور، حتى تحولت تلك الحرب سريعاً، إلى حملة أخلاقية تنشد تحقيق الحريات. ذلك أن دالاس نفسه، كان كالفينياً شأنه شأن "وودرو ويلسون".
ومنذ ذلك الوقت ساد الاعتقاد بين الأميركيين، بأن جميع حروبهم إنما هي حملات أخلاقية نبيلة، تنشد إرساء الحريات على الأرض. إلا أن تحولاً جديداً طرأ على هذا الاعتقاد الآن، نتيجة لتجاوز حرب بوش الأخيرة المعلنة، لذلك السقف، وإعلانها هدفاً آخر، يتمثل في وضع حد للطغيان والاستبداد على الأرض. وكان قد خطر في أذهان الكثيرين منذ وقوع هجمات 11/9 أن هدف هذه الحرب، حريٌّ أن يكون القبض على مدبري تلك الهجمات ومحاكمتهم. وكانت قد سادت القناعة أيضاً، بأن الطريق المفضية إلى هذه النتيجة، هي العمل الاستخباراتي والتعاون الشرطي الدولي على الأمر، وليس الذي نراه الآن. فقد أعلنت حرب دولية فضفاضة بلا أهداف محددة، على الإرهاب الدولي في مجموعه أولاً، ثم تحولت إلى حرب ضد التطرف، ثم إلى حرب على "الدول الفاشلة" في أفريقيا وغيرها مؤخراً. وإذا ما أخذنا على محمل الجد، مسار هذه الحرب وتبدلاتها، فهي بحق "حرب بلا نهاية". ولذلك فقد أصاب بوش حقاً في تسميتها بـ"الحرب الطويلة" الممتدة.

ويليام فاف
كاتب ومحلل سياسي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة