عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

صبحي حديدي مشاورات سورية ـ اسرائيل: السرّ في الاقتصاد السياسي.. والأصولية

 

 

2007-01-19

القدس العربي 

لكي تتكامل المكوّنات الإقليمية ذات الصلّة بخطّة الرئيس الأمريكي جورج بوش الجديدة في العراق ـ ولا نقول: تكتمل تلك المكوّنات، فالحبل في نطاقها علي الجرّار كما يلوح، والقادم أعظم ممّا تقدّم ـ وصلت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إلي المنطقة علي خلفية حاشدة بالوقائع والمتغيّرات: الاحتفال بالذكري الـ 15 لانعقاد مؤتمر مدريد، في سياقات تبدو شديدة النأي عن أحلام السلام العربي ـ الإسرائيلي التي هيمنت علي مؤتمر 1991؛ وانحطاط السلطة الوطنية الفلسطينية إلي درك غير مسبوق في العجز السياسي وتهديد الوحدة الوطنية، بالتزامن مع انزلاق حماس إلي إغواءات عسكرة رأسمالها السياسي؛ واستقالة رئيس الأركان الإسرائيلي دان حالوتس، في توقيت منتقي بعناية فائقة، حيث تمارس الحكومة المزيد من خيارات العنف الفاشية ضدّ الفلسطينيين وتغرق الحكومة، وايهود أولمرت شخصياً، في مشكلات سياسية وأمنية وقضائية؛ وتزامن تسريبات الصحافة البريطانية عن سيناريوهات جاهزة لضربات إسرائيلية جوية ضدّ المنشآت النووية الإيرانية، مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الخليج واستقدام حاملة الطائرات يو إس إس جون سي ستينيز لتنضمّ إلي زميلتها يو إس إس دوايت أيزنهاور المتواجدة في مياه الخليج منذ الشهر الماضي؛ وبالطبع، إراقة الدماء اليومية، ومقتل العراقيين بالعشــــرات، ليست غائبة أبداً عن المشهد، متضافرة مع أشبـــاح الحـــرب الأهلية التي تجوس شوارع العراق...
وأمّا المفاجأة الصغيرة في هذه التفاصيل الحاشدة، فهي ما كشفت عنه النقاب صحيفة هآرتس الإسرائيلية، حول سلسلة مشاورات (وهذه مفردة قد تلطّف قليلاً المفردة الأخري: مفاوضات) سورية ـ إسرائيلية شبه رسمية، سرّية من حيث المبدأ، برعاية أطراف أوروبية وتركية، جرت في الفترة بين أيلول (سبتمبر) 2004 وتموز (يوليو) 2006، وانتهت بالفعل إلي اعتماد وثيقة تفاهم مفصّلة للغاية، وعلي نحو يثير الدهشة لجهة إغراق الطرفين في أدقّ التفاصيل (كالاتفاق، مثلاً، حول الطرف الذي سيتولي جباية أثمان بطاقات الدخول إلي المنتزه Park المزمع إقامته في الأقسام السياحية من المنطقة المجرّدة من السلاح شرق الحدود التي اتُفق عليها!). وهذه اللقاءات لم تنقطع بسبب الحرب الإسرائيلية ضدّ لبنان كما تردّد، بل يُقال إنّ آخر اجتماع ـ وفيه جري إقرار وثيقة التفاهم ـ عُقد حين كانت الحرب مستعرة وعلي أشدّها.
ومن الإنصاف التشديد، باديء ذي بدء، علي أنّ تلك المشاورات كانت شبه رسمية، لاعتبارين متكاملين: هي ليست رسمية تماماً لأنّ المشاركَيْن فيها عن الجانب السوري (المواطن السوري ـ الأمريكي إبراهيم سليمان) أو الجانب الإسرائيلي (المواطن الإسرائيلي ألون ليئال) ليست لهما صفة رسمية، حتي إذا كان ليئال دبلوماسياً سابقاً؛ ولكنها، في الآن ذاته، ليست بعيدة عن الرسميين لأنّ سليمان أجري ـ كما تردّد ـ ثمانية لقاءات بهذا الخصوص مع نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، ومع وزير الخارجية السوري وليد المعلم، فضلاً عن ضابط كبير في الاستخبارات السورية (من غير المرجّح أن لا يكون اللواء آصف شوكت، صهر بشار الأسد ورئيس الاستخبارات العسكرية، مشاركاً فيها عن كثب).
ولكن من الإنصاف أيضاً، واستطراداً، القول إنها لم تكن مشاورات لتزجية الوقت أو الاتفاق علي جنس الملائكة! لقد ضمّت اللقاءات هذه، كما تشير تقارير جادّة وذات مصداقية كافية، مسؤولاً بارزاً في قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية السويسرية (نيكولاس لانغ)؛ والأمريكي اليهودي جيفري أرونسون، مدير الأبحاث والمطبوعات في مؤسسة سلام الشرق الأوسط في واشنطن، ورئيس تحرير النشرة الدورية تقرير المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة ؛ فضلاً، بالطبع، عن التسهيلات اللوجستية التي قدّمها مسؤولون أتراك وألمان استضافوا اللقاءات وسهروا علي سرّيتها.
وقد يكون من السابق لأوانه مناقشة تفاصيل وثيقة التفاهم تلك، خصوصاً وأنّ معظم بنودها تردّدت علي هذا النحو أو ذاك في مفاوضات شبردزتاون أواخر 1999، بين فاروق الشرع ورئيس وزراء الدولة العبرية آنذاك إيهود باراك، وكذلك لأنّ مشاورات سليمان ـ ليئال انهارت الآن وافتُضحت سرّيتها. ومن المبكر الاستناد إلي تقرير إسرائيلي واحد، رغم عدم نفيه تماماً من جانب المشاركين مباشرة في المشاورات، لاستعراض التنازلات الدسمة التي قيل إنّ دمشق أبدت سخاء غير معهود في تقديمها، بصدد العلاقة ـ أو بالأحري: إعادة النظر في العلاقة ـ مع حزب الله وإيران. وأخيراً، ليست هذه هي المرّة الأولي التي ترشح فيها تقارير عن مشاورات أو مداولات غير رسمية، أو حتي مفاوضات مباشرة رسمية، سرّية بين النظام السوري والدولة العبرية (آخر جولة شهيرة أماطت اللثام عنها صحيفة معاريف الإسرائيلية، وقيل إنها جمعت ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري وأبرز أعوانه الحاليين، مع المدير العام السابق لوزارة خارجية الدولة العبرية إيتان بن تسور في العاصمة الأردنية عمّان، صيف ربيع 2003)، ولن تكون جولة سليمان ـ ليئال هي الأخيرة كما تقول وقائع التاريخ المعاصر.
ثمة، مع ذلك، جانب واحد جديد يلفت الانتباه في الجولة الأخيرة، ساقه الصحافي الإسرائيلي عكيفا إلدار، صاحب التقرير الذي نشرته هآرتس حول هذه المشاورات، ونسبه إلي الشرع شخصياً: أنّ النظام في سورية يحتاج إلي السلام لأنّ الإسلام الأصولي يهدد سورية، ولا مناص من السلام لمواجهة الأصوليين؛ وأنّ موارد البلاد النفطية سوف تنضب قريباً، والسلام هو الضامن لتأمين موارد بديلة؛ وأنّ الاستثمارات التي ستجلب تلك الموارد، لن تنشط إلا في ظلّ السلام. وهذا، في ضوء واقع الحال الراهنة تحديداً، يعيدنا إلي استذكار مجموعة الثوابت التي كانت تحكم تفكير حافظ الأسد بخصوص السلام السوري ـ الإسرائيلي، ومن الطبيعي أنها ما تزال تحكم تفكير وريثه، والحفنة القليلة من أهل بيت السلطة المعنيين باتخاذ القرار حول هذا الملفّ الحساس، والحاسم المتفجّر في آن.
تلك الثوابت ـ التي تأخذ غالباً صيغة حسابات ربح وخسارة في شأن منجاة أو مقتل النظام أساساً ـ لم تكن بيضاء أو سوداء، بل ظلّت رمادية متقلّبة سريعة التلوّن، تشترك في قاسم مركزي هو أنها بالفعل تدفع إلي خيار السلام. وثمة ما يلي من أسباب وراء ذلك الامتياز في البطء والتباطؤ تارة، والمسير خبباً أو عَدْواً طوراً:
1 ـ الأسد الأب لم يكن علي عجلة من أمره، وحاله لم تكن حال منظمة التحرير أو المملكة الأردنية أو مصر، سواء لجهة الماكرو أو الميكرو ـ اقتصاد، أو لجهة الاقتصاد السياسي البسيط والحاسم. وحين كانت معدلات محصول القطن والفوسفات في سورية تزيد بنسبة 20 إلي 25% في عام 1992، كان الأسد الأب يجتمع بوفد من أبناء الجولان ليقول: لا تفريط في حبة رمل واحدة من تراب بلادنا، والاستسلام ليس في قاموسنا. فوق ذلك، كانت مغانم الاشتراك في عاصفة الصحراء تلوح في الأفق قبل أن يشيح الحلفاء الخليجيون بوجوههم وجيوبهم.
2 ـ ولكن الاقتصاد السوري كان ويظلّ في أزمة عضوية ليست حديثة العهد، والأسد الأب أقام معادلته علي أساس خطوة سلام واحدة، مقابل خطوة انفتاح ليبرالية اقتصادية واحدة . لا شيء يسبق، لا شيء يتخلّف. ذلك جعلنا، في حينه، نشهد رئيس غرفة التجارة بدر الدين الشلاح يهلل للسلام، ورئيس غرفة الصناعة يحيي هندي يشكك في السلام: الأول من منبر وول ستريت جورنال امتداحاً للعبقرية التجارية المرتقبة بين السوريين وجيرانهم الإسرائيليين، والثاني من منبر إذاعة دمشق رثاءً للصناعيين المحليين والمانيفاكتورات الوطنية التي سيبتلعها المال الخارجي المضمخ برائحة يهودية. وفي الحالتين كان التهليل والتشكيك يعكسان أعراض التأزم، مثلما كانت تعكسه غمغمة كوادر حزب البعث الحاكم التي تربّت علي مبدأ فلسطين قبل الجولان ويُراد لها الآن أن تقول: مرصد في صفد مقابل مرصد في قاسيون، والله يحبّ المحسنين !
3 ـ اقتضت المفارقة أن يكون السلام مطلوباً بشروط قائمة علي حسابات خارجية باردة (اعتبرها البعض مشرّفة و وقفة عزّ لا تشبه خضوع الفلسطينيين والأردنيين، بل والمصريين أيضاً). أما الظروف الداخلية فقد وضعت السلام علي جدول أعمال الحياة اليومية، التي لا تقبل سوي الحسابات الساخنة والحلول العاجلة.
4 ـ هذا الوضع الجدلي كان يفضي بالنظام السوري إلي واحد من راعيين، أو إلي كليهما معاً: واشنطن أوالرياض. وغني عن القول إن الراعيين يملكان من أسباب الاتفاق بينهما (وأي اتفاق!) ما يجعل خيارات دمشق في المناورة تمرّ من خرم إبرة. وفي السياسة يحدث كثيراً أن تضطر الميكيافيللية الماهرة إلي إبداء قدر كبير من التواضع، لكي تمرّ من ذلك الخرم الذي ينصبه التاريخ في البرهة القاتلة.
في مقابل هذه الفلسفة، كانت الفقرة 2 من وثيقة التفاهم، التي توصّل إليها ـ رسمياً جداً، هذه المرّة! ـ فاروق الشرع وإيهود باراك برعاية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، قد تحدّثت عن إقامة علاقات دبلوماسية وقنصلية، بما في ذلك تبادل السفراء المقيمين. الفقرة 3 ركزت علي تبادلية المصالح في إطار علاقات جوار طيّبة ومشرّفة قائمة علي الإحترام المشترك في: أ) توطيد علاقات المنفعة الإقتصادية والتجارية بما في ذلك السماح دون عوائق بانتقال الأفراد والبضائع والخدمات بين البلدين؛ ب) إزالة جميع الحواجز التمييزية أمام العلاقات الإقتصادية الطبيعية، وإنهاء أشكال المقاطعة الإقتصادية، وإلغاء التشريعات التمييزية، والتعاون لإنهاء المقاطعة ضدّ أيّ طرف من قبل طرف ثالث؛ ج) توطيد العلاقات في مجال النقل، بما في ذلك فتح وصيانة الطرق ومعابر الحدود الدولية والتعاون في تطوير السكك الحديدية، ومنح الحقّ الطبيعي في استخدام الموانيء أمام السفن، والدخول في علاقات نقل جوّي طبيعية؛ د) إقامة علاقات طبيعية علي مستوي اتصالات البريد والهاتف والتلكس والفاكس والإذاعة والتلفزة الفضائية، دون عوائق تمييزية؛ هـ) توطيد التعاون في ميدان السياحة من أجل تسهيل وتشجيع السياحة المشتركة، والسياحة من بلدان ثالثة...
صحيح أنّ التفاهم انهار، ولكنه انهار لأسباب لا تخصّ مفردات الفقرتين 2 و3 اللتين ترسمان معالم الاقتصاد الاجتماعي ـ السياسي، وربما الثقافي الإنساني، لأية اتفاقية سلام سورية ـ إسرائيلية قادمة. وبالتالي يجوز، مجدداً، طرح السؤال العتيق إياه: ما الذي فعله التطبيع المصري أو الأردني أكثر من هذا التطبيع كما اقترحه مسوّدة اتفاق 1999؟ وما الذي ستفعله أية مسوّدة أقلّ مما فعلته اتفاقيات كامب دافيد لجهة الإستفراد الإسرائيلي ـ الأمريكي بملفّات الصراع، وتحويل الحقوق العربية إلي نزاع تقني حول الحدود الدولية؟ ولماذا تبدو موادّ وفقرات وبنود تلك المسوّدة، مثل تفاهمات سليمان ـ ليئال اليوم، وكأنها تُختزل إلي مقايضة واحدة وحيدة هي تنفيذ انسحابات من الجولان، غير كاملة أبداً ومنتقِصة للسيادة السورية في أبسط مستوياتها، مقابل تقديم كلّ شيء، داخلياً وعربياً وإقليمياً؟
الجواب بسيط بقدر ما هو واضح جليّ للعيان: كيف يمكن لنظام، مستبدّ وراثي حوّل سورية الي مزرعة نهب وفساد وإفساد، أن ينجز سلاماً أكثر ربحاً مع دولة مثل إسرائيل؟ وكيف يمكن له أن لا يقايض منجاته بأية صفقة تُعرض عليه، أياً كان الثمن... البخس؟

ہ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة