I
ـ ندوة تونس
الحوار بين العرب والغرب هو مدار مؤتمرات ولقاءات فكرية تعقد منذ
سنوات، وكان آخرها مؤتمر عُقد في تونس بدعوة مشتركة من الهيئة
الانجيلية القبطية للخدمات الاجتماعية في مصر، ومن المعهد العربي لحقوق
الانسان في تونس، تحت العنوان الآتي: العلاقة بين العرب والغرب في ظل
المتغيرات الراهنة (19/22 كانون الأول 2006).
وكانت العروض والمناقشات خصبة وثرية بمحاورها المتعددة ومقارباتها
المختلفة ومداخلاتها التي لا تخلو من إضافة. هذا ما جعلني أخرج من
المؤتمر الذي شاركت في فعالياته على غير ما دخلت اليه، كما حملني على
أن أعيد صياغة أفكاري ومواقفي في مسألة الحوار عامة، وما يتعلق بها من
المسائل، خاصة التغيرات الحاصلة على المسرح العالمي.
IIـ متغيرات المشهد العالمي
وأول هذه المتغيرات أن المجتمعات البشرية تدخل مع ثورة المعلومات
والتقنيات في عصر الاعتماد المتبادل، حيث تتشابك المصالح والمصائر على
الساحة العالمية، بقدر ما تتعولم الهويات والصراعات والخيرات أو
الخبرات. هذا ما تشهد به المعضلات المزمنة والمشكلات المتفاقمة الأمنية
والبيئية والصحية والاجتماعية. من هنا بات يتعذر بعد الآن على أي بلد
أو مجتمع أن يقيم أوده أو يحفظ أمنه أو أن يحل مشكلاته بمعزل عن سواه.
وهكذا نحن إزاء واقع كوني يتشكّل يبرز فيه فاعل بشري جديد على المسرح.
إنه المواطن العالمي والكوسموبوليتي الذي يمارس هويته بأبعادها
المتعددة والمركّبة، على سبيل الجمع ما بين المحلي والكوكبي، أو
الخصوصي والعالمي، أو الاقليمي والدولي، أو الحكومي وغير الحكومي...
الامر الذي يفتح آفاقاً خصبة أمام العلاقات بين البشر.
مقابل هذا التغير الحضاري والتقني، ثمة تحوّل طرأ على المشهد العالمي
تغيرت معه خريطة الصراعات بين القوى والكتل والدول الفاعلة، سواء على
المستوى الدولي أو على المستوى العربي والاقليمي، لا سيما بعد انهيار
الاتحاد السوفياتي وأحداث ايلول الاميركي.
وقد تجسد هذا التغير في صعود الأصوليات الدينية، الطائفية والمذهبية،
الامر الذي نقلنا من حرب المدارس الايديولوجية والمعسكرات السياسية
بشعاراتها وإشكالياتها الحديثة والمعاصرة، الى حرب الآلهة والملل
والجوامع، كما تنشب الفتن الاهلية على الساحة العراقية؛ وكما تستشري
الحروب الدينية على الساحة الكونية بين الاصولية الجهادية والاصولية
الانجيلية، بين الاسلاميين الجدد والمحافظين الجدد، بين مجانين الله
ومجانين المسيح... من هنا تحلّ الآن تعابير وثنائيات مثل الحرب
الصليبية ودار الاسلام والفسطاطين والبعبع الاسلامي وصراع السنّة
والشيعة، محل الثنائيات الحديثة مثل رأسمالي واشتراكي أو رجعي وتقدمي
أو سلفي وحداثي أو متدين وعلماني، مما يُعيدنا إلى ما قبل الدولة، فيما
البشرية تتجاوز الدولة الى ما بعدها، من خلال مصطلحات الحوكمة والعولمة
والشركات العملاقة العابرة للقارات.
وهذه واحدة من مفارقات العصر وأمراضه: ففيما تنفجر أطر المكان وتتضاعف
إمكانات الاتصال، تُنصب حواجز البغض والحقد، لتقطع جسور التواصل بين
البشر، على أساس ديني أو مذهبي أو قومي، الامر الذي يردنا إلى لغة
العصور الوسطى، لكي نُعيد إنتاجها ليس كما عاشها أهلها، بل على النحو
الأسوأ والأرهب، كما تشهد حملات التطهير الديني والعرقي من كوسوفو إلى
بغداد.
تلك هي حصيلة عودة الدين، بأصولياته المتحاربة، للهيمنة على الحياة
بمختلف مجالاتها وأنشطتها، سواء تم ذلك تحت شعار الأسلمة أو الأنجلة:
تدمير صيغ العلاقة أو التعايش بين العرب والغرب أو بين الإسلام
والمسيحية. وتلك هي مغبة خلع التسميات الإلهية على الأعمال البشرية
التي هي ملغمة بالأهواء والعصبيات والنزوات، بقدر ما هي مجال دائم
للالتباس والنقص والتعدد والانتهاك والتحول من النقيض إلى نقيضه وتدمير
معاني الأشياء، كما تدمّر الفتوى التقوى، على يد الدعاة الجدد
والجماعات الأصولية التي تعمل تحت راية الإيمان والسماء والإسلام...
III ـ أزمة الإنسان المعاصر
ثمة تغير ثالث يتصل بالمتغيريْن السابقين، بعض الاتصال، سواء لجهة
المنشأ والمصدر أو لجهة المآل والمحصلة، وهو أن المجتمعات المعاصرة
تفبرك الآن من المشكلات أكثر مما تبتكر من الحلول والمعالجات. ومن
الشواهد على ذلك، أنه كلما كثر المترافعون في قضية حقوق الانسان ازدادت
الاساءات والانتهاكات، وأنه بعد عقود من الندوات والدراسات عن الحوار
بين الاسلام والغرب، تسود لغة الصدام ويتحكم منطق العداء... وذلك وجه
من وجوه المأزق الذي تواجهه البشرية في هذا المنعطف الحضاري والتاريخي:
كون الانسان يطرح قضايا تفوق قدراته، أو يرفع شعارات لا يحسن سوى
انتهاكها، أو يدعي محاربة أعداء يتواطأ معهم على صناعة الخراب والهلاك؛
وكأن البشرية أصبحت أسيرة ما تصنعه من الانظمة والشبكات والادوات
والاسواق... وكأن هناك نسقاً أعظم يتحكّم بتصرفات البشر من وراء كلّ
الادّعاءات حول التيقّن والقبض والسيادة.
هذه متغيرات يجدر أن نعترف بها وأن نحسن قراءتها، لكي نعرف ونعتبر، إذا
شئنا أن نفهم ونشخّص أو نعقل وندبر. فمن لا يحسن قراءة المتغيرات تهمشه
الاحداث أو تدهمه المفاجآت. ومن لا يعترف بالحقائق لا يحسن الدفاع عن
الحقوق والمصالح؛ ولذلك علاقة وثيقة بالحوار الدائر بين الهويات
الثقافية والخصوصيات المجتمعية. فمن لا يعترف ينتهك الحقوق؛ ومن لا
يحسن أن يتغير قدراً من التغير هو غير مؤهل لإدارة الحوار مع الغير.
وأول ما ينبغي الاعتراف به هو أن ما نواجهه من التحديات أو نقع فيه من
المآزق، هو وليد أفكارنا بالدرجة الاولى. واذا كانت الازمة الراهنة هي
اليوم أزمة عالمية، شاملة وبنيوية، كما تشهد المعضلات على الساحة
الكونية؛ وكما تشهد، بشكل خاص، الاخفاقات والتراجعات والانهيارات على
غير صعيد ومن غير مصدر وفي غير بلد، فإن معنى ذلك ان مشكلة كل عالم
ثقافي هي اولاً مع نفسه، قبل أن تكون مع غيره، سواء تعلق الامر بالغرب
أو بالعرب أو بالاسلام، أو بأي مجموعة بشرية اخرى. الأمر الذي يحتاج
إلى عدة فكرية جديدة، لسوس الهويات وإدارة الحوارات، هذه أبرز
عناوينها، كما أحاول صوغها:
1ـ التقى الفكري
ممارسة التقى الفكري، ومفاده أن يقرّ الواحد بتناهيه وحدوده، ككائن
وإنسان، بحيث يعترف بأنه لا يملك مفاتيح الحقيقة والسعادة، ولا يقبض
على ماهيات الاشياء ونظام العالم أو معاني النصوص. ومؤدى هذا الاعتراف
أن نعمل على خفض السقف الرمزي، بحيث يقتنع الواحد بأنه أقل معنىً
وشأناً، مما يدّعي ويعلن، من حيث علاقته بما يتعلق به من القيم أو
يدافع عنه من القضايا كالحقيقة والعدالة والحرية والعقلانية والعروبة
والاسلام والمسيحية، فضلاً عن القيم الحضارية والمدنية والإنسانية.
فنحن كلما رفعنا السقف نحو المطلق والمقدس والثابت والأحادي والنهائي،
ازدادت الارتكابات والفضائح، وانتشرت الحرائق والخرائب على أرض
المعايشات الوجودية. فالأولى والأجدى أن نفكر ونعمل تحت خانة الارضي
والنسبي والمتعدد والمتحول أو العابر... وهذا معنى من بين المعاني التي
يفيدها مصطلح «الإنسان الأدنى». من غير ذلك نقع ضحية ما نقدسه وننتهك
ما نعلي من شأنه، ونتواطأ مع بعضنا البعض بقدر ما نتعلق بالاشياء حتى
أضدادها، على ما تشهد المصائر البائسة للروايات الكبرى والمشاريع
العريضة، وذلك حيث المآلات والنهايات هي بعكس الادعاءات والبدايات.
2ـ التواضع الوجودي
الوجه الآخر للتقى الفكري هو التواضع الوجودي، ومفاده أن يعترف الواحد
بحدوده تجاه نظرائه، وأن يقتنع كل طرف بأنه لا يملك هوية صافية خالصة
من أثر الآخر، ولا هو استثناء، بين الناس، من حيث ثقافته وقيمه ونماذج
عيشه، وخاصةً من حيث عنصره؛ وذلك يحتاج الى كسر العقلية الاصطفائية
المركزية التي تدمر صيغ التعايش مع الآخر وتقطع خطوط التواصل بين
الجماعات، بقدر ما توهم أصحابها بأنهم الأحق والافضل والاشرف والأرقى.
والتواضع يحملنا على تجاوز مفهوم «التسامح» نحو مفهوم «الاعتراف
المتبادل». لأن التسامح هو مجرد هدنة بين فتنتين بقدر ما يعني التساهل
مع الآخر، ولكن مع الاعتقاد بخطأه أو الانتقاص من إنسانيته. أما
الاعتراف فإنه يعني الاقرار بأن الآخر، وإن كان مختلفاً، من حيث ثقافته
أو مجتمعه أو مهنته، فهو مساوٍ في الانسانية والحقوق والكرامة. وتلك هي
أخلاقية الحوار المنتج: أن نكفّ عن احتكار المشروعية، تحت أي شعار كان،
لكي نعترف بمشروعية الآخر، بحيث لا ننظر اليه بوصفه الادنى، بل بوصفه
شطرنا الوجودي الذي لا انفكاك عنه؛ وأن لا نتعامل معه كضد، بل كشريك
مسؤول وفاعل في صناعة الحياة وقيادة المصائر.
3ـ الوعي النقدي
وممارسة التقى والتواضع، كموقف وجودي، تسهم في تشكيل الوعي الضدي والحس
النقدي تجاه الذات قبل الغير. ومَن يمارس النقد والمراجعة فهو لا يرمي
التبعة على سواه، بل يعترف بأخطائه ولا يتستر على عيوبه. وهذه من ألف
باء الحوار المنتج: التوقف عن التنابز بالألقاب والتراشق بالتهم من أجل
حمل المسؤولية المتبادلة، بحيث يعترف الكل بأنهم أسهموا في صنع ما
يواجهونه من المشكلات والأزمات. والوجه الآخر لنقد الذات هو الاعتذار
من الغير عما ألحقناه به من الاضرار والمساوئ. ومثال التقى والتواضع
اعتذار بابا روما السابق عن الإساءات التاريخية القديمة التي ألحقها
الكاثوليك بالارثوذكس. وهذه واحدة من آداب الحوار.
4ـ مأزق الحوار بين الطوائف والمذاهب
ولعل هذا ما يحتاج إليه الحوار الذي يدور، منذ عقود، بين أتباع الطوائف
والمذاهب الدينية، لكي يصل إلى الباب المسدود. ومن مثالاته ما جرى
مؤخراً في مؤتمر الدوحة حول الحوار والتقريب بين المذاهب الإسلامية.
فالمتحاورون يتساجلون لكي يهربوا من حمل المسؤولية، بقدر ما يتشبثون
بمواقفهم ويعسكرون وراء ثوابتهم. هذا ما تجلى، بنوع خاص، في السجال
العنيف أو العقيم بين الداعيتين البارزين، الشيخ يوسف القرضاوي والشيح
محمد علي التسخيري، كما قرأنا وقائعه في الصحف (21/1/2007)، إذ الأول
اتهم إيران بنشر التشيّع في معاقل السنّة، فيما الثاني هرب من المشكلة
إلى الأمام باتهام الاستعمار واسرائيل في مسألة الفتنة، الأمر الذي
يسمم أجواء الحوار قبل أن يبدأ. وهذا هو مآل الادعاء، من جانب كل طرف
بأنه، وحده من دون سواه، يمثل الإسلام الأصول الصحيح أو يجسد المشروعية
الدينية الإيمانية. وإذا كان هذا مصير الحوار بين المذاهب الإسلامية،
فالحوار بين الطوائف المسيحية والإسلامية ليس أفضل حالاً، كما تشهد
مصائره في لبنان أو في مصر، إذ تعمل على تلغيمه عبادة الأصول،
والأساطير المؤسسة، والذاكرة الموتورة والعقلية الاصطفائية والألقاب
الإلهية، والمزاعم القدسية، والجهل المركب بالذات وبالغير، فضلاً عن
النصوص التي تشكل النفوس بمنطق النفي واستراتيجيات الاستبعاد المتبادل.
ومن هنا لا يجدي تقارباً بين المذاهب أن نعلن جميعاً أمام الملأ بأننا
لن ننزلق إلى الفتنة، فيما منطق التعصب، وعقلية الثأر، وإرادة الظفر،
ولغة التهديد والوعيد، ومؤسسات الجهاد والاستنفار، ومصانع التعبئة
المتبادلة للقطعان البشرية والحشود العمياء، لا تولد إلا المخاوف
والفتن، بقدر ما تنصب حواجز الكره والعداء بين الجماعات المستنفرة. ولا
يجدي حواراً أن نعلن بأننا ضد الحروب الطائفية، في حين أن أنماط
التفكير الأحادي المغلق، ودعاوى الحسبة والإساءة، وعقلية الإدانة بتهم
الكفر والشرك، والمتاريس العقائدية، والخطابات الداخلية بصورها النمطية
التي تستعدي الآخر وتشوه سمعته، فضلاً عن التعليم الديني الذي يغلب
نموذج المؤمن ذي العقل المقفل على فكرة الدولة الراعية أو الوطن الجامع
أو البلد الآمن أو المجتمع المفتوح أو العالم الواسع، فيما كل ذلك لا
يولد إلا التوترات المذهبية والحروب الطائفية.
باختصار لم يعد يجدي أن نعلن، ليل نهار، بأن السلم الأهلي خط أحمر لا
ينبغي تجاوزه، في حين أن منطقنا وعقلياتنا واستراتيجياتنا ومؤسساتنا
ومتاريسنا الرمزية وأدواتنا في العمل تعمل على انتهاك كل الخطوط
والحدود. بهذا المعنى فالفتنة التي ندعي محاربتها هي الحصاد الأمني لما
نزرعه من المفاهيم والصور والهواجس والتهويمات والشتائم في العقول
والنفوس. ولذا فالحوار المثمر يبدأ باعتراف كل طرف بمسؤوليته، بحيث
يسأل نفسه عن المأزق الذي أسهم في صنعه، أو يحاسب نفسه عما قدمت يداه،
أي عما وصلت إليه أحوال العلاقة بين المذاهب أو بين الطوائف من التردي
والتدهور، بعد سنين طويلة من اللقاءات والندوات والحوارات، بحيث يقوم
بمراجعة نقدية لمقولاته ومناهجه وبرامجه وسائر أنشطته العقائدية
والدعوية.
5ـ عقل تداولي
ومن يعترف بالآخر، يدِر الحوار بعقل تداولي لا بعقلية سجالية ترمي الى
تسجيل النقاط أو نصب الافخاخ أو الهروب من الاستحقاق لرمي المسؤولية
على الآخر، فذلك لا يحل مشكلة، بل يحول السجال إلى مماحكة عقيمة،
بانتظار جولات جديدة من النزاع والصدام.
ومثال الحوار المتعثّر أو الفاشل، مرة أخرى، ما يجري في لبنان حيث
المتحاورون يخلعون صفات العصمة والقداسة على أعمالهم أو يديرون الحوار
بعقلية التعالي والاستعلاء أو بالقفز فوق الوقائع والمتغيرات. في حين
أن الحوار المنتج هو الذي يتوجه فيه كل طرف نحو الآخر، فينفتح عليه
وينصت إليه، لا لكي يرد على الحجة بالحجة، أو لكي ينفي التهمة عن نفسه،
بل لكي يأخذ بعين الاعتبار مخاوفه أو مصالحه، أو لكي يحسن التبادل معه،
أو لكي يعرف كيف يستفيد منه، على النحو الذي يؤدي إلى بناء الثقة
المتبادلة، وذلك بخلق لغة مشتركة أو قواعد جامعة.
ولذا فإن الحوار المجدي لا تطرح فيه الافكار بصورة مطلقة أو نهائية،
وإنما يُطرح فيه ما هو قابل للصرف والتداول والتحوّل، بقدر ما يدار
بلغة التواصل والتوسط والشراكة والتسوية.
6ـ منطق تحويلي
والعقل التداولي يشتغل بمنطق تحويلي، لا بمنطق الهوية الثابتة. فنحن
نتحاور مع الآخر، لا لكي نشبهه أو نصير مثله، ولا لكي يشبهنا أو يصبح
على شاكلتنا، بل لكي نكسر قوقعتنا ونتزحزح عن مركزيتنا، بحيث نختلف عما
نحن عليه أو فيه قدر من الاختلاف بقدر ما نسهم في تغيير الآخر، وذلك
بخلق وسط للتفاهم أو صيغة للتعايش أو مكان للتبادل أو إطار للبناء
المشترك. هذا شأن الحوار الفعال، فمن مفاعيله التحول المتبادل بين
أطرافه. ومن لا يحسن أن يخرج من عزلته أو من لا يعرف كيف يتغير، فإنه
غير مؤهل لإدارة الحوار.
ومثال الحوار الناجح الذي يتغير معه أطرافه، تلك المناظرة الخصبة التي
جرت بين الفيلسوف يورغن هابرماس والبابا بندكت السادس عشر قبل تسلمه
سدة البابوية (شباط 2004)، اذ اعترف كل منهما بالأزمة، أزمة الحداثة
والدين معاً، كشرط لكي يخطو أحدهما نحو الآخر ويعيد بناء ذاته. وتلك هي
قواعد المداولة: الشفافية، الاعتراف، الاعتذار، الشراكة، الافادة
المتبادلة.
7ـ عقلانية مركبة
لذا، فالحوار الفعال يحتاج الى الاشتغال بعقلانية جديدة ذات رؤية
منفتحة لا مغلقة، وصيغة مرنة لا جامدة، وبنية مركبة لا بسيطة، ومنهج
تعددي لا احادي، ونظام متحرك لا ثابت. خاصة ونحن نلج في عصر تبدو فيه
المعطيات في حركة متواصلة وسيلان دائم. وهكذا فالحوار المثمر لا يدار
بعقل اختزالي تبسيطي، بل بفكر مركب، يرى صاحبه دوماً الوجه الآخر
للمسائل، بقدر ما يكتشف لدى الآخر وجهاً كان يستبعده، أو يرى من نفسه
وجهاً كان غافلاً عنه. بهذا المعنى فالحلول التي يبحث عنها المتحاورون،
لا تتم بمنطق السجال والنفي أو المحافظة والعزلة، وإنما هي ثمرة تخط
وتجاوز، على سبيل التركيب وإعادة البناء، سواء في ما يخص العلاقة
بالمختلف والآخر في المكان، أو بالتراث والذاكرة في الزمان.
8ـ البُعد المتعدد
وكل ذلك يبنى على وعي المرء لهويته، لا بمنطق أحادي، كأصل ثابت أو
حقيقة منجزة أو بداهة مسبقة أو معنى وحيد. مثل هذا النمط من الفهم
والوعي ينسف جسور التواصل والتفاهم منذ البداية، لأن الحوار الممكن
والمثمر هو الذي يقتنع أصحابه بأنهم ذوو هويات مركبة وملتبسة، بقدر ما
هو متعدد الوجه والطور أو البُعد. ومن يرَ الى نفسه كذلك فهو القادر
على مد الجسور بينه وبين الغير، بقدر ما يرى الى الآخر بوصفه وجهنا
الخفي، أو ما كناه، أو ما نتمنى ان نكونه.
9ـ لغة الخلق
وأخيراً لا حوار يثمر بين طرفين غير متكافئين، ضعيف وقوي، أو عاجز
وقادر، أو كسول ومبدع... فلا يكفي الموقف الخلقي لكي نتحاور؛ وإنما
يحتاج الى شرطه الوجودي، بما يعنيه ذلك من القدرة على الخلق والانتاج،
بالاعمال الخارقة والمبادرات الفذة أو الاجراءات الفعالة. من هنا
فالحوار الناجح هو الذي يدار بلغة الخلق، لما تحتاج إليه الشراكة أو
صناعة الحياة، من المجالات واللغات والمساحات والاسواق. ومن لا يتقن
لغة الخلق والتحول، فهو غير قادر على إدارة حوار بصورة متكافئة وفعالة.
ولعلّ هذا ما يحتاج اليه المتحاورون في لبنان: الخيال الخلاّق، والقدرة
على ابتكار مجالات وصيغ وقواعد جديدة لإدارة العمل الوطني والسياسي،
فضلاً عن التمتع بقدر من الاستقلالية في التفكير والتقرير.
?VI ?ـ تجديد أشكال المشروعية
خلاصة القول: من يفكر بعقلية امتلاك الحقيقة يعمل على انتهاك الحقوق
والاساءة الى الآخر.
ومن يفكر بعقل ثبوتي جامد، فمؤدى تفكيره أن يتقهقر الى الوراء لكي
تداهمه الاحداث وتهمشه التطورات.
ومن يفكر بعقلية أصولية اصطفائية، يؤل به التفكير الى الاستئصال الرمزي
أو المادي للآخر.
ومن يعمل بمنطق النفي والضد، يتواطأ مع ضده على تهديد السلام العالمي
وتخريب العمران البشري، على ما يتواطأ الاضداد الآن. كما تشهد حروب
الافكار والاسماء بين الاصوليات المتحاربة على المسرح العالمي.
إن شرط الحوار الناجح والمثمر، في عصر الاعتماد المتبادل، هو القناعة
المشتركة بحمل المسؤولية المتبادلة عما وصلنا اليه من التردي والتقهقر
والتأزم. مما يعني أننا لسنا ضحايا بعضنا البعض، بقدر ما نحن ضحايا
مشاريعنا الفاشلة ودعواتنا المستحيلة أو استراتيجياتنا القاتلة.
وهكذا لا مهرب من الشراكة في كلا الحالين، سلباً أو إيجاباً، على هذا
الوجه أو ذاك، على سبيل التخريب والتدمير أو البناء والعمران.
من هنا لا مجال في هذا الزمن الرقمي، المعولم والكوكبي، لإدارة الشأن
البشري والعالمي، بالعدة الفكرية المستهلكة، ولا بالعودة الى لغة
العصور الوسطى. الأمر الذي يحتاج إلى تجديد إشكال المصداقية
والمشروعية، المعرفية والسياسية والخلقية، سواء من حيث الرؤية والوجهة،
أو المصطلح والمفهوم، أو الموقف والمنطق، أو الطريقة والمعاملة، وذلك
على النحو الذي يفتح آفاقاً جديدة أمام العمل الحضاري.
وهذا هو الرهان: ليست المسألة أن نرمي التهمة على العدو في الخارج،
وليست المشكلة أن نعرف من يقوم بغزو الآخر في معاقله ثقافياً أو دينياً
أو مذهبياً، كما ينشغل دعاة الحوار بين المذاهب والطوائف، وإنما هي أن
لا نمارس هوياتنا كمحاكم للادانة أو كأفخاخ ننصبها للآخر كي نقع فيها،
أو أن ندافع أو أن نقع أسرى عقدة الدفاع عن الذات بصورة مدمرة للجميع،
وإنما القضية هي أن نعرف كيف ندير حواراً ناجحاً أو أن نتمرس بالمداولة
العقلانية المنتجة للصيغ المبتكرة، أو أن نتغير فيما نتشاور ونتحاور،
لكي ننخرط في بناء عالم مشترك يتيح التعايش والتبادل على أسس حضارية أو
مدنية، وفي أطر وطنية أو إقليمية أو عالمية، بمنطق علائقي، وسطي،
تواصلي، سلمي... وتلك هي استراتيجية الحوار الناجح والفعال، البناء
والمثمر.
(٭) كاتب لبناني