عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

صلاح الدين حافظ

الديموقراطية المراوغة والدولة الفاشلة  

 

 

2007-02-08

السفير  

لا نحتاج لكثير من الجهد لنثبت كيف ان دعوى الديموقراطية مقرونة بنماذج فشل الدولة. في هذه المنطقة من العالم. قد أدّت فيما أدت إليه الى شيوع العنف جنباً الى جنب مع انتشار الفقر والإحباط والتطرف.
ولا نحتاج لمزيد من البراهين والأدلة، لنؤكد أن ما نعانيه من هذه النتائج، قد جاء بأيدينا في الداخل، مصحوبة بأيديهم من الخارج، وكلها في النهاية أياد تحالفت علينا، دفاعاً عن مصالحها المشتركة، مصالح من يريد الاستمرار قابضاً على صولجان الحكم متحكماً في الثروة، جامعاً بين زهو السلطة وبريق المال، ومن يريد الحفاظ على مصالحه الحيوية العديدة، في ظل الهيمنة الكونية الجديدة!
هكذا وجدنا أنفسنا محاصرين بين خيارين أحلاهما مر، العنف المحتمي بالديموقراطية، بل بدعاواها، او ادعاءات الديموقراطية المتسامحة مع العنف، وهو ما يثبت لنا أن كل ما قيل ويُقال من جانب اميركا وحلفائها، عن إجراء إصلاحات ديموقراطية في البلاد العربية، بداية بمصر، لتكون مقدمة رمح لمحاربة العنف والارهاب والتطرف، إنما هو كذب بواح، ومخادعة وتدليس ومخاتلة، ان كانت قد انطلت على البعض في فترات سابقة، فهي قد انكشفت الآن بأجلى صور الفضيحة!
ومنذ أن تبنّت إدارة الرئيس الاميركي بوش حملة نشر الديموقراطية في بلادنا، في عام ,2002 وحتى الآن، مقرونة بحملة الحرب «المقدسة» ضد الارهاب، ونحن لا نكاد نلمح تقدماً حقيقياً في اي اصلاح ديموقراطي حقيقي في اي دولة من دول المنطقة، مثلما نتأكد الآن ان وتيرة العنف قد ازدادت حدة، منتقلة بحرية واضحة من أفغانستان الى العراق، ومن العراق الى السودان، ومن فلسطين الى الصومال.. الخ.
فبأي حجة يعاود الرئيس بوش حديثه المملّ عن الديموقراطية في الشرق الأوسط، وعن الانتصار في الحرب ضد الإرهاب «الإسلامي»!!
ففي خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه بوش الاسبوع الماضي، لم يتوقف طويلاً امام خطته في فرض الإصلاحات الديموقراطية على الدول العربية، كما كان يجاهر في الماضي القريب، بل انه عبر هذا المأزق سريعاً، واكتفى بالقول بما معناه ان اقتناع الدول المعتدلة مثل مصر والسعودية تحديداً. بالديموقراطية، سيؤدي الى مقاومة العنف ويساعد في مواجهة الإرهاب...
وفي تفسيره لذلك، قال متحدث باسم الخارجية الأميركية إن ادارة الرئيس بوش لن تغير اتجاهها بدعم التحولات الديموقراطية في البلاد المذكورة، ولن تتوقف عن مساعدة هذه النظم في الاستجابة لمطالب شعوبها دون تدخل مباشر من جانب أميركا...
ولعلنا نضيف إلى ذلك استشهاداً آخر، يؤكد ما ذهبنا إليه منذ سنوات، من أن أميركا غير جادة في مسألة نشر الديموقراطية ومقاومة نظم الفساد والاستبداد الحاكمة، لأنها تفضل في كل الأحوال الحفاظ على مصالحها الحيوية في المنطقة، حتى لو تحالفت مع نظم تراها استبدادية وفاسدة!
والاستشهاد هو ببساطة المقارنة، بين الحديث «المحاضرة» الشهير للسيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية، في الجامعة الاميركية بالقاهرة، خلال عام ,2005 الذي ألقت خلاله بمجموعة من الصواريخ الموجهة، حول إصرار واشنطن على إجراء اصلاحات ديموقراطية في مصر والبلاد العربية، وصولاً للتهديد بوسائل الضغط الخشن، الامر الذي أثار ابتهاج المتأمركين العرب الذين أدمنوا استعداء اميركا حتى على بلادهم، ثم نقارن ذلك مع التصريحات الهادئة النبرة الناعمة الملمس للوزيرة نفسها، التي أدلت بها عن تباطؤ الاصلاحات الديموقراطية في مصر، خلال زيارتها الأخيرة للأقصى قبل أيام...
∎∎∎
لا شك في أن البون شاسع بين الموقفين للادارة نفسها وللمتحدثين باسمها أنفسهم، فالعبرة هنا ليست مصر او غيرها من الدول المعنية، وليست الديموقراطية ولا غيرها من المبادئ والقيم، ولكن العبرة بحماية المصالح الحيوية الاميركية، وبكيفية تجنيد ما تسميه «مجموعة الدول العربية المعتدلة مصر والأردن ودول الخليج الست»، للمساعدة الفعالة في إنقاذها من المقتلة الدائرة في العراق، وللاحتشاد معها ضد إيران وسوريا وحزب الله في لبنان وحماس في فلسطين، الذين تراهم محور الشر ومنتجي العنف والإرهاب!
وبالتالي فإن عصا الديموقراطية «الغليظة» التي رفعتها واشنطن على مدى السنوات الماضية، ضد النظم الحاكمة في المنطقة، كان هدفها تخويف هذه النظم وإرباك سياستها، ودفعها الى مزيد من الانصياع والخضوع للاستراتيجية الاميركية، دون تبرم او حتى تململ، وحتى لو أدى هذا الانصياع الى التضحية ببعض المصالح والأهداف العربية، وأهمها الاستقلال والسيادة الوطنية!
ومن الواضح ان طرفي شد حبل الديموقراطية، النظم العربية الحاكمة والإدارة الاميركية، قد اكتشفا في وقت واحد نقاط القوة والضعف عندهما معاً، ووجدا ان «العنف والإرهاب» هدف مشترك يجمعهما في صف واحد ويجند قواهما في خندق واحد مما يدفعهما الى التعاون والتنسيق الأكبر، فتخلت الادارة الاميركية عن ورقة الاصلاح الديموقراطي، وتخلت النظم العربية عن ترك أميركا تغرق وحدها في المستنقع العراقي الدامي... وقررا العمل المشترك في هذا الاطار، وضمن استراتيجية بوش الجديدة، التي إن قوبلت بترحيب محور الاعتدال العربي صراحة، فإنها للغرابة قوبلت بمعارضة اميركية واسعة داخل الكونغرس وفي الشارع وفي الإعلام وبين جماعات المصالح!!
وبقدر ما اعتبر المعارضون الاميركيون لاستراتيجية بوش هذه، أن التأييد الصارخ للمعتدلين العرب لهذه الاستراتيجية، هو بمثابة نفاق وانتهازية سياسية، يحتمي بها المستبدون المعادون للديموقراطية في الشرق الأوسط، بقدر ما ان إدارة بوش توصلت لصياغة جديدة، قوامها ان من يؤيدها في المنطقة هم الديموقراطيون والليبراليون الحقيقيون، بصرف النظر عن كل ما تقوله شعوبهم عنهم، بل عن كل ما قالته هي عنهم من قبل!
هكذا وقعت قضية الاصلاح الديموقراطي، ضحية بين طرفي شد الحبل، بعد أن تحالفا معا ضدها، وباتت هذه القضية متراجعة من حيث الفكر والتطبيق، من حيث الوعود والعهود التي تُبتلع وتُنقض، ومن حيث الخطوات والإجراءات التي تتلكأ ثم تجهض نهائياً، رغم كل مطالب الشعوب وتطلعها للحرية والسيادة، ولم يحدث ذلك بسبب تخلي اميركا عن ضغوطها، بقدر ما حدث نتيجة المقايضة المشبوهة، وتيقن الحكام من أن عصا الديموقراطية الاميركية، لم تكن غليظة ولن تكون!!
ونظن أيضا ان طرفي شد الحبل، قد توافقا مؤخراً على ان تبعات الديموقراطية ونتائج التحول الاصلاحي الحقيقي، هي تبعات ونتائج معادية لهما ومضادة لمصالحهما المشتركة، وها هو النموذج الفلسطيني يقدم الدليل، ففي ظل الديموقراطية والانتخابات الحرة الشفافة، نجحت «حماس» الموسومة بالراديكالية الإسلامية، مثلما تمكنت التيارات الاسلامية السياسية، في إثبات وجودها، عبر صناديق الانتخابات في مصر والأردن والكويت والبحرين والمغرب واليمن وغيرها، بما قدم للطرفين مبرراً للانقضاض، ليس فقط على هذه التيارات، ولكن على كل مقولات الاصلاح الديموقراطي، حتى وان ظلت عمليات التجميل الاصلاحي والتزويق الديموقراطي قائمة ومستمرة!
∎∎∎
في أميركا مفكر مشهور عالمياً هو «نعوم تشومسكي» ليبرالي الفكر، يهودي الديانة، معادٍ للصهيونية ولعدوانية اسرائيل، بقدر ما هو معادٍ لغطرسة القوة الاميركية المنفلتة، أصدر مؤخراً كتاباً مهما بعنوان «الدولة الفاشلة»، ولم يجد بالطبع نموذجاً للدولة الفاشلة، أفضل من الولايات المتحدة الاميركية، لأنها تطبق المعايير المزدوجة، وتتحدث بلسانين، أولهما أخلاقي عن قيم الحرية والعدالة والمساواة، وثانيهما انتهازي برغماتي يمارس العنف المفرط، ويشن الحروب الدامية غير المبررة أخلاقياً، ويرتكب الجرائم والفظائع والمذابح، باسم الدفاع عن قيم الحرية والديموقراطية، والمحصلة هي أن هذه دولة فاشلة، لأنها بفضل هذه المعايير المزدوجة والممارسات الانتهازية، تجلب للشعب الأميركي عداوات الآخرين وكراهيتهم، وتعرّض الأمن القومي الاميركي للاعتداءات والدمار، وتستفز الآخرين لمقابلة عنفها بعنف مضاد.
يضيف تشومسكي، أنه باسم العدالة والقيم الأخلاقية ومبادئ الحرية، شنت أميركا وتشن أسوأ الحروب ضد الآخرين، وتستخدم قوتها الطاغية في فرض «الحق الذي تدّعيه» وتنتهك حقوق الانسان، مثلما تنتهك سيادة الدول واستقلال الشعوب، وتمارس العنف والإرهاب علانية باسم الشرعية الدولية، وهي حين تفعل ذلك لا تمل الحديث الممل عن فرض الديموقراطية وترويج قيم الحرية الاميركية!!
ثم يتنبأ تشومسكي، بقرب نهاية العالم وقيام القيامة، نتيجة المبالغة الاميركية في زيادة النزوع العسكري واعتماد القوة المسلحة، سواء عن طريق ترسانتها النووية، او عن طريق عسكرة الفضاء، او عن طريق تلويث البيئة الذي تتحمّل أميركا المسؤولية الرئيسية عنه، باعتبارها أكبر دولة صناعية واكثر دولة استخداماً للمحروقات، والمتسبب الاول في انبعاث الغازات وبالتالي حدوث الاحتباس الحراري، الذي بات يهدد البشرية بالفناء!
ليس هذا فقط، ولكن تشومسكي، يؤكد أن السياسات العدوانية والممارسات الخاطئة، التي تمارسها الادارة الاميركية الحالية بقيادة بوش، وخصوصاً سياسة شن الحروب في العالم، وتحديداً في افغانستان والعراق، فضلاً عما تفعله اسرائيل بالفلسطينيين، قد أدى الى زيادة العنف وصعود التيارات الدينية الراديكالية، بل والى تحويل الارهاب الى هدف يرتجى، لكي يقاوم الارهاب الاميركي، اما حكاية الاصلاحات الديموقراطية فلا مجال لها في عرف الدولة الفاشلة!!
تشومسكي لا يتحدث للأميركيين فقط، ولكني أعتقد أن حديثه هذا في كتابه المهم، مهدى الى الحكام العرب جميعاً، والى جماعة المتأمركين العرب تحديداً... لعلهم يقرأون ويستوعبون ويفهمون!!
∎∎ خير الكلام: يقول ابراهيم ناجي:
إن يكن حلماً تولى مُسرعاً
أجمل الأحلام ما ولى سريعاً
(٭) كاتب مصري

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة