عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

محمد منصور

برامج المنظمات الشعبية في التلفزيون السوري: العاهة المستديمة

 

2006-12-29

القدس العربي

مثل ظاهرة برامج المنظمات الشعبية التي مازال التلفزيون السوري مصرا علي المضي بها قدما، نموذجا طريفا ومضجرا في آن من نماذج الإعلام

 الشمولي، الذي يفرزه النظام السياسي الشمولي.
وقد عاش السوريون طويلا، قبل الخروج من أسر وديكتاتورية وقهر القناة التلفزيونية الواحدة، إلي رحابة وديمقراطية (وفوضي) عصر القنوات الفضائية، عاشوا طويلا مع برامج المنظمات الشعبية، التي كانت تلاحقهم من مرحلة إلي أخري، ومن مهنة إلي أخري... فمع بداية عهد الطفولة، يجد الأحباء الأطفال أنفسهم أمام برنامج (طلائع البعث) الذي ألغي منذ سنتين أو ثلاث، يجدونه نافذتهم الإعلامية الوحيدة في برامج الأطفال، والمكلف باكتشاف مواهبهم وتحويلها إلي آليات ببغاوية تردد وتقلد، كما هذه المنظمة الحصرية التي تعهدت الطفولة وأممتها في المدارس الحكومية كافة لعقود طويلة من حكم البعث، وحين يشبون عن الطوق قليلا سيجدون أمامهم برنامج (مع الشبيبة) الذي كان نشيده القديم، ولسنوات طويلة بالطبع: (لنرفع الجبين للأبد.. شبيبة لحافظ الأسد). أما حين يصبحون في سن الجامعة فهناك برنامج (مع الطلبة) الذي يتبع للاتحاد الوطني لطلبة سورية، وإذا صار الشاب السوري، في سن دخول الجامعة ولم يتابع تعليمه، فسيذهب حكما لأداء خدمة العلم، وحين يصبح جنديا يدافع عن الوطن، سيتحول إلي أحد رعايا برنامج (حماة الديار) التابع للجيش والقوات المسلحة، وحين يخرج من الجيش فهناك أمامه أربعة خيارات، إما أن يصبح عاملا، وهنا سيغدو الصوت الإعلامي المعبر عنه برنامج (مع العمال) التابع لاتحاد نقابات العمال، أو يصبح فلاحا، فيحظي بشرف الظهور بلقطة أو لقاء سريع ليتحدث عن مواسم الخير والعطاء وعن المنجزات التي تحققت في سورية الحديثة، مع المذيع نضال زغبور الذي بدأ حياته التلفزيونية بتقديم برنامج (أرضنا الخضراء) التابع لاتحاد الفلاحين، والذي كان صوت أغنية وديع الصافي علي شارته هي الحسنة الوحيدة له.
وأما إن امتهن مهنا حرة فسيظهر مع بشار مصري زاده في برنامج (مع الحرفيين) ليشرح عبقرية الصنعة والصانع في ظل ثورة الثامن من آذار المجيدة، وأما ان دخل الشاب السوري بعد دراسته الجامعية أو قبلها سلك التعليم، فسيكون منبره الإعلامي (بناة الأجيال) التابع لنقابة المعلمين، وإذا اتجه نحو سلك الشرطة فهناك برنامج (الشرطة في خدمة الشعب) وإذا انحرف وأصبح مجرماً لا سمح الله، فسيظهر أيضا في البرنامج ذاته، بعد أن تقبض عليه الشرطة الساهرة علي الأمن، وهنا سيجد أمامه المذيع علاء الدين الأيوبي، الذي سيصور معه اللقاء في إحدي أقسام الشرطة، أو في أستوديو وزارة الداخلية، وسيكون علي المجرم أن يخاطب المذيع بلقب: (سيدي) ويجيب بعد أن يروي تفاصيل الجريمة وكيف تم القبض عليه، بالإجابة الشهيرة: (إي والله ندمان يا سيدي) علي السؤال التاريخي الذي يتندر به السوريون، والذي اشتهر به المذيع علاء الدين الأيوبي، أعني سؤاله لكافة المجرمين عن مدي شعورهم بالندم في نهاية كل جلسة استجواب إعلامية.
وفيما يتعلق بالجنس اللطيف، الذي لم يظهر لطيفا أبدا في برامج المنظمات الشعبية، فهناك برنامج المرأة التابع للاتحاد النسائي، والذي أهّـل إحدي معداته قبل سنوات، (وهي الدكتورة نجوي قصاب حسن) لأن تصبح وزيرة ثقافة دفعة واحدة، رغم أنها لم تعمر في الوزارة طويلا.
وإذا أراد المواطن السوري أن يحلق خارج سرب الانتماء لمهنة أو فئة عمرية، فسيجد الجغرافيا لديه بالمرصاد في برامج تنتمي بالهوية والهوي إلي فئة برامج المنظمات الشعبية... فلمحافظة دمشق برنامج (رسالة الفيحاء) ولأهل المنطقة الوسطي من سكان مدينتي حمص وحماه برنامج (رسالة العاصي) ولأهل حلب برنامج مماثل وكذا دير الزور والرقة والقامشلي في الشمال والشرق، وكذا لسكان جبل العرب ودرعا في الجنوب.
وها هنا تصبح وظيفة هذه البرامج متابعة نشاطات فروع حزب البعث والمحافظين في تلك المدن، وخصوصا الاحتفالات والمهرجانات الخطابية التي يقيمونها في ذكري ثورة الثامن من آذار وميلاد حزب البعث في السابع من نيسان/ابريل، وحرب تشرين التحريرية والحركة التصحيحية المجيدة... يتخلل ذلك علي مدار العام رصد سياحي معاد ومكرور للمواقع الأثرية، أو لبعض الأنشطة والمهرجانات المحلية التي تقام في هذه المحافظة أو تلك، دون المساس بالصورة المشرقة التي تظهر للمواطن السوري دائما في كل المناطق وفي مختلف المناسبات الوطنية والقومية والاجتماعية والأعياد.
وبالنسبة للعاملين في التلفزيون السوري، فبرامج المنظمات، هي تسليك أمور وبناء علاقات من جهة، و(سبوبة) خالصة لا رائحة فيها لأي هاجس إعلامي من جهة أخري، فهي تنفذ حسب رؤي المنظمة الشعبية أو الفرع التابعة لها، وقد سبق أن كتبت قبل سنوات عن فضيحة حدثت في برنامج مع العمال... حين ظهر المذيع في شهر شباط، ليهنئ الأخوة العمال الكادحين بحلول عيد العمال العالمي في الأول من أيار/مايو... وكان سبب هذا الخطأ، هو أن معد البرنامج لم يجد لديه حلقة جديدة، فأعاد حلقة قديمة كي لا يفوته الأجر والثواب المالي طبعا... وكان من الممكن ألا ينتبه أحد لذلك بمن فيهم أنا، لولا المصادفة البحتة التي تكون أحيانا خيرا من ألف ميعاد.
هذه البرامج التي دخلت حياة السوريين الإعلامية، علي مدار العقود الثلاثة الماضية، وصاغت علاقتهم بجهاز التلفزيون في الأفراح والأتراح، وعلمتهم كيف يظهرون أمام الكاميرا، وماذا يقولون وكيف يتحمسون وكيف يهتفون وكيف يبتسمون وكيف يندمون علي أفعالهم القبيحة، وكيف يبكون ويحزنون إن لزم الأمر، هي اليوم عملة بائدة ومخجلة، لا ينقلها التلفزيون السوري علي قناته الفضائية، بل يحرص أن يبقيها في بثه المحلي علي القناة الأرضية، لأن الجميع يدرك، أنها أصبحت أشبه بالعاهة المستديمة التي صنعت عن سابق إصرار وتصميم، والتي لا ينبغي أن نفاخر بها، مثلما لا يمكن إصلاحها، لأن الزمن الكئيب في مساره، قد حولها إلي أمر واقع إلزامي، مثلها مثل أحياء السكن العشوائي حول دمشق، مثلها مثل حفر الإسفلت في الشوارع، التي لا يمكن إصلاحها، لأن مع كل عملية سفلتة جديدة، ثمة رشاوي وفساد وأموال تنهب، ومصالح تمنع إخفاء العيوب، وإصلاح المشكلات.. حتي وإن صدر قرار بذلك
.

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة