|
«لم
تعرف أميركا، أن العربي العراقي مزيج فريد لا يوجد مثله في أي
دولة عربية. مزيج يختلط فيه الحضري والقبلي والسني والشيعي والمتسامح
والعنيف
والقومي والقطري والديني، كله في إنسان واحد لا يمكن أن يتعايش طويلاً مع
محتل، فما
بالك والمحتل متغطرس وعلى قدر متواضع من الخبرة في المنطقة». جميل مطر ـ
«الحياة»
18/ 12/ .2006
يعتقد ستيفن لندمان ـ وهو يساري أميركي مخضرم، أن «المحذوفات»
المتخيّلة من تقرير بيكر هي الأساس التي انطلق منها هذا السياسي الثعلب في
صياغة
برنامج «الإنقاذ» الذي وضعه مع أعضاء اللجنة الثنائية. وهو ينطلق من
تصريحات الناطق
باسم وزارة الخارجية الأميركية في العام 1945 بأن الشرق الأوسط هو المصدر
الهائل
للطاقة الاستراتيجية العالمية والتي تشكل الجائزة التاريخية الكبرى للنظام
الاقتصادي السياسي الأميركي. إن بيكر هو الذي هدّد طارق عزيز في العام
,1991 وقبل
الحرب بأسبوع بإرجاع العراق إلى القرون الوسطى. وهو الذي وضع الأسس الصلبة
للحصار
الجائر الذي فرض على العراق بعد العدوان الشامل في 17/1/.1991 هذا السياسي
ـ المالي
المتلوّن كان باستمرار يضع الخطط العدوانية للسيطرة والنهب وينجو من العقاب
عن طريق
التحايل والحماية الحكومية الرسمية. وهو الذي شيّد عمارة السلب التي اسمها
التعويضات، والتي دفعت من دماء العراقيين. وهو نفسه الذي أجبر دول الخليج
على شطب
14
ملياراً منها لمصلحة الاحتلال الاميركي للعراق بعد 9 نيسان .2003 بيكر
يُسمّى في
التراث الدبلوماسي والمالي والحزبي الاميركي، مستر فيكسيت، هو البطل المخلص
والشائن
لسرقة أكثر من مئة مليار دولار المصرفية أثناء تقلده منصب وزير الخزانة
(المالية)
بين أعوام 1985ـ.1988 بيكر صاحب شركات نفطية متعددة في مقدمتها شركة بيكر
بوتس
الشهيرة التي سلمت إلى طارق عزيز مليار دولار قرضاً في عام 1989 وهذه
الشركة لها
صلات عضوية مع شركة عائلة بوش، كارلايل، ومع شركات أخرى. منها بيكتل،
لوكهيد،
تيكساكو، ايكسون، موبيل وهنت. وتعاونت هذه الشركات مع أكثر من ستين شركة
أخرى
لتأسيس منتدى الأعمال العراقي ـ الأميركي عام ,1988 وقد أصدر جورج بوش الأب
قراراً
رقم 26 للأمن القومي يتضمن ضرورة مساعدة الشركات الأميركية وفي المقدمة
المنتدى
المذكور، على استثمار كل الفرص للمساهمة في إعادة إعمار العراق اقتصادياً
وتحديداً
في ميدان الطاقة. وكان نائب بيكر هو لورنس ايغلبرغر عضو مجلس إدارة
هاليبرتون ورئيس
مؤسسة كيسنجر البحثية ـ الاستشارية ـ الاستثمارية وأحد الأعضاء العشرة في
التقرير
الحالي. وكان أعضاء اللجنة مهتمين جداً، حيث قالها هاملتون بصراحة إلى عضو
الكونغرس
سام حسيني، بمسألة بقاء الموارد النفطية العراقية بيد الحكومة المركزية
العراقية
القوية. وأن انتونيا جوهاسز قد سلطت الضوء على حقيقة المآرب الفعلية
للتقرير حين
قالت إنهم ليست لديهم حلول فعلية لإنهاء الحرب والاحتلال، ولكنهم وضعوا
خريطة طريق
جيدة للنهب المنظم تحت سيوف الاحتلال الدائم المشرعة. هاملتون قالها بوضوح،
بأن
العراق لا يمكن إنقاذه إلا بالنفط، والنفط لا يمكن إنتاجه وتسويقه إلا
بالخصخصة
الكاملة. وهذه لا يمكن تمريرها إلا من خلال قانون الاستثمار رقم 13/2006
والذي أقره
مجلس «العموم» العراقي في 10/10 من العام المنصرم ووقعته الرئاسة العراقية
في 6/,12
وسيكون هذا القانون المنطلق الأولي لتشريع قانون لاحق يشمل الطاقة واستثمار
النفط
في الحقول الأخرى غير المستثمرة والتي تبلغ 80 حقلاً، لم يستثمر منها سوى
.17 ويمكن
فهم نقاط «التقرير» بوضوح، حيث ورد ذكر النفط العراقي 63 مرة في التقرير،
إذا رجعنا
القهقرى قليلاً، واطلعنا على الدراسة التي وضعتها «مجموعة عمل النفط
والطاقة في
وزارة الخارجية الاميركية» في كانون الأول/.2002 والتي تؤكد بأن النفط
العراقي بعد
«الحرب
والاحتلال» يجب أن يطلق له العنان لدخول الأسواق بكثافة عن طريق
الاستثمارات
العالمية العملاقة، وذلك من خلال إبرام عقود تسمى باتفاقيات الإنتاج ـ
الشراكة. وفي
آذار 2003 (بداية الحرب) طرحت مؤسسة هيرتيج تقريراً يشرح الخصخصة الشاملة
للنفط
العراقي عن طريق مندوبها، أيدوين ميس الثاني، إلى مجموعة الطاقة المذكورة.
وفي صيف
2005
صرح عادل عبد المهدي في واشنطن بأن الخطوات القادمة للحكومة ستكون بهذا
الاتجاه وقد علق وزير الطاقة الأميركي، صمويل بودمان، بأن الشركات
الاميركية لن
تدخل العراق قبل إقرار خصخصة النفط! وسارع عبد المهدي إلى التعاون مع شركة
بيرينغ
بوينت الاستشارية لوضع المخطط العام حول ذلك وبالتعاون مع وزارة الطاقة
الاميركية.
ويقول الباحث ريفا بهالا في ستراتفورد بأن الديدن الفعلي لبيكر هو اتباع
السياسة
التدريجية في المفاوضات جنباً إلى جنب مع دبلوماسية القوة الضاغطة والتي
تستعين
بالوجود العسكري وزيادته في المنطقة عن طريق غرس العديد من القواعد الجديدة
في
العراق أو في دول الجوار. وبشأن العلاقة القديمة الأميركية النفطية مع
الخليج،
يعتقد بهالا، بأن المثلث الشيعي النفطي، شرق السعودية، جنوب العراق،
خوزستان والتي
هي عربستان فعلياً، والذي يتحكم بأكثر من نصف الطاقة العالمي، سيكون هو قطب
الرحى
في المعارك السياسية ـ العسكرية المقبلة. ويستشهد بأقوال الاقتصادي لورنس
كوتيلكوف
الذي يثبت في دراسة جديدة له بأن أميركا مفلسة وغير قادرة على إيفاء ديونها
الخارجية، وأن الأرقام التي ذكرها الاقتصادي جوزف ستيغليتز حول انهيار
الاحتياطي
الفدرالي في سانت لويس صحيحة تماماً. وقد ذكرت نشرة داون جونز نيوزداير في
14/12/2006
بأن تقرير بيكر يبشر بإصدار قانون الاستثمار الهايدروكربوني الجديد في
العراق وأن الشهرستاني وزير النفط العراقي وشقيق صهر السيستاني يشكل جسراً
ملائماً
بين الطموحات الايرانية والمصالح الأميركية. علماً أن غريغ بالاست قد كتب
بالتفصيل
عن الأقوال الإيرانية بخصوص المفاعل الذري، والتي كشفها بيكر من خلال
مناقشاته
المستفيضة خلال كتابة التقرير وبعد صدوره، مؤكداً بأن العمل الأساسي الذي
يرغب فيه
بيكر هو فصل النفط عن كل المشاكل السياسية الأخرى، والتي يمكن مناقشتها
وتشكيل
اللجان المتعددة حولها تمهيداً للوصول إلى حلول ناجعة تكون متممة للمشروع
الكامل
الذي طرحه بيكر وعنوانه الأساسي: البقاء عسكرياً والحسم سياسياً. لذلك لا
يمكن
الحديث عن التقرير في نقاطه المركزية إلا من خلال الإشارة إلى أن بيكر
يحاول إعادة
الاعتبار إلى الملكية الاستعمارية للمنطقة ومحاولة رسم خطوطها الجغرافية
السياسية
على ضوء المصالح الاستراتجية الاميركية في زمن الانفراد القطبي. ويمكن
التقاط هذه
المفاصل من خلال الرفض الساذج والسمج الذي انطلق من المحور الطالباني ـ
البارزاني ـ
الحكيم ـ عبد المهدي لنقاط التقرير الأساسية ومفاصل الحلول المقترحة.
ويتذرع هؤلاء
لرفضهم التقرير بأنه ينتهك السيادة العراقية والدستور العراقي المقرر،
وبأنه يكبح
جماح غلوهم في النهب والقتل على حدٍ سواء. حتى أن سبنسر اكرمان الليبرالي
المؤيد
للتقرير، يُضطر إلى تنبيه
الإدارة بأن عدم معالجة المسألة بدراية قد تؤدي إلى: 1ـ
خروج الأكراد من «العملية السياسية» وقد يعلنون الاستقلال! 2ـ انكماش
الشيعة
وتصلبهم راديكالياً، وذلك لضعف قدراتهم على الاحتفاظ بالسلطة من دون
الاحتلال
الأميركي أو النفوذ الايراني. 3ـ الإمكانيات العريضة المتاحة للسنة للنجاح
في إطار
«العملية
السياسية» أو الاستمرار في المقاومة المسلحة، وحتى في ظروف الحرب الأهلية
المعقدة! فالمعالجة الجدلية العضوية صارمة لميليشيات طوائفية مرتبطة مع
النفوذ
الإيراني تسعى إلى التطهير الطوائفي ـ العرقي، لا سيما في بغداد، وبين
ميليشيات
مسلحة هدفها الأساسي إخراج الاحتلال الأميركي من العراق. وبيكر يعرف جيداً
بأن
الحرب القادمة إذا اندلعت، بين السعودية، وبين إيران، ستنتشر إلى الأرجاء
الأخرى
وتتحول إلى حرب أوبك الداخلية! فالباحث ايداو كونيل من مؤسسة راند،
وايسوبيل كولمان
عضو مجلس العلاقات الخارجية يؤكدان بأن ما يحدث في الأشهر الأخيرة هي حرب
حقيقية
بين عناصر المخابرات الإيرانية المسلحة والتي تتخذ لها واجهات متعددة وبين
ضباط
المخابرات العراقية السابقة وبالتعاون مع منظمات المقاومة الوطنية المسلحة
المتعددة. وإن الأموال تتدفق والأسلحة توزع في كل الاتجاهات والأرقام التي
ذكرت
تشير إلى أن ميزان القوى الفعلي يميل إلى غير مصلحة إيران وأعوانها في
العراق من
الناحية اللوجيستية، على عكس الحديث المشاع حول الأغلبية الشيعية والأقلية
السنية.
ويمكن على ضوء هذه النقاط التأكيد على المخطط المضغوط الذي يمر به العراق
منذ الحرب
والاحتلال وإلى حد الآن: 1ـ التأسيس الاستعماري العسكري في البلاد بتشييد
القواعد
العسكرية فوراً ومنذ الشهر الرابع/2 .2003ـ التأسيس الدستوري الأجنبي
وبالتعاون مع
إيران في بناء كوندومينيوم سياسي ـ عسكري يستهدف الوصول إلى صفقة ما في
مرحلة ما،
3ـ
التأسيس المدني السياسي، حيث تعطى الإمكانيات لطبخة عسكرية ـ سياسية مشتركة
تحت
شعار الاستقلال الكاذب والسيادة المموهة. ولكن الحصائل كانت دوماً دموية
ومجموعة من
الأنقاض السياسية والشخصية، حيث يمكن تلخيص أهم محطاتها بالشكل التالي: 1ـ
لا يمكن
الآن عقد أي صفقة متكاملة بين الأطراف المتقاتلة في العراق سواء على
الصعيدين
العراقي أو الإقليمي.
2ـ
لا يوجد طريق واحد واضح معين في العراق للوصول إلى هدف
«حققنا
المهمة بنجاح وصواب». وقد عزز هذه الخرافة الاستراتيجي اليوت كوهن في وول
ستريت في 17/12/.2006 3ـ إن نظرية كولن باول القائلة «نحن كسرنا الجرة ولا
بد من
امتلاكها» قد تبخرت وتحولت الآن إلى حقيقة جديدة تؤكد بأن البقاء ضروري من
أجل
استثمار كل رأس المال السياسي المتوفر والعمل بجدارة لتحقيق النجاح. 4ـ إن
رغبة
الاحتلال في الطلب من إيران أو سوريا للتدخل هي للمراوغة والتحايل حول
الاستحقاقات
المركزية التي تواجه الإدارة الأميركية الفاشلة. وأن المؤسسة الاميركية
تعرف جيداً
أن البقاء فقط هو الذي يردع المنطقة ويعيد صياغتها حسب المتطلبات المستجدة.
وأن
الحديث عن إيقاف مسلسل الموت كاذب. وذلك لان الاحتلال منخرط في أجهزة القتل
وهناك
تشابكات معقدة كثيرة بين قوى الاحتلال العسكرية والأمنية والقوى الأخرى.
وإن الفشل
الذريع الذي أصاب الحوار الاميركي مع المقاومة الوطنية المسلحة كان أحد
الأسباب
التي دفعت ادارة بوش إلى التفكير بوضع خطة جديدة لأمن بغداد والانتقال
فوراً إلى
«الحالة
الاستراتيجية الجديدة» التي سيطرحها بوش في مطلع العام الجديد .2007 علماً
بأن الأخبار التي نقلتها أوراق الشاي من الأردن، حيث كانت المحطة الثانية
للمباحثات
بين خليل زاد وأطراف مهمة من المقاومة بعد المحطة الأولى بحضور علاوي في
بيته في
بغداد، تشير إلى أن الاستعصاءات كانت كالتالي: 1ـ إن المقاومة أصرّت على
الإعلان
الواضح لجدولة الانسحاب. 2ـ إنهاء العملية السياسية. 3ـ إحياء الجيش
العراقي
السابق. 4ـ إن المخاوف الصادرة من الجانب الاحتلالي حول زيادة النفوذ
الإيراني لا
يمكن استيعابها الا بعد الانسحاب، حيث إن للمقاومة الوطنية الإمكانيات
المتوفرة
لمواجهة هذا النفوذ سياسياً ـ عسكرياَ والتعاون مع القوى الوطنية العراقية
كافة
لتحقيق هذا الهدف النبيل والضروري. 5ـ إن المقاومة الوطنية لن تطلق النار
على
الأفراد أو المجموعات التي تتحصّن في الخندق الإيراني وتدّعي الوطنية
والمذهبية. ما
دام الاحتلال قائماً، فالهدف الأساسي للمقاومة يظل الاحتلال الانغلوسكسوني.
6ـ إن
انتقال الاحتلال المراوغ واللولبي بين مختلف القوى المؤثرة في الوضع
السياسي، سياسة
انتهازية فاشلة ولا يمكنها تحقيق الاستقرار السياسي أبداً. بل هي قد تدفع
بالأمور
إلى التدهور في ظل بعض القيادات الجائعة سياسياً والمتعطشة إلى الدماء.
إن
تقرير بيكر جاء حاداً في استطلاعاته مراوغاً في قدراته ومبشراً في مزاعمه
ومنذراً
في تخوفاته. إن تقرير بيكر المتعدد الأوجه في احتمالاته لا يشدّد إلا على
دفن
المستشارين الاميركان سياسياً في الحكم المعتدل الذي يرومه. ودفن القوات
الأميركية
عسكرياً في الجهاز الطوائفي للجيش الميليشياوي. ودفن الشركات الأميركية
النفطية في
العقود المشتركة التي يلهث من أجل إبرامها بأسرع ما يمكن. تقرير بيكر وعلى
خلاف
التحليل المتسرع للدكتور رضوان السيد، ينتهي إلى أن الأكراد لا يمكنهم أن
يلحقوا
ضرراً بوجود العراق وبأن الحرب الأهلية بين السنة والشيعة هي التي تهدّد
وحدة
العراق النفطية، وليست السياسية. تقرير بيكر نموذج صارخ من أكداس الأكاذيب
المتلاحقة والمستندة إلى وقائع غير معلنة وحقائق ملتبسة ومخططات كان يراد
لها أن
تكون مفهومة ومقنعة وانتهت إلى ركام من الدم والفشل في غابة راشومون ـ
اكيرا
كوروساوا، حين يفقد القلب الإنساني طريقه، ويحاول «الشهود والمشاركون»
إعادة تلاوة
أحداث الجريمة. كان لدى قاطع الأخشاب محاولة للعثور على دليل للجريمة.
والذي قام
بها لا يستطيع النفاذ بدون الأكاذيب التي تجعل من حياته أفضل من حقيقتها.
حتى
الممثل الذي يموت في راشومون لا يستطيع ألا أن يكذب، عبر الوسيط، حين يتحدث
إلى
الأحياء(!!!) هل يستطيع بيكر مخاطبة الأحياء!!
«حوّلوا
البلاد إلى أرض قاحلة ويسمونه سلاماً. يسرقون ويقتلون
ويطلقون عليها حرية. إنهم الجشع، والارهاب، الاستباحة ويقولون عنها
إمبراطورية».
(تاسيتوس).
لم يكن من الصعب على المحافظين الجدد في منتصف التسعينيات
للعثور على سبب مركزي «داخلي» في المجتمع العراقي ليشكلوا منه عتلة قوية
للانطلاق
نحو الحرب والاحتلال. لديهم ثنائيات عديدة في طرح الأفكار وعلاج المشاكل عن
طريق
إدارة الصراع في ظل ثنائية استمرار القوة والإقناع. إن ثنائية «الواجب مع
المصالح»
تصح بشكل جيد في مجتمع مهدم بالقوة ومحاصر بالقوة. وإذا ما تم التوصل إلى
بعض
الأرقام الكاذبة المسبقة الصنع، يمكن الاستنتاج منها حقائق مموهة. فالطبيعة
الاستعمارية التي واجهت الوضع العثماني المتدهور في نهاية القرن التاسع عشر
كانت
تنطلق من أهمية سقوط هذه الدولة في أحضان الحضارة الانغلوسكسونية الممتدة
إلى
المنطقة. وللتلاعب بالجداول والخرائط كان لا بد من الاستقرار عل بعض
المسائل التي
ستكون المادة التي تصنع منها هذه العتلات. الأغلبية الشيعية في العراق! لا
يمكن
الركون إليها، فلا بد أن تحكم عن طريق الأقلية السنية، وهي مزيج من عسكر
الشريف
حسين ودواوينية عثمانية مترهلة، حيث يتم الانضباط المتشابك يومياً
والمتفاعل مع
المصالح الدائمة للإمبراطورية. كل الأحداث اللاحقة كذبت هذه الفرضيات
المنسوجة في
عقول لورنس ـ بيل ـ تشرتشل. والسبب بسيط. لأنه لا إحصائيات حقيقة ومدونة
لمثل هذه
الجداول المنتقاة والخرائط المتصورة. وفي العراق المدينة مختلطة، والريف
القبلي
الممتد المتنوع والمتداخل. فكيف الركون إلى الأرقام الاستعمارية؟ ومع
الجداول في
رسم النسب السكانية للشيعة والسنة العرب. تحول هؤلاء إلى سنة فقط وشيعة
فقط! وحين
ألحق الوضع الكردي قسراً بالقصف الجوي وسياسيا بالتزوير بالمضابط
الاستفتائية، تحول
العراق إلى ثلاثية متناثرة مذهبياً وعرقياً لا يمكن أن يتم التفاهم في
إطارها إلا
من خلال المحتل المباشر أو الانتداب الدولي أو الطاغية المندغم مع المصالح
الخارجية. هكذا تناول الاحتلال هذه المصنوعات اليدوية وربطها مع رزمة
أكاذيبه حول
أسلحة الدمار الشامل والعلاقة مع القاعدة ليبني منها عمارة الحرب
والاحتلال. وكانت
الكذبة الأولى التي طرحها الاحتلال بعد تحطيم الدولة وحل الجيش هو أهمية
العثور على
مرجعية جديدة تكون بديلة عن الدولة والجيش المباد قانونياً. مجلس الحكم كان
العلامة
الأولى لثنائية «الواجب مع المصالح» ومن خلاله تم تمرير الفضيحة التي حوّلت
حميد
زنكنة من شيوعي إلى شيعي ينتمي إلى محافظة بابل وعدنان الباججي من قومي
ليبرالي إلى
سني يمثل بغداد. وتحت ظل التشرب بأفكار روبرت نوزيك الفوضوية الليبرالية،
أخذت
قرارات عديدة يمكن من خلالها فسح المجال للمجموعات الاجتماعية المتعاونة مع
الاحتلال، وفي غياب الدولة، إلى اللجوء والاعتماد على «وكالات» جديدة
للحماية
والدفاع عن أنفسهم في غابة الاحتلال المباشرة. وأعطيت كل الفرص لهذه
«الوكالات»
لتندفع نحو المفاوضات في ما بينها من أجل الوصول إلى حل للصراعات القائمة
وتحقيق
صيغة المحاصصة. وبما أنه لا يمكن الضمان دائماً للوصول إلى النتائج
المتوخاة في
تحقيق السلام والاستقرار، فلا يمكن أيضاً التكهن باندلاع الصراعات إلى حدود
الحرب
الأهلية القائمة حالياً!! «فالزمن» الاحتلالي هو الجوهري دائماً في مسيرة
«العملية
السياسية» المتوالدة والمعاد إنتاجها في كل الأوقات. وبما أن «الهويات»
الجديدة غير
مجربة سابقا فهي خطرة بالتماس المباشر وغير صالحة لأنها لا تملك الضمانات
بأن تعطي
الولاءات المحددة بمرور الزمن الاحتلالي. وتم استعمال جوقة إعلامية مجهزة
قبل
الاحتلال، وحاملة لكل أنواع الأصباغ «الديموقراطية الاحتلالية» لتزويق
عملية بناء
«دولة
الاحتلال الجديدة»، لذلك فالدستور ضروري مع ضرورة الاحتلال. لأن غياب
الاحتلال، أو غياب الدستور! هو الولوج إلى طور التطاحن الكامل والوصول إلى
صيغة
مجردة من الأحاسيس، من سينتصر! وكيف يمكن معرفة من الذي سيسيطر على الأمور
ويستلم
مقاليدها. هنا أصبح الاحتلال واجباً والدستور حقاً، والحصيلة من ذلك العثور
على
المصالحة الوطنية!! والمداخل المشتركة إليها! وهذه لديها إمكانيات محدودة
وضعيفة في
حالة عدم الاتفاق على الحد الأدنى من المصالح المشتركة! ليست المصالح
المشتركة
للجماعات التي لجأت إلى «وكالاتها» الخاصة، وإنما المصالح المشتركة مع
الاحتلال!
وعليه كان لا بد من العثور على الخيط الرئيسي الذي يجمع هذه النقاط في إطار
واحد
يسمى دائماً، علنا وكذباً، بالحل المؤقت
(Modus Vivendi)!
والذي يجنب الخوض في دماء
الآخرين! إنه يستند إلى عبقرية «تكاليف التنسيق» وكيف أنها أقل من «تكاليف
الإملاء»
للوصول إلى حالة الإجماع. ومن ثم فإن هذه الاتفاقات ستكون هي البديل الجاهز
عن
الدولة السابقة أو الدولة القادمة والمزمع تشييدها ضمن قانون «الأبوة
الإمبريالية».
نوه فيلدمان هو الشاب اليهودي الليبرالي الفذ، الذي يعكس بشفافية مغالطة كل
مرافعات
روبرت نوزيك حول عطب الدولة وبداية اضمحلال وظيفتها التاريخية. هو القادر
الوحيد
على صياغة الدستور الجديد «تال» الذي يحتضن الأكاذيب المكررة المسبقة الصنع
حول
الجداول المذهبية والخرائط الاجتماعية الداخلية، والاستفادة من هذه
الثنائية الفذة
«للواجب
مع المصالح» والذي يقود عملياً إلى أن يكون «تال» المؤقت هو الدستور الدائم
في كل الأوقات. لكن العقل الاستعماري للمحافظين الجدد ـ المستفيد بشكل
ارتكاسي من
التجربة البريطانية في القصف الدستوري ـ المرافق للابادة الجماعية قد وضع
بعين
الاعتبار الربط المحكم بين القانون «تال» المؤقت وبين أهمية ديناميكية
«العملية
السياسية» الدائمة والمتضافرة مع بناء «القواعد العسكرية» الطويلة الأمد.
وبلغة
الأرقام تم الوصول إلى عملية سياسية ـ عسكرية جديدة، سميت علمية 80!!
فالشيعة 60٪
من المجتمع. والأكراد 20٪ هكذا يمكن تحقيق «الانتخاب الطبيعي» حسب النظرية
الداروينية بالقوة العسكرية العارية وبالاستناد إلى الأرقام الموضوعة
والجداول
والخرائط المنتقاة. لكن «الداروينية» المخططة ستتحول آلياً إلى مالتوسية
مبتذلة عبر
القصف المنظم واجتياج المدن (الفلوجة، الاسحاقي، حديثة، بعقوبة، البصرة،
العمارة،
الديوانية، النجف، سامراء، تلعفر، تكريت...) والابادة المنهجية ومن ثم
ستكون
الأغلبية مضمونة الجانب في المقايضة، والأقلية تخسر كل قوتها القتالية
ومناعتها
التاريخية. حين غادرت مجموعة بيكر العراق في مسحها السياسي وحواراتها
المتعددة،
تساقطت بعض وريقات المقابلات والاستشهادات. وتبين أن بيكر ومن كان يناور
معه، قد
استقر على إعادة إنتاج «الواجب والمصالح» بشكل استثنائي يرفض بحزم الفشل
الذريع
«للإدارة»
في الحرب والاحتلال، ويتماهى مع الرغبات المحرقة «للمؤسسة» في نظرتها
الواقعية إلى «الأمر الواقع» للاحتلال. وهكذا استعمل «الزمن الاحتلالي»
لدستور
فيدلمان من أجل بناء «عملية سياسية» جديدة تولد من رحم «العملية السابقة»
وتكون
أكثر تصميماً على الخلاص والصمود. فالنزوع «التقسيمي» المحلي السائد في روح
«تال»
يتبدل بإصرار «إقليمي» على احتواء الأزمات واقتراح الحلول لها. وهذه
«الإقليمية»
الجديدة المتجددة تستند إلى «وحدة» الجغرافية السياسية التقليدية التي لا
تعترض على
الارقام والخرائط والجداول المسبقة والمنتقاة. ولكن يجري إهمالها لصالح
خريطة نفطية
موحدة تقف بشراسة ضد البدائل التقسيمية ـ النفطية التي طرحتها الطوائفية ـ
العرقية
في مناخات فيلدمان الدستورية. اذ لا بد من احتواء المشاكل المتفاقمة باتجاه
عملية
شاملة للمصالحة الوطنية، مع الجهود الجماعية لتشكيل قوى محلية ـ إقليمية
كعوامل
مساعدة قوية تسند «العلمية السياسية» الجديدة. وهذه تتشابك مع التصريح «العملياتي»
لوزير الدفاع الجديد غيتس: نحن باقون طويلاً في المنطقة. فبدون ذلك لا يمكن
للمقايضة الإقليمية أن تكون ناجحة وبالاعتماد على الركائز المحلية للمقايضة
الداخلية. وهذه بدورها لا بد أن تعيد النظر في كل «الأخطاء» القاتلة التي
ارتكبتها
المجموعات الاجتماعية حين لجأت لعدم وجود الدولة، إلى «وكالاتها» الخاصة
لطرح مسألة
«الطاقة
النفطية» بكونها «المعادل الموضوعي» الوحيد للأجندة التاريخية التي كانت
تزعمها: مسألتا «مظلومية الشيعة» و«الغبن الكردي» المتناظر مع «الاستبداد
السني»
والمستولي كلياً!! على الثروة الوطنية في الطاقة. أي إن «الطاقة النفطية»
هي التي
تعوض عن القمع والاستبداد السابق، وأن اللجوء إلى «الوكالات» الجديدة،
المجموعات
تدعي أنها ترفض أن يكون الاحتلال أحدها، هو الذي يفرض عليها الاعتماد على
مبدأ
المحاصصة النفطية كبديل عن الخسارة التاريخية السابقة. ان تقرير بيكر قد
أعاد رسم
العلاقة بين هذه المجموعات والطاقة في إطار قديم ـ جديد، يتجاوب مع جشع
المصالح، لا
سيما إذا كانت أميركية، ويحترم حمى الواجبات ما دامت أفضل من التهميش
والإقصاء في
زمن الدولة الأحادية المستبدة والمشروع الفوق ـ الدولة القومي. ومن هنا فإن
تقرير
بيكر قد طرح بوضوح: 1/ إن السنجق الكردي ليس حر التصرف «بكيانيته» الخاصة
ما دام
متصلاً مع دولة الاحتلال القائمة وغير قادر على بناء دولته الخاصة. لا يحق
له
التصرف من هنا، بإمكانياته «الذاتية» إلا من خلال العلاقة مع دولة الاحتلال
وفروضاتها عبر العلاقة مع «حكومة الاحتلال» المنخرطة في المشروع الكامل
للعملية
السياسية. وكانت رايس «المعترضة على تقرير بيكر» قد قالت كلمته، الطاقة
توحد ولا
تقسم! 2/ خارج إطار السنجق الكردي، يمكن الأخذ به كخيار وليس إلزامياً،
أهمية
الحالة اللامركزية الناضجة وذلك من خلال مبادرات اجتماعية «من تحت» لمعارضة
الفدراليات التقسيمية «من فوق» والتي تعمل على تشييدها «نخب الاحتلال»
الطوائفية
والعرقية. رفض قرارات «من فوق» المحلية والتدخلات الإقليمية هي المداميك
التي يمكن
أن تستند إليها روح المصالحة الوطنية «الشاملة» التي يدعو إليها التقرير.
وهي
مصالحة «تقريرية» إنشائية، فضحها رايدر فيسر، باقتدار، وقال عنها انها
ببساطة الوجه
الآخر للتميمة الدستورية التي سنها فيلدمان ويدعى بشرعيتها «نخب» الطوائفية
في
مشروعهم «إقليم الوسط والجنوب» و«نخب» العرقية في طموحهم في الاستيلاء على
كركوك
النفطية. وكان التقرير حاسماً في رفض التحكيم الدولي حول ذلك وتأجيل
الاستفتاء
الداخلي أيضاً. وقد وضعت المجموعة عدة اقتراحات، تعيد الحياة إلى منظمات
الأمم
المتحدة للاهتمام المباشر والتفصيلي للوضع العراقي وربط هذه الجهود مع
المحاولات
المبذولة في العلاقات الجوارية للعراق. وكان التقرير صريحاً في إعطاء الأمم
المتحدة
الدور الخاص في إعادة النظر بالدستور ومراجعة مواده المركزية، لا سيما تلك
المرتبطة
مع الطاقة النفطية والدور المركزي للدولة في إدارة الإنتاج والتسويق من
خلال
الاهتمام المتعدد الأطراف بالطاقة النفطية واستثمارها الفعلي ضمن حالة
قانونية
شاملة. يربط التقرير «متجاوزاً كل تفاصيل الحرب والاحتلال» بين الدستور
والطاقة
والجغرافية السياسية للعراق في زمن قديم تحدث عنه أركان المحافظين الجدد
ومنهم
المؤرخ العسكري فردريك كاغان، وضابط المخابرات السابق راول مارك غيريشت.
وأشاروا
إلى عقم استنتاجاته وأهمية التخلص من آثاره وذلك بالاتجاه فوراً إلى
استراتيجية
جديدة للنصر تأخذ على عاتقها الاستئصال العسكري لكل الميليشيات القائمة،
وبغض النظر
عن ارتباطاتها الطوائفية، وتحقيق الحالة الأمنية الكاملة القادرة على إعادة
بناء «العملية
السياسية» وتجديدها في ظل السجالات الحادة الدائرة الآن بين أنصار التقرير
والمناهضين له. لا يمكن الاهتمام بهذا الكم الهائل من النفاق السياسي
والوحشية
المنفلتة في إدارة القتــل والابادة، إلا بالقول، بأن هذه المجموعات كلها
«الشهــود
والمشــاركين» فــي الإدارة الاميركية أو المجموعات العميلة العراقية
المرتبطــة
بــها، تعيد تصوير سرد الجريمة التي حدثت في الغابة، كل من وجهة نظره
الخاصة، فرجل
الدين الطوائفي لا يطالب بإقليم الوسط والجنوب، إلا لوجود النفط في الجنوب
والعتبات
في الوسط! والرجل العادي مثقل بالهموم القديمة والقيود الجديدة واللص
المشارك
والشاهد على الجريمة، اعتقل على حساب «الفضيحة العائمة»، والسرد المكرر
الذي أريد
له تثبيت خطل نسبية الحقيقة، أو امتياز مطلق المخــاتلة مع التقــدير
الخـاص
لابتذال الاستبداد وشــاعرية الطــغاة المنهمرة في نوادي الصحافة ومسارح
المـــوت.
قاطع الأخــشاب الذي عثــر على دليل الجريمة، عاد وأنكرها. كان خائفاً من
عدم تطابق
الصوت مع الصورة. رغماً عن سادة التقــرير، توحــد الصوت مع الصورة، وفشل
بيكــر.
الشعــب العــراقي، والمــقاومة الوطنية، هـو قاطع الأخشاب الحقيقي ولديه
دليل
الجريمة الأكيد.
(٭)
سياسي وكاتب عراقي
. |