عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

علي محمد جعفر المحكمة ذات الطابع الدولي ومتطلبات العدالة الجزائية

 

26/12/06

السفير

 

. ما زالت النقاشات الحادة تتمحور حول أساس مشروعية المحكمة ذات الطابع الدولي، خاصة لجهة عدم توقيع رئيس الدولة على المشروع باعتبار أنه أقر من قبل مجلس وزراء يفتقد التوازن الطائفي المطلوب في موضوع اتخاذ القرارات الاساسية والوطنية الكبرى بالتوافق، ومنها الاتفاقات والمعاهدات الدولية، وبصرف النظر على أن المسألة ليست موقع خلاف في الأصل، كون جميع الهيئات أبدت موافقتها على إنشاء المحكمة وعلى أهدافها ايضاً، ولكن تبقى بعض الأمور التفصيلية والجزئيات التي تتناول إجراءات التحقيق وتشكيل المحكمة، وكان يمكن تجاوز الخلافات بشأنها في ظل ظروف عادية، وليس في ظل ظروف صعبة ومعقدة تحتاج منطقة الشرق الأوسط، وتفرض على لبنان أعباء إضافية قد يكون من الصعب تحملها بسبب الأزمات المستمرة والمتراكمة، وبسبب الصراعات الإقليمية الحادة والتي تنعكس أحداثها بصورة مباشرة او غير مباشرة على وضعه السياسي بوجه عام، وعلى وضعه الاقتصادي بوجه خاص.
واذا كان المبدأ لم يثر أي خلاف بشأن إنشاء المحكمة وأهدافها فما هي نقاط الخلاف والتي تكمن في جذور المشكلة وشمولها لإجراءات التحقيق على النحو الذي يوفر له الثقة والفاعلية في إرساء العدالة التي تعتبر غاية كل القوانين؟
لا شك بوجود بعض مظاهر التعارض بين نصوص التشريع الجزائي في لبنان وبين النصوص المتعلقة بعمل المحكمة، كالحالات التي تسمح بإعادة المحاكمة لشخص سبق أن تمّت محاكمته امام القضاء اللبناني، وذلك إذا قدرت المحكمة الخاصة أن دوره يفتقر الى اعتبارات الحياد والعناية الواجبة (م. 5/2) وهذه الحالة تتناقض مع مبدأ عدم جواز محاكمة الشخص عن جرمه مرتين، والذي لا يسمح به التشريع اللبناني، او أي تشريع آخر في العالم. كما أن نظام المحكمة لا يعترف بأي عفو عام أو خاص يمكن أن يكون قد صدر عن السلطات المختصة في لبنان (م ـ 6) وهو أمر يخالف مبدأ قوة القضية المقضية والتي تعتبر عنصراً أساسياً في استقرار القواعد القانونية، فهذه الصلاحيات الواسعة للمحكمة يمكن أن تستغل لأهداف سياسية ولتحقيق غايات تزيد عما هو مطلوب منها، كتوقيف المتهمين والاستماع الى شهود وتحويلهم الى متهمين مهما علت رتبتهم في الدولة بمن فيهم رئيس الدولة أو رؤساء السلطات الرسمية الأخرى سواء أكانت سلطات دينية ام زمنية، الى جانب إمكانية فتح ملفات ترجع الى ما قبل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حيث يخشى من استغلال هذا الواقع للابتزاز السياسي والانتقام، وبذلك تبعد المحكمة عن المهمة التي وجدت من أجلها.
فالمسألة الأولى تتناول سيادة الدولة وعدم المساس بها، وذلك من منطلق المفهوم المقيّد لأحكامها من أجل مصلحة المجتمع الدولي ككل، ومثل هذا المضمون المرن للمبدأ يترتب عليه بعض النتائج القانونية الهامة ومنها الالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية على حساب القوانين والتشريعات الوطنية، او على حساب الهيئات التي تشرف على تطبيقها، ونرى ان هذا الوضع في صوره السابقة لا يمس السيادة الوطنية اذا كان يحيل الى اعتماد التشريعات الجزائية اللبنانية في شقها الإجرائي (أصول المحاكمات) من ناحية وفي شقها الموضوعي (الجرائم والعقوبات) من ناحية أخرى، كما أن الجهاز القضائي يتعين ان يتشكل ايضاً من قضاة لبنانيين وأجانب، ولكن يبقى بعض الخلل لجهة عدم التوازن في تشكيل المحكمة او قضاة التحقيق، والادعاء العام، بحيث يغلب عليها عنصر القضاة غير اللبنانيين، وهذا ما يؤدي على الصعيد العملي إلى التحكم في القرار الذي سيصدر عن هيئة المحكمة، أو التأثر بما يكون عليه موقف المدعي العام في مجال التحقيق.
وفي واقع التكاليف المالية من اجل ممارسة المحكمة لعملها والذي يرتب أعباء مالية على الدولة اللبنانية، فهو برأينا يخرج عن نطاق البحث الجوهري، ولكن يمكن معالجته عن طريق أن تتكفل المنظمة الدولية بتغطية تكاليف المحكمة مهما بلغت قيمتها في حال وجود اتفاق بشأنها، وهذا السبيل لن يكون عائقاً في وجه هذا المجهود الدولي والمتنامي في ميدان مكافحة الإجرام الدولي وانعكاساته السلبية الخطيرة على الأمن والاستقرار في العالم. الحل المطروح في هذه المرحلة قد لا يكون الحل المثالي المطلوب، ولكنه يشكل خطوة اساسية للبدء بوضع حلول أخرى تبنى على المنطق والواقع، وبرأينا فإن وقف السجال الحاد والجاري اليوم وعلى المستويات كافة، مقدمة ضرورية للانطلاق بعد ذلك في وضع الحلول العملية ليس فقط بالنسبة للتفاصيل المتعلقة بعمل المحكمة، بل ايضاً بالنسبة للمسائل الأخرى موضع الخلاف، وإذا كان الحوار هو الأساس الوحيد للحل، فإنه يتعين الإسراع باتجاهه من أجل تجنب الآثار المدمرة لتلك العاصفة التي تلف سماء المنطقة وتنذر بكوارث خطيرة اذا استمرينا على هذا النحو من التشتت والعصبية وفقدان الحس بالمسؤولية الوطنية والقومية.
(٭) أستاذ جامعي

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة