|
بعد
إعدام صدام هل ما زال الحديث عن فشل أميركي في العراق ممكناً؟
أليس
ما يحدث في العراق هو بالذات ما تريده الإدارة الأميركية؟ ما يبدو واضحا
إلى
الآن
أن معيار فشل أميركا في العراق، الفشل الذي تحتفل به بعض وسائل الإعلام
والأوساط الثقافية والسياسية العربية، هو حجم الخسائر التي تتكبدها القوات
الأميركية هناك، فهل يصح مثل هذا المعيار للحكم على درجة تحقق الأهداف
الأميركية
التي
سيق الجنود والملوك والأمراء والرؤساء لتحقيقها؟
أولا، القول بفشل أميركي
ينبني غالبا على مقارنة حالة اميركا في العراق مع حالتها في فيتنام،
وبالتالي فهو
يضمر
عتبة موت يكون عندها النجاح أو الفشل الاميركي، وكأن شيئا لم يتغير في
اميركا
نفسها وفي العالم منذ ذلك الحين إلى اليوم؛ وثانيا، القول بفشل اميركا يعني
الموافقة على الأهداف الأنغلو ـ اميركية المعلنة، أي إرساء الديموقراطية
كبديل عن
نظام
يهدد رعاياه وجيرانه، ويعني بالتالي غض النظر عن الهدف الحقيقي للحرب
المتمثل
بالسيطرة على منابع الطاقة وتحويل المنطقة إلى جزر نفطية محميّة بالسلاح
ومحاطة
بدويلات تستقل على عداء بعضها لبعضها الآخر وتقوم على هذا المبدأ، دويلات
تحكمها
جميعها، رغم التضاد الظاهر بينها، دمى تمسك بها قبضة المصالح الاميركية
وتحركها
كيفما تشاء.
هدف
السيطرة على منابع الطاقة ليس مضمرا إلى درجة يحتاج معها
اكتشافه إلى التحليل، وليس غريبا أن معظم الديموقراطيات الملوّنة المرعية
اميركيا
يقوم
إمّا فوق أحواض الطاقة أو في محيطها القريب ومناطق عبورها، وإذا كان لحرب
اميركية قادمة أن تكون مع إيران فلن يكون الخوف من تكنولوجيا إيران النووية
سببها
إنّما إحكام السيطرة على محيط قزوين. أمّا الحديث عن المصالح الإسرائيلية
ودورها في
حروب
أميركا فيبدو ممكنا بمقدار توافق مصالح إسرائيل مع مصالح اميركا وليس
العكس،
وعلى
هذا التوافق تلعب إسرائيل، ومنه، فربما لولا العنصر الإيراني لما كان لثورة
الأرز أن تقوم ولكان رفيق الحريري يدلي بتصريحاته اليوم عن إعدام صدّام.
ومن طبيعة
ذلك
العداء الاميركي للرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز فهو لا يعود إلى لونه الأحمر
إنّما إلى رائحة النفط المنبعثة من بلده، الرائحة التي تعبق بها الأحلام
الاميركية.
وأمّا الإدارة الاميركية فلا تبذل جهدا كبيرا في إخفاء هذه الأهداف. ألم
يقل بوش من
فترة
وجيزة ردا على نصيحة تقرير بيكر ـ هاملتون له بالتفكير في الانسحاب من
العراق: «لن
تغفر لنا الأجيال (الأميركية) القادمة لو تركنا النفط بيد هؤلاء المتطرفين
السنّة والشيعة!».
وعليه فالحديث عن فشل أميركي يفترض أن ينبني على فشل في
التحكم بمنابع الطاقة وليس على عدد من القتلى الأميركيين ينقص أو يزيد عن
رقم ما
بين
شهر وآخر. بل ويمكن الحديث هنا عن حاجة اميركا إلى ضحايا يسوّغون بقاء
قواتها
في
العراق، ضحايا من العراقيين ومن الاميركيين، وصولا إلى القول بحاجة هؤلاء
الهمج
الإرهابيين، الذين هم نحن، إلى من يردعهم ويحمي الديموقراطيات والعالم
المتحضر من
خطرهم.
وهكذا، فإذا ما تم التسليم بأهداف اميركية أخرى غير الديموقراطية، وهو
أمر
يقف دونه السذج وحدهم، يغدو الاقتتال والقتل ضرورة اميركية، سواء من جهة
التذكير الدائم بموجبات البقاء هنا أم من جهة شغل (الأولاد) بلعبة جذّابة،
ـ وهل
أكثر
من السلاح جاذبية بيد المتعصب والجاهل؟! ـ، فإذا بهم (أي بنا) ساهون عن
الأهداف الحقيقية. الحاجة إلى خطر دائم داهم ضرورة اقتصادية اميركية. وأمّا
مصلحة
رأس
المال العليا فلا مكان فيها للعواطف ولا هي ترأف بحال الاميركيين حتى ترأف
بحالنا نحن، اللهم إلا ضمن الحدود التي تضمن كسب أصواتهم، أليس هذا ما
تقوله
ديموقراطية الإمبريالية الاميركية؟ ومنه فلن يكون ذا شأن كبير عدد من
القتلى خصوصا
إذا
كانوا من متوسلي الجنسية الاميركية هربا من فقر بلدانهم ودكتاتورياتها، ولا
بأس
أن
يعلى من شأن هؤلاء ويرفعوا إلى مصاف الشهداء بوصفهم مدافعين عن قيم
الديموقراطية
مضحين بأرواحهم ضد الإرهاب.
وأمّا إعدام صدّام وتوقيته مع أوّل أيام الأضحى
المبارك بالذات فلا يأتي خارج الضرورة الاميركية. فعلى الرغم من مقتل مئات
آلاف
العراقيين إلى اليوم، تارة في مناطق السنة وطورا في مناطق الشيعة، لم يصل
العراق
إلى
نقطة اللاعودة، لم يقدم الدم العراقي للاميركيين ضمانة اقتتال أهلي مذهبي
طويل
الأجل، يمتد إن قدّر الله، والله على كل شيء قدير، حتى استنفاد مصادر
الطاقة أو
إيجاد بديل أرخص وأكفأ، لم يمنحهم شعورا بأن الجزر النفطية الواقعة تحت
قبضة
عسكرهم، محاطة بشعوب تلهو بدمها عن الطاقة والتنمية وكل شأن من شؤون
المستقبل، فإذا
بالثأر لما فعله بنو أميّة وبنو العبّاس أهم للأمة من فكرة الحياة نفسها.
فكان لا
بد
من ضمانة اقتتال أمضى وأطول أجلا ـ دم صدام، هنا والآن.
وبعد، فهل يمكن،
حقا،
الحديث عن فشل اميركي في العراق إذا كان العراقيون يقتل بعضهم بعضا، وغير
ذي
شأن
كبير هنا أن يتم ذلك بتدبير اميركي أو إسرائيلي أو أن يكون لدول الجوار دور
فيه
أو
لا يكون؟ وهل يكون ثمة فشل اميركي إذا كانت حقول النفط بمأمن من كل بارود
غريب؟
إذا
كان الحديث عن الفشل ممكنا حتى لحظة إعدام صدّام، فليس له معنى بعد ذلك إلا
معنى
تسويق الوهم الاميركي عن الديموقراطية. قُتِلَ صدّام بالأمس لتقتل فكرة
عراق
موحّد إلى أفق بعيد غير منظور، لتقتل فكرة السلم الأهلي ليس في العراق وحده
إنّما
في
المنطقة برمّتها، حيث الدم المذهبي نفسه، وحيث لم تنه الإدارة الاميركية
مشروعها
بعد.
مات صدّام فأرجو أن لا يموت معه عراق كان لا يزال ممكنا حتى لحظة خروج
الشارع
مبتهجا بمشهد القتل الفظيع. وأمّا الاستمتاع برؤية عملية إعدام، فمثال لا
تربى عليه
إلا
الوحوش!
(٭)
كاتب سوري
.
|