عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

السيد يسين

أزمة السلطة في العالم العربي

 

2006-12-28

الاتحاد

تواجه ممارسة السلطة في العالم العربي أزمة عميقة. ويمكن القول إن من بين الأسباب الرئيسية مفهوم وممارسة مبدأ المشاركة السياسية، والذي يؤدي عدم إعماله بالكامل إلى فجوة بين السلطة وباقي التيارات السياسية في البلاد العربية المختلفة. والسبب الثاني -كما نتصور- هو عدم تطبيق سياسة فعالة تحقق العدالة الاجتماعية التي تتعدد مفاهيمها، ومن شأن ذلك إيجاد ثغرة بين السلطة والجماهير. ومبدأ المشاركة السياسية يشير بقوة إلى موضوع يشغل العالم العربي في الوقت الحاضر، ويهتم به المجتمع العالمي منذ فترة اهتماماً خاصاً وهو موضوع الديمقراطية.
ويرد هذا الاهتمام إلى عوامل متعددة، أبرزها ظاهرة سقوط النظم الشمولية وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية عصر الحرب الباردة. فقد فتحت هذه التغيرات الجوهرية في النظم السياسية على مستوى العالم الباب أمام رياح الديمقراطية. ومن هنا لم يبالغ عالم السياسة الأميركي صمويل هنتينغتون حين قرر أننا نعيش في الواقع عصر الموجة الثالثة للديمقراطية.
وقد تعاملت النظم الشمولية والسلطوية العربية مع التحول الديمقراطي العالمي بطرق شتى. بعض هذه النظم الشمولية يناور مناورة خاسرة مع النظام العالمي كي يتهرب من استحقاقات التحول الديمقراطي. وهذا التحول تفرضه في الواقع ضغوط دولية ومطالب داخلية على حد سواء. ذلك أن المجتمع العالمي الآن بدوله وبمؤسساته المدنية التي أصبح لها ثقل شديد، يضغط لتحقيق الديمقراطية. وفي نفس الوقت نتيجة لتطور المجتمعات وللثورة الاتصالية الكبرى وفي قلبها شبكة الإنترنت، تتزايد بعنف مطالب الداخل في كل بلد عربي، من أجل تحقيق التحول الديمقراطي الذي يكفل زيادة رقعة المشاركة السياسية.
ومعنى ذلك أن جوهر أزمة السلطة في هذا الجانب هو ممانعة السلطة العربية في تحقيق مبدأ المشاركة السياسية، أو التوسيع الجزئي لهذه المشاركة بما لا يشبع الاحتياجات الديمقراطية الأساسية للجماهير.
ومن ناحية أخرى تبدو أزمة السلطة واضحة جلية في غياب سياسات فعالة لتحقيق العدالة الاجتماعية. وهذا بذاته موضوع مُعقد، لأنه يمس أوضاعاً متعددة. فهو يتعلق أولاً بالخريطة الطبقية في كل بلد عربي، حيث نجد الفجوة عميقة بين الطبقات العليا والطبقات الدنيا من ناحية، وحيث نلاحظ تدهور أحوال الطبقات الوسطى من ناحية أخرى. ومعنى ذلك أن هناك خللاً جسيماً في أنماط توزيع الثروة القومية، ينعكس بالضرورة على نصيب كل طبقة من الدخل القومي. وقد انعكس هذا الوضع على الواقع السياسي، بحيث نجد فجوة مصداقية بين السلطة مهما كان خطابها وبين الجماهير، التي لا تلمس في واقع حياتها اليومية أثراً لوعود السلطة في الحرية والعدالة الاجتماعية.
وإذا كان هذا هو الوضع العام لأزمة السلطة في العالم العربي، فإننا نريد أن نناقش على وجه الخصوص أزمة السلطة السياسية في حالاتها القصوى. وفي سبيل ذلك نريد أن نركز على ثلاث حالات عربية حرجة. وهي أزمة انهيار السلطة في العراق، وأزمة هدم السلطة في لبنان، وأخيراً أزمة الصراع على السلطة في فلسطين.
وتبدو خطورة الأوضاع في هذه الأقطار الثلاثة في أن الأزمة تطال بلاداً عربية في إقليم عربي فرعي بالغ الأهمية من وجهة النظر الاستراتيجية العربية.
وإذا بدأنا بانهيار السلطة في العراق فنحن نتحدث في الواقع عن الآثار السلبية التي تسبب فيها الغزو العسكري الأميركي. كانت السلطة في العراق قبل الغزو يمارسها نظام شمولي بقيادة حزب "البعث" وعلى رأسه صدام حسين. وبغض النظر عن السلبيات المعروفة لشمولية النظام، فإنه كان قادراً -وإن بوسائل قهرية- على الحفاظ على وحدة العراق كدولة، وعلى تماسك العراق كمجتمع، وفق معادلات خاصة حاولت بدرجات متفاوتة من النجاح والإخفاق إقامة التوازن بين مختلف الطوائف. ولم يمنع ذلك من اختلال هذا التوازن في بعض الفترات التاريخية.
غير أن الغزو العسكري للعراق، الذي لم تكن له شرعية دولية ولا أي مبرر سياسي مقنع كما تعترف بذلك أطراف سياسية متعددة في المجتمع الأميركي، أدى إلى انهيار كامل للسلطة في العراق. ذلك أن النظام السياسي الذي حاول الاحتلال الأميركي إقامته عبر انتخابات مشكوك في نزاهتها وصحتها، عجز عجزاً واضحاً عن العمل نتيجة اشتداد موجات المقاومة، ونظراً لاشتعال الحرب بين الطوائف إلى درجة أن بعض المراقبين الأجانب يصفون العراق بأنه تجاوز مرحلة الحرب الأهلية، لأنه يمر الآن بمرحلة تردٍّ مطلق وانهيار كامل للسلطة السياسية. ومن المفارقات أن السلطة الأميركية الفاشلة تريد إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الغزو، من خلال إعادة البعثيين إلى وظائفهم التي فصلوا منها، وإعادة الجنود والضباط إلى الجيش الذي سبق أن سرحوه. ولكنها محاولات متأخرة، تأتي بعد فوات الأوان، ومن هنا يمكن القول إنه ليست هناك خطة طريق واضحة تمنع من الانهيار الكامل للسلطة السياسية في العراق.
غير أننا إذا انتقلنا إلى لبنان فإننا سنواجه بموقف بالغ الخصوصية، ذلك لأن السلطة السياسية جاءت إلى الحكم بناء على انتخابات حرة ونزيهة، وحصل تجمع 14 آذار على الأغلبية التي سمحت له بتشكيل وزارة دخلها عدد من وزراء "حزب الله"، ومجلس نيابي اكتسب عضويته بالانتخابات عدد آخر من نواب "حزب الله". ولا نريد أن نسرد الأحداث المعروفة بصدد الحرب التي أشعلها "حزب الله" فجأة ضد إسرائيل، ورد الفعل الإسرائيلي العنيف الذي يجافي كل منطق ويتجاوز كل الحدود، بل والذي يمثل جرائم ضد الإنسانية. بعد نهاية الحرب ونظراً لفشل "حزب الله" في تكييف وضعه في المجتمع السياسي اللبناني بما يضمن بقاءه سياسياً ولكن في ظل إدارة ديمقراطية، فإنه لجأ إلى محاولات منظمة لهدم السلطة السياسية اللبنانية من خلال النزول إلى الشارع والاعتصام لإسقاط حكومة السنيورة.
وهذه في الواقع محاولة مضادة للديمقراطية، هدفها هدم السلطة السياسية اللبنانية حتى يستطيع "حزب الله" أن يهيمن على عملية اتخاذ القرار في السلم والحرب على السواء، مما يخالف اتفاقية الطائف، وقد يؤدي ذلك إلى حرب أهلية مدمرة.
وتبقى أمامنا حالة فلسطين حيث نجد الصراع اللاعقلاني حول السلطة بين "حماس" والسلطة الفلسطينية والذي انعكس في قتال علني بين "حماس" و"فتح". ومعنى ذلك أن "حماس" التي حصلت على الأغلبية في انتخابات حرة، وشكلت حكومتها، عجزت في الواقع عن الانتقال من الخطاب الإيديولوجي المتطرف إلى الممارسة السياسية الواقعية. وهكذا يمكن القول إننا أمام ثلاث حالات عربية تبدو فيها أزمة السلطة التي تتجلى في انهيارها في العراق وفي هدمها في لبنان، وفي الصراع العقيم عليها في فلسطين!
ولعلنا نتساءل في النهاية عن مستقبل أزمة السلطة في العالم العربي عموماً وفي العراق ولبنان وفلسطين خصوصاً. نستطيع أن نلاحظ أولاً تطورات إيجابية في ممارسات بعض النظم العربية في اتجاه توسيع إطار المشاركة السياسية، ولكن ذلك يتم بخطوات بطيئة وبحذر شديد.
وهذا البطء ليس من شأنه تحقيق الوعود الديمقراطية التي بشرت بها النظم السياسية العربية، أو التي دعت إليها البلاد الغربية والمجتمع المدني العالمي. ومن هنا تحتاج النخب السياسية الحاكمة إلى منظور أوسع لموضوع التحول الديمقراطي لا يشمل فقط توسيع دائرة المشاركة في السلطة، ولكن يتجاوز ذلك إلى إصلاحات اقتصادية واجتماعية وثقافية مطلوبة بشدة، حتى يتحقق توازن اجتماعي بين مختلف الطبقات.
وهناك على العكس جمود في ممارسة السلطة في بعض الجمهوريات العربية التي لازالت تعيش وتحيا على إرث الشمولية الجامدة القديمة. وهذه الشمولية تسد باب الأمل أمام الجماهير في نظام ديمقراطي حقيقي بحيث لا تبدو أي إمكانية لتغير الأوضاع إلا من خلال انقلابات سياسية أو هبات جماهيرية.
وتبقى هناك نظم سياسية عربية أخرى تحاول توسيع إطار المشاركة السياسية، وإن كان ذلك يتم ذلك بنجاح جزئي نتيجة غياب تقاليد راسخة لتداول السلطة، والخوف الشديد من زوال السلطة وغيبة النفوذ. ولو عدنا مرة أخرى إلى العراق ولبنان وفلسطين لقلنا إن الانهيار المطلق للسلطة في العراق سيؤدي إلى حرب أهلية لا حدود لها، مما يسبب كارثة إقليمية من الصعب التنبؤ بآثارها السلبية على مجمل الأوضاع في العالم العربي، أما في لبنان فهنالك حالة سياسية مرَضية تبدو في نزوع فصيل سياسي واحد للسيطرة بالقوة على مجمل السلطة السياسية في البلد.
وهو في الواقع انقلاب واضح على الديمقراطية. وإن لم تنجح المبادرات العربية في حل الوضع المتأزم فمعنى ذلك اقتراب شبح الحرب الأهلية. وهو نفس الاحتمال بالنسبة لفلسطين إن لم يخضع القادة الفلسطينيون في "حماس" و"فتح" لاعتبارات العقلانية السياسية. هل معنى ذلك أن الحقبة القادمة في العالم العربي هي حقبة الحروب الأهلية؟
.

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة