|
حورات |
|
|
|
![]() |
| ياسين الحاج صالح |
اللهُمَّ أعزَّ الحرية بأحد الدالَيْن: الدين أو الدولة! |
|
|
||
|
ولعلنا لا نجد نظما عربية تغلب الركن الشكلي للشرعية على ركنها المضموني (هل تفعل سلطة أبو مازن الفلسطينية ذلك؟). لكننا بالتأكيد لا نجد نظما تقف ثابتة على القدمين، القومية والقانونية. الجوهري في شرعية السلطة أنها تغنيها عن الاستناد إلى الرصيد الرمزي الذي تنبني عليه الهوية الوطنية، القومية والدين في البلاد العربية، وتسهل للسياسة كمجال نوعي لعمل السلطة أن تستقل عن الهوية. وبالعكس. يدفع ضعف الشرعية إلى تسييس ذخر الهوية الرمزي (ما يفقد الهوية فاعليتها التوحيدية)، وفي الوقت نفسه إلى الالتزام بالتأويل الأشد محافظة وجمودا للهوية. وهو ما ينبغي أن نستخلص منه منذ الآن أن تحرير الدين والقومية من الاستخدام السياسي النفعي، وضمان استقلال السياسة، يقتضيان أنظمة حكم شرعية. وبالاستناد إلى التمييز بين وجهي الشرعية، الشكل القانوني المؤسس والمضمون القومي الشعبي، لن نتفاجأ حين نتبين أن المشتغلين بالسياسة، أهل الحكم بخاصة، ينكرون أكثر من غيرهم اختصاص مجالهم بمعايير وضوابط ذاتية. فهم يفضلون «الشعبية» و»الوصال» على سياسة مستقلة بنفسها وغير مضمونة النتائج. *** ولا يسع السياسة أن تستقل عن الدين والقومية (بالمعنى العربي...) إن لم تتأسس كقيمة أو يتأسس لها «عالم روحي» خاص بها. إن سياسة أداتية ترتد إلى القوة المحض تنزع بالضرورة إلى الارتباط بعقيدة مقدسة، دينية، مرفوعة فوق المدارك والإرادات البشرية. فوصل الدين بالدولة هو مثل مزج الماء بالزيت، يبقي الدولة أداتية، ويرد الدين إلى محض إيديولوجية مشرعة لحكم القوة. وهذا المركب الأداتي العقيدي هو الثمرة الطبيعية لافتقار السياسة إلى قيمة ذاتية أو «دين ذاتي». وبالمثل، لا يمكن للسياسة المرتبطة بعقيدة خارجة عنها إلا أن تكون أداتية، بلا روح ذاتية، انعكاسا محضا للقوة وعلاقات القوة. هذا بديهي: بلا روح خاصة بها، روح سياسية، كيف للسياسة أن تقوم وتستقل وتقول ها أنذا؟ ستفضل بداهة أن تتحدث عن أصلها وفصلها، عن أبيها الدين وأمها «الأمة» ورسالتها الخالدة. إن الدولة العربية الراهنة تركيب ميكانيكي من جهاز ردعي مهول ومن دين خارجي يضفي عليه شرعية قومية أو «هوياتية». وافتقار الدولة إلى روح ذاتية مدنية وعقلانية لا يجد تعويضه إلا في انتحالها روحا دينية. لكن المضمون الواقعي لذلك هو، في كل الحالات دون استثناء واحد، تحويل الدين منظمة سلطة إضافية. والحال إن السياسة العربية الفاقدة للروح، والتي تفضل أن تبقى «حرة» بلا روح تضمن ذاتيتها، تمنع ولادة أرواح جديدة، وتلوذ بالروح الوحيدة التي لا تستطيع خنقها: الدين. هذا الصنف من حرية السلطة المطلقة قامع لكل حرية. وإذا يُصفِّح نفسه بالدين فإنه يزداد «حرية» وإطلاقا، ولا يقل. وهو ما يرتد على الروح الدينية ذاتها جفافا ويباسا و... فقها. وخلافا لما قد يعتقد الإسلاميون فإن هناك طرفا واحدا يستفيد دوما من الوصل بين الدين والدولة: القائمين على الدولة. على أن الفصل بين الدين والدولة لا يضمن من تلقائه ذاتيته السياسية، وإن كان شرطا لها. بل إن السياسة الأداتية التي يتمخض عنها الفصل قد تتلهف إلى جعل العلمانية ذاتها روحا خارجية لها، روحا منفصلة عن حرية التفكير والاعتقاد والمساواة السياسية والقانونية بين أفراد من أصول دينية متعددة، علمانية أداتية فحسب. ومثل الوصل بين الدين والدولة، لا يضمن الفصل بينهما بحد ذاته تقييد السياسة الأداتية. فالدولة القهرية (برهان غليون) لا تجد بأسا في اعتناق العلمانية عقيدة، إن ضمنت السلامة. فهي لا تعتنق الدين بقلب سليم، بل فقط تحصينا لسلطتها، أي تعاملا أداتيا. وهي كذلك تنصر الدين كرمز وشعار كي تتمكن من سحق أي اعتراض عليها من الجمهور، مؤمنا كان أم غير مؤمن. يبقى أن استقلال الدولة عن الدين ضروري كي تنضبط الدولة بمبادئ بشرية. ويتعين إنجاز هذه العملية، العلمنة، في الذهن أولا كي يكون ممكنا إنجازها في الواقع. أعني أنه ينبغي أن تكون أساسا منطقيا للتفكير من أجل أن تكون نظاما فعليا للحياة السياسية. إذ لا علمانية بلا علمانيين حقيقيين. *** هل في ما سبق ما يجيب عن سؤال: من أين تأتي الشرعية؟ نرى أن نعم. لكن يفيد أن نقول أولا أن الشرعية لا تأتي من المجال العسكري. ذلك أن تحقيق نصر حاسم على الأعداء، وهم من هم، أمر غير متصور في الأفق المنظور (نستطيع أن ننغص أمن العدو في فلسطين بثمن تدمير مجتمعنا، وأن نحرق الأرض تحته في العراق بثمن أن يكون المجتمع العراقي هو الحطب). ولو كان النصر العسكري متاحا لانتفت الحاجة أصلا إلى اتخاذ قرارات صعبة، بعضها على الأقل. لا تأتي الشرعية كذلك من «صبغة دينية»، كما قد نستخلص من قراءة ابن خلدون. هذا أيضا ليس متاحا، بل إن إعادة تنظيم الحياة الدينية هو أحد القرارات الكبرى الصعبة التي يحتاج العرب المعاصرون إليها. إلى ذلك لا يمنح نصر عسكري أو هداية دينية إلا روحا خارجية لسياسة تبقى مادية وأداتية في جوهرها. من أين إذاً؟ من حرية التفكير، من حصانة الفرد البشري أمام سلطتي الدين والدولة. من بناء فكرة الشرعية ومبدئها في الروح أولا. هذه بمجملها قضايا تخرج عن النطاق السياسي إلى النطاق التأسيسي. ومن الواضح أن مشكلة الشرعية لا تؤرق نظم الحكم القائمة، كما أن حلها ليس رهناً بها. ولا هو حتى مشكلة سياسية تحل بآليات السياسة وحدها.
! . |
|
|
|
حورات |