|
فيما يقف لبنان على شفير جرف هار متخبطا في كوارث وجودية شاملة
بدءا من البؤس المتزايد، والتعسف المتعاظم، والتلوث المتصاعد، مرورا
بالديون
الفلكية والمفاسد، وانتهاء بالانقسامات السياسية والفتن الطائفية، تكثفت
حميّة
البحث عن سبل الخلاص والمخلّصين. ومن هنا تتالت الدعوات الى التحاور والعمل
بمبدأ
التشاور، وتكاثر دعاة الحرية والديموقراطية المطالبين ببناء الدولة ـ الوطن
على ما
نشهده من خطابات سياسية نارية، ومقابلات تلفزيونية، ومقالات صحافية، حيث
يدعو كل
فريق الفرقاء الآخرين الى حزم أمرهم والمسارعة بالانخراط الفعّال في مشروع
الدولة،
جاعلا نفسه الأب الحقيقي له، والمؤتمن عليه، من دون ان يغفل طبعا عن
اتهامهم في صدق
ولائهم الوطني. وأيا تكن المزاعم والادعاءات، فلا مفر في النهاية لأي مجتمع
من
اجتراح الحلول التي تؤمن له ديمومته وتطوره، خاصة عندما تبلغ تناقضاته
التناحرية
مبلغا يهدد صميم وجوده كما هو حاصل عندنا اليوم. بالفعل، فلا شيء في لبنان
يوحي
بالاطمئنان او يعد بالأمان، بل يمكن القول إن كل شيء يبعث على اليأس
والغثيان. ومنذ
أمد بعيد، لم يعد مجتمعنا الحالي الذي يمزقه الصراع على الحطام، واستقطاب
القوى
الطائفية، والولاءات الخارجية، والاغتيالات السياسية يعرف السبيل الصحيح
الى حياة
الدعة والاستقرار. ولم يعد بمقدور الافراد إيجاد متسع لالتقاط أنفاسهم وبرّ
آمن
يرسلو عليه قرارهم. وفي ظل نمط من الحياة بات فيه كل شيء معقولا الا
المعقول نفسه،
ولكل واحد الحق في كل شيء الا في الحق، وتسوده حالة انعدام الوزن
والاستنفار الدائم
للمواجهات الداخلية والخارجية، لا غرابة في ان تنهار أحلام اللبنانيين
بربيع رفاه
موعود، وان تتهاوى آمالهم على طريق مسدود.
إن التفكير في حل فعّال لخلافاتنا
وأزماتنا الخانقة لا بد من ان يدفعنا الى مساءلة الأصول ومراجعة المنطلقات
التي
ينهض عليها اجتماعنا ونظامنا السياسي. نعم، ثمة ضرورة راهنة لإعادة النظر،
واستئناف
القول في جملة من المفاهيم التي تدار بها شؤوننا، والصيغ الملغومة التي
استنفدت
نفسها وتحولت الى مصنع يعمل بكامل طاقته على إنتاج المزيد من الفتن والمآسي
والانشقاقات. وفي طليعة هذه المفاهيم يأتي مفهوم «الديموقراطية التوافقية».
لا
شك في أن الحفر في طبقات هذا المفهوم يحيلنا الى طرح مجموعة متصلة من
الاسئلة: هل
الديموقراطية التوافقية حقيقة أم أكذوبة ووهم؟ وهل يمكن الجمع بين منطق
الدولة ـ
الوطن ومنطق الطوائف؟ وهل يمكن التوفيق بين الديموقراطية والطائفية؟ وهل
المتحاورون
ـ المتشاورون الذين تشكل الطائفية شرعتهم الاصلية وعلة وجودهم، على افتراض
نبل
دوافعهم وحسن نواياهم، جادون في ما يعلنونه من حرص على الوحدة الوطنية
والحرية
والسيادة؟
من الأطروحات الرائجة لدى بعض الساسة، ومنظري القوى السياسية
(الطائفية
من حيث بنيتها التنظيمية والثقافية منها خاصة)، الاطروحة القائلة بأن
الديموقراطية التوافقية هي الصيغة الامثل التي تحفظ لبلد متعدد الطوائف
والمذاهب
كلبنان توازنه وتمنع طغيان طائفة على أخرى، وبأن المقوم الطائفي اللاعلماني
لهذه
الصيغة لا يتعارض البتة مع السمات الجوهرية للديموقراطية. فهي، في نظرهم،
تراعي
خصوصيات الاقليات والأفراد على السواء، وتضمن حقوقهم وحرياتهم. ولا عجب ان
نسمع هذا
الكلام من أفواه مقاولين سياسيين وفكريين امتهنوا الركمجة على انواعها. غير
أن
الغريب واللافت، هنا ان نرى بعض مفكّرينا ممن اشتهروا بالنقد البناء لمنطق
الأصوليات وفضح آليات الالغاء والاستبداد التي يستبطنها الخطاب الطائفي،
يُقرّون
بصورة مضمرة إمكان تعايش الديموقراطية والعلمانية مع نظام ديني، على اعتبار
ان
المسألة، اليوم، تتعدى ثنائية الدولة الدينية والدولة العلمانية، وان ثمة
نبويين
لاهوتيين يمارسون تدينهم وسلطاتهم على رعاياهم بطريقة علمانية، دنيوية،
مفتوحة،
ليبرالية، سمحاء. صحيح ان هناك رجال دين من مختلف الأديان يمارسون تدينهم
بطريقة
مرنة منفتحة، وهذا ما قد حصل بالفعل فيما مضى، وهو حاصل اليوم بشكل او
بآخر، ولكنه
لم يصبح ممارسة نمطية وقاعدة سوية، ولم يُكتب له الرسوخ والانتشار، إنما
بقي
استثناء لا يعول عليه في تسويغ إمكان المزاوجة بين الديموقراطية والانظمة
الدينية
والطائفية. اذ ان سنونوة واحدة لا تبشر بقدوم الربيع على ما يقول ارسطو.
فالتجارب
التاريخية لكل من المسيحية والاسلام واليهودية حبلى بالأمثلة والشواهد على
ما تعرض
له أصحاب الفكر الحر والرأي الآخر من اضطهاد، ونفي، وقتل، وتبديع، وتكفير،
وعلى ما
تعرضت له روائعهم الفكرية من حرق، وادراج في لائحة الكتب الممنوعة
(Index librorum prohibitorum).
وفي هذا السياق، لا نريد ان يُهيأ للقارئ اننا نماهي
الديموقراطية بالعلمانية. ثمة أنظمة وقوى سياسية علمانية كثيرة تمارس
سلطاتها
بطريقة ديكتاتورية كليانية، كما حصل إبان الحقبة النازية، والحقبة
الستالينية، وكما
هو حاصل الآن في أغلبية دول ما يسمى بالعالم الثالث. وما يعنيه هذا هو أن
ليس كل
نظام علماني هو بالضرورة ديموقراطي، او بعبارة اخرى، إن بعض الأنظمة
العلمانية هي
أنظمة غير ديموقراطية. فالعلمانية شرط ضروري للديموقراطية، لكنه ليس شرطا
كافيا.
وفي المقابل، فإن كل نظام لا علماني، أيا كان شكله، هو حتما نظام غير
ديموقراطي
ومنغلق. فالديموقراطية لا تستقيم من دون علمانية.
ان الطابع الكلياني
الاستبدادي للنظام اللاعلماني لا يقتصر على نموذج، او على حالة جزئية خاصة
من
تجلياته المتنوعة. فهو قد يتجسم في صورة الدولة المسيحية القروسطية، حيث
تماهت
الكنيسة بالاقطاعية السياسية، واحتكرت طبقة الاكليروس السلطة المطلقة، آخذة
على
عاتقها مهمة الحق الحصري في القول الفصل في كل ما يتعلق بالشؤون المعرفية،
والاخلاقية، والسياسية، والاخروية. وقد يتجسد ايضا في لباس إسلامي على
الطريقة
الطالبانية في افغانستان. وقد يتجلى على نحو غير مباشر ومُقنّع، كما هو
الحال في
لبنان الذي يقوم نظامه السياسي على معادلة مركبة عمادها الثنائية الدينية
والتعددية
الطائفية. لا ينبغي، بالطبع، ان يُفهم كلامنا هذا على أنه إنكار لإمكان
ازدهار
الديموقراطية في مجتمع متجانس دينيا، او في مجتمع متعدد الديانات والمذاهب،
بل ان
ما نريد التأكيد عليه هو استحالة تعايشها جنبا الى جنب مع الدولة الدينية،
أكانت
اسلامية ام مسيحية، أم مختلطة، وبالتالي، يتعذر على الديموقراطية ان تتأسس
على تربة
نظام طائفي، لأن ما ينطبق على الاصل، في هذه الحالة، ينطبق على الفصل.
فالطائفية
السياسية والديموقراطية أمران مترافعان.
ولكي لا يُساق الكلام جزافا، كالرماية
في عماية، لا غنى عن تحديد المسوغات المؤسسة لافتراضنا القائل بتعذر
التوفيق بين
الطائفية السياسية والديموقراطية، وخاصة اذا ما عرفنا ان الاعتراضات ستنهال
عليه من
كل حدب وصوب، بدعوى مفادها ان الأديان بجميع طوائفها تدعو الى المحبة
والتسامح وعدم
التفريق بين البشر، لأن ربّاً واحدا لهم، والى المجادلة بالعقل والتي هي
أحسن، بدلا
من المجادلة بالقتل، والى حل الامور بالشورى... الخ. بيد ان نظرة خاطفة الى
تاريخ
العلاقة بين مختلف الملل والنحل سرعان ما تبدد هذه الاعتراضات مؤكدة ان
اتباع
الشرائع لا يحسنون سوى مخالفة ما يبشرون به ويدعون اليه. فلا شيء من
الموعود موجود.
اذ ان التجارب الدينية لم تجد السبيل السوي الى المصالحة بين المبادئ
الاخلاقية
والحياة، ولم تفلح في التقريب بين البشر واستئصال الفتن ومظاهر الوحشية.
فلا وحدة
الانتماء الديني ولا الخوف من الله، ولا الوصايا العشر، ولا المواعظ
الدينية منعت
المؤمنين من ان يذبحوا بعضهم بعضا وتقديمهم قربانا لضم معبود واحد وهو
الاصطفاء.
والحق ان جميع الحركات الاصولية الطائفية ولئن كانت متباينة اسماؤها
وطقوسها
وشعائرها فهي مترادفة ومتشابهة في منطقها وبديهياتها. والواقع ان القاسم
المشترك
الذي يجمعها هو نفسه الذي يفرقها ويباعد بينها مولدا العنف والكراهية
والاستبداد.
وهذا القاسم يتجلى، على الاقل، في اوهام ثلاثة متشابكة لا فضل فيها لطائفة
على
اخرى، ولا يعود معه ثمة فرق جوهري بين معنى ان تكون طائفيا شيعيا او درزيا
او سنيا
او مارونيا... وما شابه. والأوهام الثلاثة هي:
وهْم الاصطفاء، وهْم الشمولية،
وهْم المطلقية.
اما وهْم الاصطفاء فهو مستنقع عميق غرق فيه الاكثرون وما نجا
منه إلا الأقلون بما هو نمط من العلاقة بالذات وبالآخر قوامه الاستعلاء
الفئوي
النرجسي الوجودي والمفاضلة والحق الحصري بالحقيقة والخير واحتكار الثروة
والسلطة.
فكل فرقة او طائفة تزعم انها الفرقة الناجية، لان الله حباها من دون غيرها
بالعلم
الصحيح والعمل الفاضل. وفي ضوء هذه الرؤية يصير الآخر حتما هو الجاهل
والشرير
والاصل الشيطاني الذي تتوجب محاربته وتطهير البلاد والعباد منه. لا شك في
ان وهما
كهذا انما يتأسس ايديولوجيا على نظرة احادية تبسيطية قبلية لا تاريخية الى
كل من
الحقيقة والخير. وبيان ذلك ان الاصطفائي يتعامل مع الحقيقة بوصفها معطى ما
ورائي
غيبي ثابت مسطور بين دفتي كتاب مقدس يشتمل على اجوبة وحلول لمختلف المسائل
العلمية
والعملية، الدنيوية والآخروية. وما على المرء سوى ان يُحسن تأويل النص
وتدبره على
الوجه الصحيح حتى يتيسر له استجلاء المقاصد الخفية والحقائق الكثيفة
والمعاني
اللطيفة والخبر اليقين عن كل ما فات وكل ما هو آت. وعليه، تصبح الحقيقة
ضربا من
المطابقة والمحاكاة بين النص والواقع، لكنها مطابقة مقلوبة رأسا على عقب
يتم
بموجبها لوي عنق الواقع وتقييد الفكر لصالح النص، اي موافقة ما في الحياة
والذهن
لما هو وارد في النص، ومناسبة الاحوال وفقا لمقتضيات المقال. فالنص هو
السلطان
المطلق الذي لا صوت يعلو عليه وهو المعيار النهائي وفيصل التفرقة بين الخطأ
والصواب، بين الخير والشر. انه مصداق ذاته يُحتكم اليه ولا يُحكم عليه. لذا
يجهد
الاصطفائي الطائفي نفسه، وبصورة لا تخلو من الاساءة الى الدين والعلم معا،
لاثبات
ان كل ما يجري في العالم من احداث تاريخية وطبيعية وفتوحات علمية قد أتى
على ذكره
نصه المقدس الذي أحاط بكل شيء علما دونما أدنى تفريط. ولا يخفى ما ينطوي
عليه هذا
الموقف من ميل قوي الى الاستئثار الحصري بالحقيقة ما يؤدي الى فتح الابواب
واسعة
امام شتى الوان القرصنة العلمية لانكار جدة واصالة ما يبدعه الاخرون. واذا
كانت كل
طائفة تدعي ان نصها هو الاصل الذي ينطق بالحق، وان الحقيقة واحدة، فلا مناص
عندئذ
من ازدراء النصوص الاخرى واعتبارها مزيفة لا تنطق الا بالهوى. والنتيجة
لذلك المزيد
من الانغلاق والتعصب والاستبداد والجمود. ولعله لا مبالغة في القول ان
الاستبداد
المعرفي هو احدى الطرق الملكية للاستواء على عرش الاستبداد السياسي
والسلطوي.
اذا كنا لا نروم هنا البحث في العلاقة بين المعرفة الدينية والمعرفة
العلمية، وكيف ان الأولى لا يمكن ان تكون مصدرا للثانية حتى وان تضمنت بعض
الحدوس العلمية، فإنه لا بد من الإشارة الى ان الحقيقة تعصى على جميع سجلات
القيد الديني والمذهبي والعرقي، وبالتالي لا إمكان لتهويدها او تنصيرها او
أسلمتها. فما ان تقال الحقيقة حتى تصبح ملكا لكل الأجيال ورأسمالا معرفيا
عاما. وبالفعل، فالحقيقة ليست معطى ثابتا ونهائيا يهبط من عل، لان معرفتنا
بالعالم وبذاتنا لا تتم في فضاء مفرغ خارج التاريخ، وانما هي سيرورة
إنسانية تاريخية معقدة وممارسة اجتماعية ومكاشفة لامتناهية وخلق متبادل بين
الفكر والوجود. لذا فهي أعظم من ان يختزلها معتقد او ان يستنفدها نص. فإن
النصوص المتناهية لا تستوعب الوقائع غير المتناهية على ما أكد بحق حجة
الاسلام أبو حامد الغزالي.
وبالانتقال الى الاصطفائية في أبعادها ومفاعيلها الاخلاقية، فإننا نلاحظ
المنطق الحصري ذاته يسري على الخير. وهنا ايضا يتم التعامل مع المفاهيم
والمبادئ الاخلاقية كجواهر قبلية مفارقة مطلقة بمعزل عن شروط إمكانها وظروف
تكونها ومراحل تطورها. ان خيرية اي فعل او اي شيء تنبع من كونه شيئا يأمر
به الله، وان الشر هو كذلك لأن الله وحده هو الذي ينهى عنه. فليس للقيم
وجود موضوعي مستقل عن ارادة الله. ومن هذا المنظور ينبغي ادراج العالم تحت
الاخلاق والبحث عن مصدر المعايير والمبادئ الاخلاقية في الدين بدلا من
اشتقاقها من انماط حياتهم وواقع احوالهم. ومن هنا، نزعة الفكر الاخلاقي
المثالي عموما، والديني خصوصا، الى اعتبار المفاهيم الاخلاقية القوة
الأولية والحاسمة المدعوة الى اقامة النظام في عالم الاهواء البشرية
الجامحة وفرض الانسجام في فوضى تضارب المصالح المتزاحمة، والموجهة لسلوك
الافراد وعلاقاتهم الاجتماعية. والحق انه لا يمكن معالجة حياة الانسان
والمجتمع بجدية وفعالية انطلاقا من منطق الوعي الاخلاقي المقلوب الذي يتحرك
من الفكر الى الحياة ومن الوجوب الى الوجود، لان التصورات والمعايير
الأخلاقية لا تخلق ولا تبتدع العلاقة الاجتماعية بين البشر، بقدر ما تعكس
وتشرع (بدرجات متفاوتة من الدقة) العلاقة العملية الاجتماعية التي تنطوي
على طبيعة واقعية وموضوعية تماما. فالواجبات المتبادلة بين الناس لا تنشأ
بفعل استيقاظ وعي الواجب او لأن الشرائع تأمر به، بل لأن الناس، في النمط
الواقعي لحياتهم (حاجات وانتاجا وتبادلا)، مرتبطون في ما بينهم بالتزامات
واعتمادات متبادلة ملموسة. فالكل بالكل مربوط، ويحتاج في قوامه وبلوغ أفضل
كمالاته الى الكل. ليست العقائد هي ما يقرر القيم وخط السلوك، إنما تحددها
النحل المعاشية، بحسب ما بيّن ابن خلدون. والى ذلك، فاذا ما دخلت مصالح
الناس في تعارض مع الحقائق العلمية والمبادئ الاخلاقية، فإنهم يؤثرون،
بصراحة لا تخلو من الوقاحة، تكذيب هذه الحقائق والمبادئ على إعادة النظر في
مدى مشروعية مصالحهم.
ولمّا كانت الجماعات الطائفية ـ السياسية ـ كائنة ما كانت هويتها الدينية ـ
تزعم احتكارها الحقيقة المطلقة، فإنه من المتوقع ان تدعي امتلاك المعايير
الاخلاقية الصحيحة، والمعرفة الحقة لما تعنيه إرادة الله ورسالته، وأن لا
جماعة سواها تمثل هذه الإرادة خير تمثيل. بعبارة اخرى، ان الملكية الحصرية
للحقيقة لا بد من ان تتضاعف بالملكية الحصرية للخير، وإن الصراع على الأولى
يؤدي الى الصراع على الاخرى. وهذا الصراع الاصطفائي هو، في الحقيقة، ثمرة
اقتران وهمين او نزعتين ايديولوجيتين شقيقتين: وَهْم الشمولية، ووَهْم
المطلقية. ولا تعرى الحركات الطائفية السياسية من منزع شمولي يبيح لها
الاستئثار بالسلطة المطلقة والدائمة، على اعتبار انها تملك منظومة عقيدية
كاملة وصحيحة، تفسر جميع الوقائع، وتقدم حلولا صائبة للمشكلات الحياتية،
العامة منها والخاصة. وهي بذلك لا تقتصر على تسييس الدين فحسب، بل تذهب الى
ما هو أبعد من ذلك، الى ديننة المجتمع والحياة. وبدورها تفترض النزعة
الشمولية وَهْم المطلقية وتستدعيه. أما الطابع المطلق الموهوم فيتجلى في
اعتقاد هذه الجماعات اولا بأن ايديولوجيتها تشتمل على مبادئ وقواعد واحكام
وحقائق عابرة للازمنة والأمكنة، لا ينتهي تاريخ صلاحيتها حتى يرث الله
الارض ومن عليها. ثانيا، ان هذه المبادئ لا يمكن ان تتعارض بعضها مع بعض في
مطلق الأحوال. ثالثا، إنها مطلقة بحكم كونها صادرة عن كائن مطلق لا يطرأ
على كلامه اي تغير او تبدل. رابعا، انها مطلقة بمعنى أنها المرجع الوحيد
والأساس الأخير لكل المبادئ الصحيحة العلمية والعملية.
ولو أمعنّا النظر في النتائج المترتبة على تزاوج الأوهام الثلاثة المذكورة،
لوجدناها، مجتمعة او منفردة، تتعارض مع مبادئ الممارسة الديموقراطية، بما
هي انفتاح ومشاركة وتكافؤ واستئهال وحق في الاختلاف وحرية في التفكير
والتعبير والتغيير. ولوجدناها ايضا تنسف من الجذور كل إمكانية مبدئية
للتفاعل الخلاق والتعايش السلمي والاتفاق. وبالفعل، كيف يكون السبيل الى
التعارف والتوافق ممكننا، والطريق اليهما سالكا، ما دامت الطوائف التوحيدية
تفكر بذهنية ثنوية زرادشتية، وممارسات تفريقية في ما تقيمه من جدران عازلة
بين البشر، وأسوار صينية فاصلة بين الاضداد، تمتنع معها التوسطات وإمكان
تحول الضد الى ضده؟! وكيف تكون الديموقراطية ممكنة في كنف نظام سياسي لا
تكف أركانه الطائفية عن الوسوسة في صدور أهلها ان سيرتهم أحسن السِّير،
وأخلاقهم أزكى الأخلاق، وأنهم الأخيار بينما الآخرون غير المشاركين في
الملة او الاعتقاد هم الاشرار، وإسّ السفه والانحلال، ومصدر الزيغ
والضلال؟!!!. ألا تبدو الديموقراطية في ظل نظام طائفي سياسي مجرد قناع يخفي
أشد النوايا عدوانية، وأكثر المشاريع عنصرية تفضحها لنا زلات لسان قادته
واركانه؟ وبما أنه لا شيء مكبوتا يتلاشى او يموت، فإن زلات لسان دعاة
الديموقراطية والحرية والوحدة الوطنية، وانفعالاتهم وشتائمهم، تُسقط
اقنعتهم وتكتشف حقيقة سرائرهم التسلطية، وهي أصدق انباء مما يصرحون على ما
يرى علم التحليل النفسي. ثم كيف يمكن ان يُكتب النجاح لمحاولات التقريب
والتوافق، ما دامت لغة الخطاب المتبادلة بين الاطراف المتصارعة مترعة
بمفردات تحريضية مؤداها تكريس التنابذ والاقصاء، وتأجيج نيران الحقد
والعداء؟ أليس هذا هو مآل التراشق الشتائم، حيث الشتيمة يُرد عليها بشتيمة
مثلها او أردأ منها، وما يرافقه من أحكام تقييمية مبرمة تمعن في تقسيم
الناس الى معسكرين متنافرين لا ثالث لهما: محور الخير ومحور الشر، جمهور
واع وآخر فاقد الوعي، فئة نوعية واخرى كمية، جماعة آدمية وأخرى فوق آدمية؟
وفي ضوء هذا التحليل السريع لبعض مسلّمات الحركات الطائفية ـ السياسية
وأوهامها الايديولوجية، يمكن ان نخلص الى الاستنتاجات الآتية:
اولا، ان اقحام الاعتبارات الطائفية والمذهبية في السياسة يقوض كلا من
الديموقراطية والتوافق معا. والأصل في ذلك انما يعود الى طبيعة هذه
الاعتقادات التي تفتقر للشفافية وقابلية الاثبات ما يجعلها مثارا للجدل
والنقاش على مر الزمان. وهنا تعود بنا الذاكرة الى ابي العلاء المعري الذي
سبق له ان أشار الى الطابع الشائك للمعتقدات الايمانية، وتعذر حسم الخلافات
بشأنها. ولذا، نرى:
«كل يعظم دينه
يا ليت شعري ما الصحيح».
ثانيا، ان الديموقراطية التوافقية القائمة على اساس طائفي تعني عمليا شل
الارادة الشعبية والسياسية، لأن التوافق او الاجماع الدائم على كيفية
مجابهة التحديات الحياتية، وتحديد الاولويات والغايات، ليس بالأمر اليسير
إلا في حالات قصوى واستثنائية جدا. وانه لمن قبيل الوهم ان نتصور مجتمعا او
كائنا او شيئا يتماهى مع نفسه بالكلية، ويخلو من تناقض، وإمكان تحوله
وانقسامه على ذاته. فالتماثل المجرد خواء وركود وعماء، بينما التناقض، بحسب
ما يقول هيغل، هو جذر كل حركة وحيوية وارتقاء. وإذا كان حسم الخلافات وحل
التناقضات يتمان في الممارسة الديموقراطية الحقة ضمن اطار تداولي حر ومفتوح
بين الجميع، وبالاحتكام الى الارادة العامة التي تشكل جهازا حساسا لقياس
ضغط الضرورات الاجتماعية، وبوصلة لتحديد اتجاه التحولات، فإن «ديموقراطية
الطوائف التوافقية» عاجزة عن التفاهم على حل أبسط المشكلات. فهي لا تجيد
سوى ترحيل الأزمات ومراكمتها الى حد يتعذر معه حلها سلميا. وأي ديموقراطية
هي هذه التي لا غاية لها سوى الحرب والموت؟ ولا تترك للاطراف المتنافسة من
علاقة اخرى سوى علاقة الكراهية والتوجس والمواجهة الدائمة. لذا، لا يجوز ان
تُنعت بالديموقراطية لا بالمعنى التوافقي ولا بالمعنى الاكثري، بل هي «ديموقراطية»
صورية تلفيقية فوقية لا تعكس سوى مصالح وآراء نخب طبقية طائفية متواطئة في
ما بينها على اختزال الدولة والاستئثار بمؤسساتها وتقاسم سلطاتها.
وعلى وقع الكوارث التي تجتاحنا والاخفاقات التي تعصف بنا، فالأحرى الانخراط
في العمل على بناء مشروعية وطنية جديدة قوامها العلمانية والديموقراطية،
ننتصر بها على عدو عنصري متغطرس يريد لنا ان نمسي ظلا من ظلاله وصورة من
صوره. وإذا كانت الديموقراطية والعلمانية هما الخيار الذي تدعو الاعتبارات
العقلية والتاريخية والأخلاقية الى ضرورة الأخذ به في ظل ظروفنا الراهنة،
دون سواه من البدائل الفتاكة، إذن، فلا يعقل ان يكون اعتماده مخالفاً
للارادة الالهية الكلية الخير.
(٭) كاتب لبناني
. |