عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

ماجد الشيخ عولمة اختراع نشوء وتقويض الدولة

 

 

2007-01-04

 السفير  

في غياب الدولة الحديثة، وفي غياب نظام مؤسساتي حديث، سيكون نافلاً الحديث عن إصلاح سياسي او اقتصادي، كما كان نافلاً من قبل الحديث عن إصلاح ديني، في غياب مفاهيم جامعة غير خاضعة لعدد هائل من التأويلات للنص الديني، وفي غياب مؤسسة أو مؤسسات مقبولة تحوز رضا وإجماع غالبية الناس.
وإذ يؤكد مفهوم الدولة دورها الوظيفي في خدمة مجتمعها كمبرر لوجودها، في ظل تداول للسلطة عبر الانتخاب الحر المباشر، ووفق قوانين عادلة تحمي شرعية وجود البنى المتعددة من أحزاب ونقابات ومؤسسات مجتمع مدني، فإن هذا المفهوم ينطوي على ضرورة وجود الدولة الناظمة، بل واختراعها كمنظم وحارس وحام لوجود الشعب/الامة. وإلاّ فإن فقدان الدولة لهذا الدور، يُعيدنا إلى إخضاعات الهيمنة البدائية، لتكوينات سلطوية قاهرة، ذهبت في تعبيرها عن غلبتها، إلى كونها تمثيلات معبرة عن نظم عشائرية وقبلية، تجمعها توافقات تحاصصية على اقتسام مواقع النفوذ والهيمنة، وتفرقها وتمزق مجتمعاتها خلافاتها واختلافاتها على حصص ومغانم السلطة المستجدة البازغة جراء اجتماعها التوافقي في لحظة معينة.
وفي طيات هذا الشكل البدائي من «الدولة»/السلطة، أو دولة القبيلة واجتماع القبائل داخلها او تنافرها، يكمن سلوك هو الأكثر عدائية لنشوء الدول، حيث تقوم نخب المحاصصة وقوى الهيمنة والنخب السياسية والاقتصادية والثقافية والمالية، المستفيدة من استمرار شكل السلطة الراهن، وحكوماتها الخادمة لها، بالوقوف حجر عثرة، ودور الحاجب الحاجز أمام إمكانية نشوء الدولة أو اختراعها، كلما بدا ذلك ممكناً في لحظة تاريخية ناشئة عن إجماع لا يمكن أن يتكرر في كل لحظة.
والحكومات ـ حكوماتنا ـ بهذا المعنى، ليست أكثر من حارسة لتقاليد العشيرة والقبيلة والطائفة والعائلة، في استمرارها القيام بلعب دور وظيفي لا تريد أن تلزم نفسها بموجبه، تقديم كشف حساب عن ممارساتها وسلوكها لأحد في الداخل الوطني، طالما هي تتمتع برضا وقبول الخارج الداعم لها سياسياً او اقتصادياً، في استتباع بات يفصح عن دور استعمالي ومجال وظيفي أضحى أكثر انفضاحاً.
من هنا صار يلتبس مفهوم الدولة بمفهوم السلطة في بلادنا، بأدوار الحكومات وأدوار النخب التي تشكل القاعدة الأساس لنظام السلطة، هذا الالتباس ناتج طبيعي من نواتج عدم مقدرة السلطة جراء الاختلالات التاريخية والتكوينية، للتحوّل إلى دولة، وبالأصح «مقاومتها» الشرسة لتحويل نظامها إلى نظام دولة، بالمعنى الحقوقي والقانوني والمفاهيمي، استناداً إلى حوامل تلك الاختلالات التاريخية التي رافقت نشوء عالم السلط التي قامت على أسس من دعم الخارج والانظمة الكولونيالية السابقة او تحالفات إقليمية او دولية ناشئة، كما وعلى أسس الغلبة والقوة في الداخل، وعلى الضد من قوى في الداخل الوطني (شعبية وسياسية) والمثقفين على اختلاف انتماءاتهم وأطيافهم، سوى القلة القليلة التي ارتضت ان تلعب دور المطيب او المطبل، المزين لها سوء أعمالها وسلوكها وممارساتها الخارجة عن كل القيم والاخلاقيات التي تدّعيها، وتدعي انتماءها المعياري لها، في ظل إفشاء حالة من الخوف والقمع البوليسي ومصادرة الحريات الفردية والجماعية على حد سواء، مظللة بتواطؤ خارجي هدف ويهدف إلى توظيف هذه السلطة في خدمة مشروع الهيمنة الامبراطوري على الاسواق/الدول او الدول/الاسواق.
هكذا أصبحنا أمام تلاوين حكومات، وإن قامت شرعيتها الداخلية استناداً إلى دستورية القوانين الناظمة، إلا أن استنادها إلى سلال من دعم خارجي، أضحى يحيلها إلى مرجعية أعلى من الوضع الدستوري الداخلي، فالخلافات والانقسامات السياسية التي لا يستطيع الدستور تأويلها، أو تختلف التأويلات في شأنها لإيجاد مخارج عملية لها، مقبولة من كل الاطراف، صارت تحيل وتحال إلى تدخلات خارجية شكلت لها المرجعية التأويلية الأعلى من الدستور. وفي حالات أخرى صار الدعم الخارجي للنظام السياسي ورأسه الاول، الداعم الرئيس له في مواجهة حكومة لا تحظى بقبول ورضا الخارج (الحالة الفلسطينية او العكس كما في الحالة اللبنانية)، لنصبح أمام لوحة قاتمة من مشاهد السلطة في عصر العولمة، حيث التماهي بين بونابرتية الأحاديات الفردية واستبدادية الحكومات يتبلور وفق محددات خارجية، ووفق عرض او عروض محلية او طلب خارجي استناداً إلى قوة أو قوى دفع دولية؛ أبرزها مركز العولمة الفاعل في غرب الهيمنة (الولايات المتحدة) ومراكز أخرى ثانوية مساندة او منافسة لسبب أو آخر (أوروبا مثالاً) وقوى دفع إقليمية قريبة أو بعيدة نسبياً.
وفي كل الاحوال، فالسلطة في بلادنا وفي مآلها الأخير، هذا الذي نعيش أحد أكثر تجلياته وضوحاً من لبنان إلى فلسطين إلى العراق إلى الصومال إلى السودان .. وما بين هذه البلدان وبلدان أخرى من أوجه شبه كثيرة، تحيل إلى وجه جديد، بل أقنعة جديدة ومتعددة من أوجه وأقنعة الأحاديات الاستبدادية المتشابهة جوهراً ومضموناً جوانياً، كونها أحد إفرازات قوى الهيمنة العولمية التي باتت تصنّع أدواتها في البلدان الوطنية داخل هذه البلدان نفسها، ومن طواقم الحكم نفسه، دون الحاجة إلى تصنيعها في الخارج، كما كان يحصل في فترات سابقة حين كانت الدول تصاغ في مختبرات ومعسكرات الاستخبارات والجيوش الاجنبية و«مدارسها»، اما الآن فيكفي ان يجري العمل على تقويض «الدولة» او السلطة ونظامها الحاكم، كي يعاد صياغتها وفق الحاجة؛ حاجة الطلب العولمي لإيجاد تشكيلة من شاكلة هذه الحكومات المتعولمة، على اختلاف ادعاءاتها التمثيلية الفئوية او الكوكتيلية، التي لا تتخارج عن كونها ممثلة لطغم مالية ـ سياسية ـ اقتصادية ـ ثقافية ـ دينية طوائفية ومذهبية، وحّدتها وتوحّدها مصاهر الليبرالية الجديدة المتعطشة لاستمرارية الهيمنة السلطوية عولمياً ومحلياً.
هنا وفي القلب من هذا التجريب العولمي لإعادة صياغة السلطة في بلادنا، بما يلبي طموح وأطماع أرباب العولمة، الذين هم أنفسهم أرباب السوق العالمية، الممسكون بقبضة حديدية بأسواق المال والتجارة وتدفقات الاستثمار غير المتكافئ، وصناعة التفكير الليبرالي الجديد بطبعته الوحشية المعادية لكل قيم وأخلاقيات الانسانية المتحضرة، هنا وفي هذه المجالات كافة، أصبحت تتبلور صورة لـ «ديموقراطية الاستبداد» بطابعها الديكتاتوري الفردي (الرئاسات) و«الجماعي» الأوسع (الحكومات) والنخب الطحالبية النابتة على حواف المراكز السلطوية، في عملية انقلاب على الدولة، وتوزيع مغانمها وأسلابها، ومنح قوى ضعيفة التسييس بعض فتات هذه المغانم والأسلاب، في تصوير لتلك العملية وكأنها تحذو حذو احترام «التعددية» وتحت شعارات تبدو «إصلاحية»، حريصة على إنماء وتنمية المجتمع وإنسانه، فيما هي أبعد ما تكون عن حاجات ومتطلبات التنمية الحقيقية لقوى المجتمع الأهلي، فما نراه ونلمسه يومياً هي العملية القصوى التي ذهبت إلى تفكيك الدولة والمجتمع، هادفة إلى إنماء و«تنمية» مجتمع آخر هو «مجتمع السوق»، وتلك هي العملية الملازمة لإعادة صياغة موقع السلطة بعيداً من موقع الدولة التي كانت قد وقعت أو أوقعت ضحية قوى سوق كانت استبعدت سابقاً، وهي تستعيد الآن مواقعها، لتهيمن في إطباق كامل على السلطة، في غياب الدولة، وفي ظل تحويلها هي ذاتها إلى كونها «الحارس لدولة السوق»، وتحويل «سيادة» هذه «الدولة» وفي هذه المرحلة من مراحل تقويضها، للخضوع إلى شكل من أشكال «الشراكة» او تقاسم «السيادة»، انفتاحاً على خارج أضحى داخلاً، وتحت حجج وذرائع عدة من ضرورات التحديث الانفتاحي، إلى ضرورات «الإنماء» و«النمو» لمصالح طفيلية لطغم السلطة. وهذه عملية لا تمت بأي صلة إلى مفاهيم التنمية الحقيقية، بل إلى حاجات التحديث الريعي لا الحداثة، ومتطلبات التصحيح لا الاصلاح، التصحيح الذي يذهب إلى حد إعادة جبل مادة البنيان، دون توافر شروط المواصفات المطلوبة، والزعم بضرورة إجراء مراجعة تاريخية لخلل نشوء كيانات هشة، ذهبت إلى اعتبار ذاتها دولة، فيما هي في الحقيقة والواقع ليست أكثر من قبيلة أو تجمع قبائل، لم ترتق بعد في مدارج العمران كي تصبح في حال اتحادها دولة.
هنا في عصر العولمة الامبراطورية الاميركية وشرقه الاوسط الجديد، يراد للوحدات الوطنية الجامعة ان تنتفي او تختفي باختفاء الدولة، ليعاد للأصل المشوّه صورته النمطية الأولى في بدائيتها: صورة المكونات البدائية التي كانتها مجتمعات «وحدتها» مركزيات إدارية أو مركزيات ديكتاتورية الطابع على اختلاف تلونات قواها الاستبدادية (العراق والصومال). أليس هذا ما تضمره العولمة الآن ـ بل وفيما تعلنه ـ في مجرى سلوكها الراهن للهيمنة على الدول، وتحويلها إلى أسواق، والهيمنة على الاسواق وتحويلها إلى بوتقة انتماء جغرافية لا توحدها السياسة إلا بقدر ما تفرقها، ولا يوحدها الدين قدر ما يفككها، ولا توحدها القومية قدر ما تشد من عصبيتها وشوفينيتها، وتنزع إلى تمزيقها قطريات متناحرة وفدراليات متقاتلة، فأي هوية تلك التي يمكن ان تنتج في عصر كهذا وزمن كالذي نعيش؟
ولأنه لم تكن هناك بالأساس هوية تاريخية ناجزة، تشكلت او تتشكل على هيئة بناء يقوم صرحه على اكتمال قواعده وقوائمه وطوابقه وشكله الخارجي على الكمال الذي ما بعده، فإن الهوية بهذا المعنى هي ابنة الفواعل الدائمة والمؤثرة والمتأثرة، ولكن المنسجمة في تأسيس وتوليد بناها المتراكبة، وتطوير وتحديث معارفها وإدراكاتها المتواصلة والمتفاصلة في الوقت ذاته. هي الجدلية المستقيمة والمتعرجة في آن، ولكن المتحولة في كل أوان.
من هنا لم تتشكل الدولة تعبيراً ولو مجزوءاً عن الهوية الناجزة، كما ان هذه الأخيرة ومن واقع خبرات وتجارب تاريخية (أميركا وأوروبا اليوم والعديد من البلدان الآسيوية)، لم تعد هي العامل الحاسم في نشوء الدولة او الدول، طالما أن الهوية متعددة، أما الدولة فهي محددة، وتحديدها ليس نابعاً من تعريف بهويتها، كونها دولة الهوية، فبالقدر الذي تتحدّد مقدرة الدولة على تعريف ذاتها كونها كذلك، بالقدر الذي يضحى هناك ضرورة لتعريفها والاعتراف بالهويات التي كوّنتها، نسباً إلى مكوناتها وهوياتها الصغرى، قبل ان تتبلور صيغة هويتها الجامعة، فالنسب إلى الدولة قد يكون محدداً، وقد يحمل سمات التعدد، هنا يمكن للدولة ان تكون بوتقة انتماء، ونتاج اجتماع هويات متعددة لا سمة انتماء، ونتاج هوية واحدة ناجزة مرة وإلى الابد. وحدها الدولة/الامة وليس الدولة/القبيلة، ووحدها العملية الديموقراطية الجامعة للهويات الصغرى في هوية وطنية جامعة ما يمكنها من بلورة دولة/أمة حتى في ظل تعدد الهويات المكونة لها.
(
٭) كاتب فلسطيني

.

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة