|
مطلع
القرن العشرين، قدّم النهضوي الرائد عبد الرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع
الاستبداد
ومصارع الاستعباد» دراسة فذّة للدولة الاستبدادية في شكلها العثماني
القروسطي في
مرحلة احتضارها وانهيارها. فقد بحث في مؤلفه الصادر عام 1902 في معنى
الاستبداد،
وفي آليات عمل الدولة الاستبدادية وتوجهاتها، وفي سلوك المستبد وأعوانه
وتأثير
الاستبداد في الدين والعلم والاخلاق والمال والمجد والتربية والترقي
والعمران، ثم
في كيفية الخلاص من النظام الاستبدادي، وبماذا ينبغي استبداله.
بيد ان سؤال
الاستبداد تراجع في الفكر العربي في القرن الفائت لتتقدم عليه مسائل بناء
الدولة
الوطنية والوحدة القومية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، في حين كانت
أواسط القرن
تشهد نمطاً جديداً من الاستبداد المتمثل في ظاهرة الدولة التسلطية العربية
التي لم
تحظ حتى الآن بدراسة شاملة لأبعادها كافة، باستثناء بعض الدراسات القليلة
الجادة
مثل «الدولة التسلطية في المشرق العربي» لخلدون حسن النقيب ,1991 و«تشريح
أصول
الاستبداد، قراءة في نظام الآداب السلطانية» لكمال عبد اللطيف ,1999
و«الاستبداد في
نظم الحكم العربية المعاصرة» مركز دراسات الوحدة العربية ,2005 اضافة الى
مقالات في
دوريات عربية متخصصة.
لكن سؤال الاستبداد الذي طرحه الكواكبي اول القرن العشرين
بقي من دون اجابة حاسمة تشرِّح أسسه وأصوله وأسبابه في واقعنا العربي
المعاصر، وليس
فقط في الواقع العثماني القروسطي الذي عمل مؤلف «طبائع الاستبداد» على
فضحه، من أجل
تأسيس تصوّر واقعي لنهايته في السياسة والثقافة والفكر والممارسة، الى ان
انبرت
الدولة التسلطية طارحة على الفكر العربي الراهن تحديات جذرية أكبر وأكثر
تعقيداً من
تلك التي تناولها الكواكبي، إذ باتت تهدد المجتمع العربي من داخله، دافعة
إياه الى
حافة الانفجار والحرب الاهلية، الامر الذي لم يعد من الممكن تأجيله او
السكوت عنه.
فما هي هذه الدولة؟ كيف نشأت؟ كيف تطورت؟ كيف تعمل؟ وما هي قيمها السياسية
والاجتماعية والاخلاقية؟
لا يمكن مقاربة موضوع الدولة التسلطية العربية من دون
البحث في أسباب شيوع الاستبداد في التاريخ العربي حيث ذهب بعض الباحثين الى
ان
العرب مصابون بفقدان المناعة ضد الاستبداد، والى ان جينات ثقافة الطغيان
تعشِّش في
داخل كل عربي لتحوله ضحية سهلة للمستبدين تماهي بين طاعتها وطاعة الله
مستعيدة بذلك
تراثاً كاملاً من الاذعان المقنع بالحرص على وحدة الأمة ووأد الفتنة.
قد يتأسس
مفهوم «الدولة التسلطية العربية» على هذه الخلفية التراثية إلا انه مفهوم
حديث نشأ
مع الدولة الحديثة وتطوّر آلتها البيروقراطية، وفي ظروف تاريخية محددة مهدت
لقيام
الحكم التسلطي وتماديه واستشرائه في الواقع العربي في النصف الثاني من
القرن الماضي
وحتى اليوم، حيث شكل فشل ليبراليات النصف الاول من القرن العشرين واحتلال
فلسطين
على يد الصهاينة، اضافة الى حالة التخلف الثقافي والأمية المتزايدة، وفقر
وهامشية
شرائح واسعة من المجتمع العربي، وعجزها بالتالي عن مراقبة السلطة
ومساءلتها، المناخ
الملائم لنهوض موجات متتالية من الانظمة الانقلابية تحت عباءات مختلفة
قومية او
وطنية او اشتراكية، انتهت كلها الى تكريس نموذج «الدولة التسلطية العربية».
الدولة التسلطية كما يحددها خلدون حسن النقيب، تخترق المجتمع المدني
بالكامل
وتجعله امتداداً لسلطتها، فتحتكر مصادر القوة والسلطة في المجتمع، وتهيمن
على كل
مستويات التنظيم الاجتماعي ومختلف الجماعات والقوى الاجتماعية، من خلال سن
شرائع
وقوانين من دون قيود او ضوابط. وهي إذ تقوم بذلك تجعل من نفسها ناطقة باسم
«الشعب»
و«الجماهير» وإن من دون علمها وإرادتها، وتماهي بين الحاكم الذي تحيله الى
رمز
تاريخي فوق المساءلة والمحاسبة، وبين الوطن والأمة. ومن أجل فرض شرعيتها،
طالما
لجأت الى تأطير كلي للفرد والمؤسسات من خلال قوانين الطوارئ والاستخبارات
والاعلام
المقيّد والمراقب. وينحصر دور الشعب، في هذه الحال، في الخضوع والطاعة
والتبجيل
و«الفداء بالروح والدم» ويتحول القائد من جديد، الى ناطق باسم حق مقدّس
معصوم،
فتحرَّم النشاطات المدنية او تدجَّى، وتضيع بالكامل وتنحل استقلالية
المجتمع إزاء
دولة تفترسه إكراماً واغتصاباً، وتغدو كل المؤسسات، بما فيها الاجهزة
الرسمية
العسكرية والمدنية والقضائية، رهائن ارادة عليا تبتلع الجميع وتسكت كل
الاصوات.
باختصار، وان الدولة التسلطية هي دولة مغايرة لدولة العقد الاجتماعي
الحديثة،
بكل ما تعنيه من قيم المراقبة والمساءلة والاحتكام الى الشعب، دولة تتوغل
في كل
ثنايا المجتمع، تمد اصابعها في كل الاتجاهات، وتفرض وصايتها وهيمنتها على
الجميع،
ليس فقط أمنيا، بل اقتصاديا وثقافيا وتربويا.
في هذا الاطار التسلطي ضربت النخب
الحاكمة أرقاماً قياسية في بقائها في الحكم، حيث تجاوزت ولاية بعضهم
العشرين او
الثلاثين سنة او اكثر فيما لا يزال يرتع سعيداً في السلطة مطمئنا الى
انتفاء مساءلة
الشعب ومحاسبته.
والدولة التسلطية مسؤولة كذلك في انحطاط الاخلاق وانعدام الثقة
بين الحاكمين والمحكومين، حيث يسود الغش والتملّق والخداع والانتهازية
والوصولية،
ويتلطى الجميع وراء باطنية في تفكيرهم ومواقفهم، مداراة لأرواحهم ومصالحهم
وعيالهم،
فيرتقي إذ ذاك المبجلون والطائعون المتقبلون لكل المهمات، المستعدون
للتنازل حتى عن
الشرف والكرامة، على حساب اصحاب الفكر والموقف الملتزم والشجاعة الاخلاقية،
ما يعيد
انتاج مقولة الكواكبي «أسفلهم طباعا وخصالا اعلاهم وظيفة ورتبة».
وأعاقت الدولة
التسلطية التكّون المواطني والقومي بإحلالها مقولة «الجماهير» بدل
«المواطنين»
وافراغها المواطنية من مضمونها التعاقدي، مكرّسة العلاقات الرعوية على حساب
العلاقات المدنية والمواطنية، فأسهمت في مد أمد الاجتماع السلطاني القائم
على تغلب
الحاكم وتفرده بالسلطة وولاء الرعية وانقيادها، في مقابل منافع يسديها
إليها بوصفها
اعطاءات لا واجبات.
ومن مآثر الدولة التسلطية العربية، غير الحميدة، اعاقة
التنمية العربية وانحدار العالم العربي اقتصاديا وثقافيا وعلميا وتربويا
حتى
بالقياس الى الدول المتوسطة النمو، حيث ذكر تقرير التنمية البشرية لعام
2006 ان
قيمة دليل التنمية البشرية العربية 0.680 في مقابل 0.701 في تلك الدول، وان
العالم
العربي متخلف في دليل التعليم حتى عن الدول النامية ـ 0.66 الى 0.72 ـ كما
جاء في
تقرير المؤتمر القومي العربي السادس عشر، ,2005 ان معدل البطالة في العالم
العربي
15
في المئة، وان الدول العربية عموما تنفق اقل من 0.2 في المئة من ناتجها
المحلي
على البحث والتطوير العلميين مقارنة بنحو 2.46 في المئة على الصعيد العالمي
ونحو
4.96
في المئة في اسرائيل. ولا يزال الانتاج العلمي العربي ضئيلا، فاسبانيا
وحدها،
وهي متوسطة التقدم تنتج خمسة اضعاف ما ينتجه العرب قاطبة من المطبوعات
العلمية.
باختصار، إن الدولة التسلطية العربية دفعت وتدفع العرب الى آفاق مسدودة
بانتاجها الفقر والأمية والتخلف والاستبداد، وبعجزها عن المشاركة في ثورة
العصر
الليبرالية والعلمية والانتاجية، اضافة الى هدرها الموارد والكفاءات. لقد
فشلت في
التنمية، وفي توحيد العرب، وفي بناء المواطن الحر، كما في تحقيق الحد
الادنى من
العدل والكرامة للإنسان العربي. وقد آن الاوان كي تدرك ان حركة التاريخ
تتجه في غير
صالحها، وانه لا مناص امامها من الانخراط في الثورة الديموقراطية الراهنة،
ولو على
حساب وجودها وبقائها.
مهمة قد تبدو مستحيلة ولكن للتاريخ تحولات وانقلابات كما
للاستبــداد والتسلـط احكام وطبائع.
(٭)
كاتب لبناني.
. |