|
قبل الحديث عن الإصلاح الديمقراطي، علينا أن نعترف بأن الهزيمة التي نعيش
في كنفها منذ استقلال البلدان العربية، هي تحوّل الدولة القطرية التابعة
والمرسملة إلى محض سلطة أمنية منفصلة عن المجتمع ومسيطرة عليه، لا سيما في
المرحلة الحالية. فقد بات على الحكومات العربية أن تعترف بفساد الأوضاع
القائمة، وبقسطها الرئيسي في المسؤولية عن هذا الفساد. وبالمقابل بات على
المعارضة العقلانية المطالبة بتحقيق الإصلاح الديمقراطي في أي بلد عربي، أن
تتوقف عن الرفض للرفض، وتعمد إلى الاختيار الحر، وتكف عن النظر إلى الفساد
والسلطوية القائمين، على أنهما أحد مبررات معارضتها فقط، وعلى أنهما
ضروريان لخطابها.
إن الإصلاح الديمقراطي في البلدان العربية يتقدم بتوافر
الشروط الأساسية التالية:
1 - وحدة قوى المعارضة، ومِن ثُم الوحدة الجدلية للمعارضة والسلطة.
2 - تحويل الدولة العربية، القطرية والمرسملة إلى دولة وطنية هو تعبير
حقوقي وسياسي عن هوية المجتمع الوطنية والقومية. ولا يتحقق ذلك إلا بسيادة
القانون والحرية، وفصل السلطات، واستقلال مؤسسات المجتمع المدني، على قاعدة
حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن.
3 - نمو الحركة الشعبية في مناخ الحرية الفكرية والسياسية. إذ لا يمكن
التقدم في مجال الإصلاح الديمقراطي من دون القوى الحية في المجتمع المدني،
واحترام حقوق المواطنين بوصفها أهم واجبات الدولة، واحترام حقوق المعارضة
بوصفها أهم واجبات السلطة.
الدولة الوطنية يجب أن تتأسس على قاعدة احترام الحريات العامة والفردية،
ومبادئ العدالة، والحقوق المطلقة للمواطنين التي لا يجوز التصرف بها، فليس
للدولة أن تَفرُض أيّاً من الواجبات على مواطنيها، وليس للسلطة أن تَفرُض
أيّاً من الواجبات على المعارضة. ذلك لأن قوام الدولة والسلطة الممسكة
بزمامها هو القانون، والسهر على حسن تطبيقه، فهما أي الدولة والسلطة
تعبيران مباشران عن الكلية العينية، كلية المجتمع والشعب.
ومن مهمات المعارضة العقلانية:
* أولاً: التثقيف أو الإسهام في التثقيف، لأن
المثقفين غالباً مستقيلون من مهمتهم. ومع ذلك يجب على الأحزاب السياسية أن
لا تكون بديلاً عن الأنتليجنسيا، شريطة أن تملك وعياً بمخاطر الثقافة
الحزبوية الضيقة، والدوغمائية الإيديولوجية الكفاحية. هذا مع التأكيد على
مسؤولية المثقفين الذين ينبغي عليهم صياغة سياسات جديدة مستوحاة من حاجات
المجتمع، وليس من قوانين العولمة، أو الليبرالية الأمريكية المتوحشة، التي
تعتبر أنها “المحطة النهائية” في مسيرة تطور “المنظومات” الاقتصادية
والاجتماعية الإنسانية.
*ثانيا :إن المعارضة العقلانية مطالبة باستبدال
منطق النضال العنفي الذي مارسته طيلة بعض العقود الماضية، بمنطق الفعل
الاجتماعي والسياسي، لتقديم الرّد المطلوب على فظاظة هذه الدولة الأمنية
والعولمة الرأسمالية المتوحشة على حد سواء. فالبؤس الموضوعي الذي تفرزه
الخصخصة الرأسمالية في الواقع العربي الراهن، لا بد وأن يؤدي إلى أن تكون
قوى فاعلة جديدة، ستؤدي بدورها إلى إعادة تنشيط الفعل الاجتماعي الراكد منذ
عقد من الزمن، بسبب سياسة التدجين التي مورست على النقابات العمالية،
والمنظمات الشعبية، والحركة الطلابية، بالبعد التاريخي للعملية السياسية،
باعتبارها عملية تغيير جذرية شاملة في بنية المجتمع.
* ثالثاً: النضال السياسي اليومي بمستوييه،
الدعوة الإيديولوجية والدعائية، أي التحريض السياسي، وملاحقة الأحداث
اليومية، وتحليلها وتعبئة المواطن، وهذه المهمة تتصل بالبعد العملي، أي
السطح السياسي. وأي معارضة سياسية تتخلى عن إحدى هاتين المهمتين، تواجه خطر
التحول إما إلى نخبة مثقفة معزولة عن الشعب، وإما إلى معارضة تعيد إنتاج
التقليد والتخلف.
* رابعاً:
أن تنطلق المعارضة في رؤيتها
وبرنامجها، وممارستها، من المثلث الجدلي، أو “الثالوث المقدس: الوطن
والقانون والحرية”، والمساواة الحقوقية وليس الأخلاقية بين المواطنين، ومن
مفهوم الحقوق وليس الواجبات. فللمواطنين حقوق متساوية بصرف النظر عن
الواجبات، فالواجبات تنتمي إلى دائرة الأخلاق، وليس إلى دائرة السياسة، على
ما للأخلاق والسياسة من علاقة. فالمواطنون يطالبون باعتماد مزيد من
الشفافية والمساءلة، وبناء أطر قانونية، تدعم هذه التوجهات من أجل مساءلة
المسؤولين الحكوميين في شأن الفساد وسوء التصرف.
* خامساً: لما كان مصدر قوة ومشروعية ومبرر وجود
المعارضة العقلانية هو الوطن والقانون والحرية، فلا بد للإصلاح الديمقراطي
الذي تطرحه المعارضة من أن يستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة إلى التعددية
والديمقراطية، ويواكب التطورات الإقليمية والدولية التي جعلت من
الديمقراطية المدخل الأسلم للمحافظة على استقرار البلد وتماسكه المجتمعي.
إن قوام الديمقراطية هو فصل السلطات، فعندما لا يكون استقلال السلطة
القضائية مضموناً، لا يستطيع الناس أن يتمتعوا بحماية قانونية. ويعتبر وجود
سلطة تشريعية مستقلة في الديمقراطية الفتية، وتشكل حرية التعبير عن الرأي،
وضمان الحقوق المدنية والسياسية، وتأسيس الأحزاب السياسية والجمعيات
والانضمام إليها لتمكين الفقراء من المطالبة بحقوقهم الاجتماعية
والاقتصادية والثقافية أمراً حيوياً للديمقراطية الشاملة.
* سادساً: ولما كانت القوانين وحدها لا يمكن أن
تضمن حقوق الإنسان، فلا بد من بناء مجتمع مدني مفتوح بالتلازم مع دولة الحق
والقانون، ووجود وسائل إعلام حرة ومستقلة، يدعمان القانون، وثقافة وأعراف
وأخلاقيات اجتماعية ترسي دعائمه، وبيئة اقتصادية تعززه، وتدريب أجهزة الأمن
على احترام حقوق الإنسان للحؤول دون ممارسة الوحشية بحق المواطنين. وتشكل
حماية حقوق المعارضة، وتحقيق الفصل بين السلطات، واعتماد مبدأ المساءلة
العامة ضماناً لحقوق الإنسان، خصوصاً وأن اعتماد مبدأ الانتخابات لا يكفي
وحده لتحقيق هذه الغاية.
* سابعاً:
وفيما يتعلق بمضمون برنامج المعارضة
السياسي، لا بد من عودة جديدة إلى مفهوم الواقع. فللواقع أي واقع على
الإطلاق بعدان عالمي أو كوني، وتاريخي، ويضيف بعضهم بعداً ثالثاً مهماً هو
البعد العقلاني، وكل ما هو عقلاني هو واقعي حقاً. لذلك لا يمكن أن تضع
المعارضة برنامجاً مطابقاً، مناسباً أو مقارباً للواقع، إلا إذا فهمت
المعارضة في أي بلد عربي العالم الذي نعيش فيه، والصراعات، والتناقضات التي
تولد حركة تطوره، والقوى التي تؤثر فيه الخ.. لاسيما وأن العالم يتوحد
بوتائر سريعة، فلم تعد ثمة مشكلات أو قضايا أساسية محلية خالصة خارج سياق
عملية العولمة الرأسمالية الجديدة أو الهيمنة الأمريكية |