عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

ياسين الحاج صالح أميركا الشرق أوسطية: هيمنة بلا هيمنة

 

 

2007-01-29

الحياة  

الولايات المتحدة حاضرة بكثافة في الشرق الأوسط. وحضورها متعدد الصور: عسكري وسياسي وديبلوماسي وامني، وكذلك اقتصادي وتكنولوجي وثقافي (سمعي بصري بخاصة)، وأخيرا معرفي (دراسات وأبحاث ومجلات... تشكل بمجموعها ما قد يسمى الميدلإيستولوجية، علم الشرق الأوسط الذي يستوجب تقصيا منهجيا لفرز إشكاليته وكشف مسلماته الخفية وتمييز أطواره ورصد تبدلاته والتعرف على المؤسسات المنتجة له...).

بيد أنه لا يعادل كثافة الحضور الأميركي في المنطقة إلا افتقاره إلى عنصر النفوذ المعنوي أو القرابة الروحية أو الإقبال والرضا من قبل سكان المنطقة، العرب بأكثريتهم. وهذا أمر يفترض أن يكون غريبا بالنظر إلى إعجاب كثيرين من العرب بالعلم والتكنولوجيا والثقافة الأميركية، وحلم أعداد كبيرة بالهجرة إلى تلك البلاد وحيازة جنسيتها. سنتطرق أدناه إلى أسباب هذه المفارقة التي تترك الحضور الأميركي بلا قواعد معنوية وعاطفية في الشرق الأوسط. ولعل وفرة القواعد العسكرية الأميركية في الإقليم تعكس ندرة القواعد المعنوية وتجتهد للتعويض عنها.

يصح القول إن الولايات المتحدة مهيمنة دون هيمنة في الشرق الأوسط. هذا ممكن بسبب ازدواج معنى مفهوم الهيمنة. فإذا كنا نقصد به احتلال موقع يمكّن الأميركيين من التحكم بالتفاعلات السياسية والجيوسياسية والاستراتيجية والاقتصادية بين أطراف النظام الشرق أوسطي وتوجيهها لمصلحتهم، فلا ريب أن الولايات المتحدة تتمتع بهيمنة لا منافس لها. الهيمنة هنا تأخذ معنى قريبا من معناها الحرفي: الإشراف والرقابة والتوجيه من علٍ.

لكن للهيمنة معنى آخر، بلوره أنطونيو غرامشي، ويفيد عنصر الرضا والاقتناع في السياسة، تمييزا عن عنصر القسر والإكراه. يتعلق الأمر باستجابة طوعية من قبل الجمهور المعني لقوة سياسية ثقافية، يؤمن بأنها متفوقة وقريبة منه في الوقت نفسه، فلا يتردد في منحها ولاءه، ويثق بأن انقياده لها وإقباله عليها يلبي مصالحه وحاجاته المادية والمعنوية. خلافا لذلك، تجنح القوة التي لا تنال الثقة والانقياد الطوعيين إلى التركيز على وسائل القسر والعنف في سياستها، ما يندرج تحت مفهوم السيطرة. فللهيمنة مفعول مقتصد للعنف هو الذي تفتقر إليه الولايات المتحدة في المجال الشرق أوسطي، وهو الذي تحاول التعويض عنه، عبثا، بالقوة والقواعد العسكرية وتخويف الحكومات.

في ذلك تشبه أميركا الشرق أوسطية أكثر النظم الحاكمة في الدول العربية. فهذه أيضا مهيمنة بالمعنى الأول للكلمة، وغير مهيمنة بالمعنى الثاني. وهي كذلك تتوسع في بناء الأجهزة الأمنية وردع مواطنيها، بالضبط لأنها تفتقر إلى رضاهم واقتناعهم الذاتي بها. وكما تهيمن أميركا على الشرق الأوسط ولا تهيمن فيه، كذلك تهيمن نظمنا على مجتمعاتها ولا تهيمن فيها. فعلاقات النظم هذه مع مجتمعاتها المحكومة تشاكل علاقة الولايات المتحدة مع بلدان المنطقة. وهي، من جهة أخرى، تتنافر مع علاقة الدولة الأميركية بمجتمعها، وهذه علاقة هيمنة بالمعنى الثاني.

لكن بم تختلف الهيمنة بالمعنى الأول (إشغال موقع ممتاز ضمن حقل محلي أو إقليمي أو دولي، يتيح التحكم بالتفاعلات المهمة وتوجيهها بما يناسب الطرف المهيمن)، عن السيطرة التي تعتمد التوسع في وسائل القسر؟ نقترح أن الهيمنة تلك تستند إلى تفوق حقيقي على مستوى التنظيم والرقابة والاتصال والربط، وليس على مستوى القسر وحده. وإذا صح ذلك فإنه يفيد أن النظام الشرق أوسطي، ومنه نظم الاستبداد العربية، لا يرتد إلى القسر وحده؛ وأن تمكّن القوى القائدة فيه، الأميركيين والنظم المحلية، من وسائل التنظيم والإشراف، أو احتكارها لها، هو ما يؤسس النظام ويضمن دوامه.

لكن ما الذي يجعل الولايات المتحدة أعظم دول العالم وواحدة من أرسخ الديموقراطيات، قوة غير مهيمنة في الشرق الأوسط؟ ولماذا هي مهيمنة في أوروبا الشرقية وغير مهيمنة لدينا؟ ليس السبب خفيا. إنه يتصل ببساطة بسياساتها المتطرفة بنيويا حيال مشكلات المنطقة، المشكلة الإسرائيلية بالخصوص، وجنوحها الراسخ نحو تفضيل الحلول الأمنية والعسكرية على الحلول التفاوضية والسياسية لهذه المشكلات. كلامها على الديموقراطية خلال السنوات المنقضية لم يقترن بمراجعة لسياساتها المتطرفة ولا بإعادة نظر لأسسها الثقافية، وهي لم تجد صعوبة في التخلي عنه حين اصطدم بالوقائع.

بالعكس، في أوروبا الشرقية التقى تقارب ثقافي (يتماهي الأوروبيون الشرقيون مع «الغرب» بيسر فائق) مع سياسة داعمة لاستقلال دولها عن الاتحاد السوفياتي السابق، لصنع شعور بالقرابة والانجذاب للأميركيين، أي هيمنة أميركية حقيقية. لعل هذا يفسر انضمام دول أوروبا الشرقية الحماسي لكل من الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي. ولا ريب أن إيثار تلك الدول غربا تهيمن عليه وفيه الولايات المتحدة أكثر من غرب أوروبي استقلالي المنزع هو ما استحقت عليه، أيام الغزو الأميركي للعراق، إطراء وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رمسفيلد الذي وصفها بأوروبا الجديدة (منتقصا من أوروبا قديمة، تصدرتها آنذاك فرنسا وألمانيا).

حيال البلاد العربية وقع التقاء معاكس: التقى التباعد الثقافي مع سياسات متطرفة. وقد نلاحظ مع جيلبير اشقر أنه بينما دعمت الولايات المتحدة الليبراليين في أوروبا الشرقية ضد المعسكر السوفياتي، فإنها ساندت أنظمة وتيارات إسلامية محافظة أو متشددة في الشرق الأوسط. وبذلك أسهمت في زراعة «الإرهاب» الذي سيدفع العالم العربي أكثر من غيره ثمن الحرب الأميركية ضده خلال السنوات الخمس المنقضية. وبينما انتهت الحرب الباردة في كل مكان من العالم أواخر ثمانينات القرن العشرين، استمرت «تنظيماتها» الأمنية والفكرية والسياسية في منطقتنا إلى أيلول (سبتمبر) 2001، لتحل محلها سياسات شبه استعمارية. وليس بلا دلالة أن تدور سياسات أميركا الشرق أوسطية الجديدة حول محاربة الإرهاب، وما يقتضيه من أولوية العسكري والأمني، في حين تشكل العولمة محور تلك السياسات في آسيا وأوروبا، وإن كان العنصر الأمني قد نما فيها هي الأخرى.

على أنه مهما يكن أصل الخباثة في العلاقة العربية الأميركية، فإننا لا نتصور اليوم تعديلا لها دون تحويل حقيقي في العلاقة السياسية الأساسية داخل بلداننا، علاقة الحاكمين والمحكومين، باتجاه يؤسس لهيمنة داخلية يرتفع فيها مستوى الثقة والاقتناع على حساب مستوى الإكراه والعنف. فمعالجة ما ندعوه أزمة الهيمنة في بلادنا، والانخراط في عمليات بناء الدول الوطنية، العلمانية والمدنية، هو ما من شأنه أن يفضي في النهاية إلى تعديل طبيعة العلاقة بين العالم العربي والأميركيين.

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة