|
تجيء زيارة وزيرة
الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس لبعض دول الشرق الاوسط لتؤكد ان تنامي
قوى الممانعة للرئيس جورج بوش ولسياساته في العراق لن تحول دون استمرار
التزام الادارة الاميركية التحريض والعمل على تقويض القوى الرافضة لسياستها
والمتصاعدة في عدد متزايد من الاقطار العربية. بمعنى آخر ان الممانعة
المتصاعدة ضد الحرب في العراق، والتي تجلت في استيلاء الديموقراطيين على
الكونغرس الاميركي، يجب الا تعطي القادة الذين تزورهم الوزيرة رايس اي
انطباع أنها تغيّر في السياسات والممارسات الأميركية في "المنطقة".
وتنامي الممانعة الاميركية لن تكون له اي علاقة مباشرة او غير مباشرة
بالحرب التي تشنها ادارة بوش على قوى الممانعة لسياستها – وسياسات اسرائيل
بالطبع – في "الشرق الاوسط"، كما ان الوزيرة رايس ادركت وفق شهادتها اما
اللجنة الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ ان مساءلة ادارة بوش عن تداعيات
واخفاقات الولايات المتحدة في مغامرة العراق لم تعد محصورة في اعضاء الحزب
الديموقراطي، بل ان عددا متزايدا من الشيوخ الجمهوريين يكادون أن يصبحوا في
عداد المعارضين، مما يعزز مستقبل المساءلة ثم الاجابة المغيبة حاليا عن
الاسباب الحقيقية التي دفعت ادارة بوش الى غزو العراق في آذار 2003.
من هذه الزاوية تبين دوافع رايس سرعة الزيارة بعد يوم من المواجهة المريرة
التي لم تتهيأ لها، حيث طرح اسئلة 21 من اصل 32 عضوا في اللجنة الخارجية
لمجلس الشيوخ. كما ان ادارة بوش تسوّق انه مهما تعززت قوى الممانعة داخل
الولايات المتحدة سوف تبقى صلاحيات السلطة التنفيذية اي ادارة بوش كما هي
وان السيدة رايس مطالبة باقناع الدول العربية بعدم المراهنة على تغييرات او
تعديلات في ثوابت ادارة بوش في ادارة الحرب في العراق و"خريطة الطريق" في
الصراع الفلسطيني – الاسرئيلي. ازاء هذه الافكار لفعل ممانعة الرأي العام
الاميركي والكونغرس الآخذ بدوره في ممارسة صلاحيته الدستورية لن تكون
الثنائية الجديدة القائمة في السياسة الاميركية ولا يجوز ان تبقى غائبة عن
رؤى التعامل مع هذه الثنائية المستجدة، خصوصا ان موضوع العراق ومغامرة
ادارة بوش فيها والدور الطائش للمحافظين الجدد الصهاينة في الاعداد لها
ودفع الادارة الى القيام بها هي من الاسباب التي افرزت الثنائية التي
يمكنها فرملة تمادي ادارة بوش في سياستها الحالية.
على الحكام العرب الذين تزورهم وزيرة خارجية الولايات المتحدة ان يؤكدوا
ادراكهم باستمرار صلاحيات ادارة بوش وفي الوقت نفسه ان التعامل مع الولايات
المتحدة لن يبقى محصورا باستمرار في الاطار الحالي، بل في ابلاغ رايس ان
المستجد في العلاقة من شأنه ان يعجّل في هذه الثنائية الجديدة وأن يراعي
اهميتها المتنامية، بخاصة أن قطاعات مهمة من المؤسسة الاميركية مثل لجنة
بيكر – هاملتون التي اهمل اقتراحاتها الرئيس بوش سوف تمارس نفوذا على
صياغات مستقبلية، وإن تكن محذوفة الآن مما سوف يتبلغه المسؤولون العرب
الذين سوف تقابلهم رايس في الأيام المقبلة.
• • •
اعتقد ان على المسؤولين
العرب الذين يستقبلون رايس ابلاغها أن الرأي العام العربي – واذا تمكنوا من
القول انهم يشاركونه – لا يقبل بالتصنيف الجائر بين قوى "الاعتدال" وقوى
"التطرف" الذي تسوّق له الوزيرة رايس تمهيدا لترسيخ سياسة المحاور، وان
اسرائيل في تصرفاتها العدوانية وممارستها العنصرية واقامتها المستوطنات
وضمها القدس وحرمانها التعاطي وحق العودة وغيرها من الارتكابات وطعنها
بشرعية المحكمة الدولية وقرارات الامم المتحدة هي بالنسبة للعرب الاولوية،
تأكيدا لحقيقة اكيدة أن القضية الفلسطينية تبقى في نهاية المطاف الحلقة
المركزية في واقع الامة العربية ومستقبلها، المسماة خطأ "منطقة الشرق
الاوسط". من هذا المنظور يترتب على الخطاب العربي الرسمي ان يتميز بشفافية
واضحة لئلا يستمر اعضاء ادارة بوش مثل ادارات اميركية سابقة في الادعاء "ان
ما يقوله المسؤولون العرب لنا في السر مختلف عما يعلنونه. هذا الاستنتاج
المهين، إن ثبتت صحته، وقد ثبت في كثير من الاحيان، على المسؤولين العرب في
هذه المرحلة المفصلية ان يلغوا اي اتجاه اليه، وانهاء أي ميل الى هذه
الازدواجية المخجلة التي وان آلت الى "الطبطبة" على أكتاف المسؤولين بإعلان
كونهم "واقعيين" الا ان هذا يكون على حساب احترام القادة العرب الذين
يتنصلون بالسر عما يقولونه في العلن.
ثم على المسؤولين العرب التي سوف تلتقيهم السيدة كوندوليزا رايس التوضيح ا
ن العرب اجمالاً لا يوافقون على التصنيف الاميركي للاعتدال وللتطرف. فالعرب
يعتبرون ان الربط الاميركي بتعريف الاعتدال - أو المعتدل - بكونه يسهّل
للولايات المتحدة تحقيق مطالبها وتحيزها المرفوض لاهداف اسرائيل وممارساتها
العدوانية في المنطقة العربية. من هنا تتبين لنا خطورة المساعدة العسكرية
بمبلغ 86 مليون دولار لرئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية لأنها تمعن في دفع
التناقض المخيف والمعيب في الوقت نفسه الى قتالات عصية على الحل، وبالتالي
يحول في شكل دائم دون وحدة الشعب الفلسطيني التي هي في نهاية الامر المنطلق
الأوحد لاسترجاع حقوقه وضمان مناعته. ان الاعتدال بمعنى التبعية هو تزوير
فاقع، ووصف الاصرار على الحق بكونه تطرفاً ثبت تاريخياً وفي الواقع انه
اجترار مبتذل لأداء قوى تحاول الهيمنة والسيطرة على مصائر الغير كما في
الكثير من الحالات العربية الراهنة. وان محاولة اعادة اللحمة بين شرائح
"حماس" و"فتح" الجارية حالياً هي الرد الفوري على التحريض المبطن وعودة
الوحدة الوطنية وشرعية كل من انتخبهم الشعب الفلسطيني، رغم تحفظي عن
اتفاقات اوسلو التي وصفتها بمصيدة اعاقت في شكل خطر تحقيق الحد الادنى من
حقوق الفلسطينيين.
•••
كما ينطبق مطلب المصارحة
ان يعلن المسؤولون العرب عن ادراكهم ان الغياب العربي عن مآسي العراق هو
احد الاسباب الرئيسية للتدهور والتشرذم والاقتتال المستمر هناك وان يسارعوا
الى تعميم الحضور الفاعل من خلال مراجعة نقدية قاسية للتقاعس الذي لا يزال
يفسر التلكؤ عن الحضور الفاعل او التواصل مع معاناة الشعب العراقي،
وبالتالي جعل العراق ساحة للتنافس او المواجهة الاميركية - الايرانية. وهذا
ما يدفع ادارة الرئيس بوش الى التفرد في تقرير المصائر الامنية والسياسية
والمستقبلية للعراق وشعبه.
هذا الاستفراد الاميركي يدفع نحو مقولات منفرة، لا بد ان تكررها زائرة
المنطقة كوندوليزا رايس، كالقول ان سوريا وايران "تعرفان ما عليهما ان
تقوما به"، اي الامتثال بما تمليه المطالب الامنية والسياسية لوجود
الاميركيين الاحتلالي، رغم السيادة الشكلية، في بعدي الأمن، بما فيها زيادة
القوات الاميركية بنحو 21 ألف جندي وقد تصل الى 92 ألفاً، كما المح وزير
الدفاع الاميركي غاينس. كما ان محادثات رايس قد تتناول انشاء عدد من
القواعد العسكرية "المؤقتة" كعنصر مساعد "لانهاء النزاع في العراق"،
وبالتالي لمزيد من "ضمان الاستقرار فيه". كما يتعين في هذا السياق ان يتم
"تنسيق مخابراتي" أكثر نجاعة في مجالات مكافحة الارهاب، علماً ان التنسيق
الدولي بين اجهزة المخابرات في موضوع الارهاب هو مطلب قانوني. ويجب ان تدرك
الوزيرة رايس ان العرب يشاركون المجتمع الدولي في ضرورة وحتى اولوية مكافحة
الارهاب، لكنهم يرفضون في شكل قاطع الدمج بين مقاومات وممانعات شرعية، وبين
الارهاب. وكان المحافظون الجدد واسرائيل تمكنوا من التضليل بجعل كل ممانعة
شكلا من الارهاب، كما حاولوا داخل الولايات المتحدة اثناء مرحلة سيطرتهم
على الخطاب لادارة بوش اتهام معارضي الحرب في العراق بكونهم "لاوطنيين".
وهذا الدمج بين الممانعة، في الولايات المتحدة وفي الحالة العربية، يجب ان
يفكك حتى يستقيم الحوار الاميركي - العربي في المدى القريب. وان استقامة
قواعد الحوار هو المدخل الى التفاهم وبالتالي استقامة العلاقات.
•••
واذا كانت حالتي فلسطين
والعراق اكثر سخونة فان الحالة في لبنان ليست في حال الدفء المطلوب، وان لم
يكن التحريض الاميركي على قوى الممانعة غير متبلور في الشكل الفاضح كما في
الحالتين العراقية والفلسطينية، فان استمرار الشرخ بدون معالجة فورية قد
يجعل لبنان عرضة لتأجج التوترات الاقليمية على ارضه، في حين ان تجاوز
الشرخ، وهذا ممكن ومطلوب، يتيح للبنان ان يكون مساهماً في عملية تصويب
وادارة ما يجب أن يكون عليه الحال العربي. فالعناد المسيطر على مواقف كل من
الحكم ومن المعارضة اذا بقي سائداً يفاقم الازمة، فيفوت لبنان على نفسه
استنفار مخزون الحكمة الكامنة فيه. والتي يواصل النظام الطائفي استبعاد
حضورها وتهميشها.
ان الوزيرة رايس سوف تجتر في زيارتها سياسات ومطالب من المسؤولين العرب،
كما انها سوف تمعن في سياسات التحريض على الممانعة العربية والحيلولة دون
اي تأثير ناهيك بأي ربط بين نمو الممانعة الاميركية لسياسات ادارة بوش في
منع التنسيق بين الدول العربية، ودفعها لاخراجها من دورها القوي، وخصوصا ان
الممانعة العربية الشرعية تشكل اللبنة في بناء قدرة العرب على تقرير مصيرهم
وازالة التناقضات في مواقفهم.
ان وحدة سياسة العرب تجعلهم قادرين على المناعة وبمنأى عن الانقسامات
المدمرة التي تهدد طاقاتهم وتبعثر جهودهم التنموية.
واذا افاق المسؤولون العرب في هذه المرحلة على مسؤولياتهم حيال التاريخ
فلعل هذه الزيارة تزيل بعض الاساءات التي اقدموا عليها بتبعيتهم لادارة بوش
والتي لم تكتف بما انزلت بنا من شرذمة وتقسيم. وعندئذ قد تكون القمة
المقبلة العربية في شرم الشيخ قمة اخراجنا من الحضيض الذي نحن فيه.
. |