عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

السيد يسين

عقد اجتماعي لعصر العولمة

 

 

2007-02-08

الاتحاد  

هناك إجماع بين المفكرين والباحثين على أن العولمة باعتبارها عملية تاريخية قد أثرت وستؤثر على بنية المجتمع العالمي، وعلى وظائف الدولة من زاوية واجباتها ومسؤوليتها إزاء المواطنين وهناك تساؤلات مثارة في الوقت الراهن حول الدولة نتيجة للمتغيرات العالمية. وإن كان يمكن القول إن الأسئلة حول الدولة وطبيعتها وحدودها ووظائفها أثيرت بشأنها منذ قيامها في العصر الحديث. ولعل ذلك يرد أساساً إلى الطبيعة المزدوجة للدولة فهي من ناحية مفهوم قانوني جزء من منظومة معيارية، وهي من ناحية أخرى بنية سياسية تقوم أساساً على مبدأ الشرعية، وهذا هو الذي يميزها عن أي بنية أخرى، ويعطيها في نفس الوقت طابعها المميز.

والدولة بالإضافة إلى كل ذلك هي المؤسسة الدولية الأولى التي يقوم على أساسها القانون الدولي، الذي ينظم العلاقات بين الدول. وهي بطابعها السياسي ودورها الدولي التي تخضع اليوم -بسبب العولمة وغيرها من المتغيرات الدولية- لتساؤلات متعددة.

ولعل التساؤل الأول هو تأثير المنظمات الإقليمية ومثالها البارز الاتحاد الأوروبي على التجانس الداخلي في الدولة وعلى هويتها القومية. وخصوصاً فيما يتعلق بموضوعات شائكة مثل حقوق الأقليات، والعلاقات العابرة للحدود، والهجرة، والمجتمعات المضطربة، والفجوة بين الأغنياء والفقراء.

والتساؤل الثاني يتعلق بحدود الدولة التي كانت تمثل المجال التقليدي لها. فهذه الحدود في ظل المتغيرات اليوم لا تستطيع ضمان استقلال الدولة أو تحمي هويتها كما كان الحال في الماضي. فقد فتحت الحدود بين الدول، أما التبادلات الإنسانية والمادية، في ضوء العولمة والتي هي في جوهرها سرعة تدفق السلع والخدمات والأفكار والبشر بغير حدود أو قيود.

لقد أصبح البشر اليوم أشبه ما يكونون -على الصعيد الدولي- بالبدو الرحل international nomadism. وفي ضوء كل هذه التغيرات يمكن القول إن الدولة تمر اليوم في أزمة فهي أكبر كثيراً ككيان من المستوى المحلي، وهي على المستوى الدولي أصغر كثيراً من أن تقوم بوظائفها التقليدية، ومن ثم لجأت الدول إلى الاتحادات الإقليمية لكي تستطيع القيام بأدوارها الجديدة.

ويمكن القول إن مسار الدول في القرن العشرين قد أثرت عليه عمليتان تاريخيتان. وهما تحرر الدول في العالم الثالث من الاستعمار، وسقوط الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية. وقد أدى التحول الأول إلى انتشار الدول الجديدة التي انضمت إلى الأمم المتحدة ومحاولاتها القيام بوظائفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأدى التحول الثاني إلى تحول الدول الاشتراكية السابقة إلى الديمقراطية والليبرالية، والانتقال من اقتصاد الأوامر إلى السوق الحر.

ومع ذلك كله أن الدول جميعاً متقدمة كانت أو نامية في حاجة إلى عقد اجتماعي جديد يتفق مع اتجاهات عصر العولمة.

غير أن هذا العقد الاجتماعي العام الذي من شأنه أن يغير من طبيعة ووظائف كل الدول بشكل عام، لا يغني عن إبرام عقد اجتماعي جديد داخل كل دولة.

وتبرز الحاجة إلى هذا العقد في ضوء استقالة الدولة -بتأثير العولمة- من أول جزء أساسي من وظائفها التنموية في ظل الخصخصة المتزايدة بل وانسحابها أيضاً من التزامات دولة الرفاهية بحكم الأزمات المالية المزمنة التي أصابت الدول نتيجة عوامل وظروف شتى.

وحتى لا يكون حديثنا على سبيل التجريد ندرس مصر باعتبارها حالة ممثلة للدول العربية التي أدركت أهمية إبرام عقد اجتماعي جديد. ونستطيع في هذا المجال أن نعتمد على تقرير التنمية البشرية عام 2005، وهو التقرير الذي يصدره سنوياً "معهد التخطيط القومي" بالقاهرة بالاشتراك مع برنامج الأمم المتحدة والإنمائي.

ويلفت النظر أن عنوان هذا التقرير هو: "اختيار مستقبلنا: نحو عقد اجتماعي جديد".

وقد شرح التقرير في التمهيد الأفكار المحورية التي تقوم عليها فكرة العقد الاجتماعي المقترح، وهي تتركز أولاً في نقد التصور السائد الذي يرى أن تخفيض الفقر يتم من خلال منح إعانات للفقراء، وبدلاً من ذلك يجب تطبيق نموذج للنمو المناصر للفقراء. ومن ناحية أخرى فإن تحقيق الديمقراطية والمشاركة على المستوى اللامركزي أصبح أداة أساسية للتحول الثقافي، وبذلك يستطيع المواطنون أن يمتلكوا المرافق والخدمات العامة ويديروها ويحرصوا على الحفاظ عليها.

والفكرة الأساسية أن الدولة هي التي تكفل الحماية الكاملة لكل مواطن بصرف النظر عن قدراته. وهي التي تساهم في اشتراكات الضمان الاجتماعي وتوفير التأمين الصحي الشامل، وهناك مبدأ آخر هو ترسيخ مبدأ الارتقاء بالجودة في كل مجال، وأخيراً تأتي أهمية بناء القدرات من أجل تقديم خدمات عامة عالية الجودة، ويطرح تمهيد التقرير سؤالاً أساسياً وهو: من هي الأطراف المعنية صاحبة المصلحة؟ ويجيب أن كل شرائح المجتمع هي طرف أساسي في تنفيذ هذه الرؤية الجديدة.

وحين يدخل التقرير في صميم مكونات العقد الاجتماعي الجديد فهو يقرر بكل صراحة ووضوح أن الأمر "يتطلب تصحيح العلاقة بين الأطراف صاحبة المصلحة على الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية، ويستند الفهم الجديد لهذه العلاقة إلى الفرضية التي مؤداها أن وضع برنامج متكامل للعمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي يمكن أن يؤثر في مثل هذا التصحيح إذا كان مرتكزاً على الحقوق ومقترناً بإصلاح إداري ومستنداً إلى مشاركة بين الأجهزة التنفيذية والمجتمع المدني"، وهذه الرؤية تتطلب تحديد الشروط السياسية لعقد اجتماعي جديد من خلال حماية الحريات والحقوق السياسية وحقوق الأفراد وخصوصاً الحقوق الاجتماعية، وتوفير بنية مواتية لتمكين المواطنين من المشاركة في تحقيق الديمقراطية.

ومعنى ذلك كله أن العقد الاجتماعي الجديد يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطنين من خلال القيام بإصلاح سياسي واسع المدى يكفل توسيع دائرة المشاركة السياسية، ووضع برنامج للتنمية المستدامة من القاعدة إلى القمة، والتركيز على مبدأ المواطنة، والانتقال من السلطوية التي ميزت أداة الدولة العربية في الماضي إلى الديمقراطية وفتح الباب أمام تداول السلطة.

وإذا كانت المتغيرات الجديدة قد أدت إلى إلغاء نظام الأوامر والانتقال إلى اقتصاد السوق، فلابد للدولة أن تراقب الأداء الاقتصادي للقطاع الخاص، وألا تتخلى إطلاقاً عن القيام بوظائفها التقليدية في الرعاية الاجتماعية.

بعبارة أخرى العقد الاجتماعي الجديد سواء على الصعيد الدولي أم الصعيد الداخلي في كل دولة معناه تكييف وضع الدولة في ضوء المتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية الجديدة، وعدم ترك المواطنين في العراء ضحايا للرأسمالية المتوحشة التي تساعد عليها الاتجاهات الغالبة في العولمة اليوم.

ويصبح التحدي الأساسي كيف يمكن تحقيق رأسمالية ذات وجه إنساني؟

ولو أردنا أن نستكمل حلقات العقد الاجتماعي الجديد الذي ينبغي إبرامه بين الدولة والمواطنين، فإن هناك ضرورة لإبرام عقد اجتماعي جديد بصدد العولمة.

ونحن نعرف جميعاً أن العولمة محل جدل عالمي كبير يدور بين المفكرين والسياسيين في كل أنحاء العالم. غير أنه أهم من ذلك الجدل أن هناك قوى منظمة في المجتمع المدني العالمي تحاول مناهضة الاتجاهات السلبية للعولمة وما أدت إليه من إقصاء للدول النامية وتهميش اجتماعي للطبقات الوسطى والفقيرة.

وإذا كانت قوى العولمة يشار إليها بـ"منتدى دافوس" الشهير الذي يجمع نخبة العولمة في العالم، فإن القوى المناهضة يطلق عليها "ضد دافوس".

بين القبول المطلق للعولمة والرفض القاطع لها، لابد من صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على التوازن بين الدول، والتوازن بين الطبقات. هذا هو التحدي الكبير الذي يواجه نخبة العولمة السياسية والاقتصادية والثقافية.
 

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة