وأصبح واضحاً للمهتمين بالشأن السوري، بعد مرور أكثر من خمس
سنوات، أن التوجه السياسي والاقتصادي المتبع ساهم في دفع
الأزمة المديدة التي فتحها إفلاس نظام الهيمنة الشمولي إلى
مزيد من التفاقم. ومن المرجح أن تشهد الأوضاع السياسية
والاجتماعية المزيد من الاحتقان والالتهاب، نظراً لأن النظام
زجّ بنفسه في مواجهتين، حسبما يذهب إليه برهان غليون في سياق
تحليله لدور السياسة الإقليمية في تحقيق السيطرة الداخلية.
تتجسد المواجهة الأولى مع الإستراتيجية الأميركية الصاعدة في
المنطقة، وذلك منذ اللحظة التي عجز فيها عن إدراك زوال الشروط
التي كانت تسمح لنظام الرئيس الأسد في سوريا بالتلاعب
بالتناقضات الإقليمية والدولية لبناء مركز قوة محلية مستقلة أو
على درجة كبيرة من الاستقلال. والمواجهة الثانية هي مع روح
التحرر المتنامية في أوساط المجتمع المدني والطبقات الوسطى في
سوريا ولبنان معاً، تحت تأثير الشعور العميق والصحيح بانحسار
موارد النظام وتراجع موقفه الاستراتيجي ونشوء توازن قوة إقليمي
يخلق فرصاً جديدة.
ويتتبع ميشيل كيلو تحولات السياسة الإقليمية السورية من خلال
العلاقة مع لبنان في محطات ثلاث، الأولى قبل عام 1963،
والثانية ما بعده، والثالثة بعد حرب تشرين الأول 1973. ويرى
أنه من الصعب تحديد نمط المستقبل في العلاقات السورية
اللبنانية، بسبب تداخل هذه العلاقات مع أوضاع داخلية وإقليمية
ودولية متغيرة، لكن المؤكد أن نمطها سيتوقف على جملة معقدة من
عوامل التباعد والتقارب، خاصة الحماية الدولية التي أخذ يحظى
بها لبنان بعد انسحاب الجيش السوري منه، وبالتالي فإن أي تدخل
سوري فيه لن يكون سهلاً أو ميسوراً، كونه سيصطدم بإرادة دولية،
وبما يجعل أية أزمة بين سوريا وبينه أزمة سوريا و"المجتمع
الدولي". وهذه الحقيقة ستلعب دوراً مقرراً بالنسبة إلى سلوك
البلدين حيال بعضهما البعض.
وفي ذات السياق، يتابع رضوان زيادة تطور مسار العلاقات السورية
اللبنانية وفق ما يسميه مشقّة الأخوة، على خلفية تنامي الدور
الإقليمي للنظام السوري بعد حرب تشرين الأول عام 1973. لكنه
يلاحظ أنه مع مجيء الرئيس بشار الأسد إلى السلطة دخلت العلاقة
السورية اللبنانية منعطفاً جديداً، أفضى إلى إنهاء التواجد
العسكري والاستخباراتي في لبنان، وتزايد الضغوطات الدولية على
سوريا. ويعتبر زيادة أن الإصلاحات الداخلية هي الطريقة الأنجع
والأقل تكلفة سياسية وأمنية للمحاولة للالتفاف على الضغوطات
الخارجية، بل واحتوائها، لكن النظام السوري أضاع عملياً فرصة
حقيقة أتيحت له خلال فترة "ربيع دمشق".
السؤال الأبرز هو عن دور القوى الاجتماعية والدينية
وسيناريوهات التغيير، وهنا يقدم ياسين الحاج صالح قراءة حول
مستقبل سورية من جهة تسليمه بأن سياسات التغيير تواجه بنية
مأزومة، لكنه يرى أن سوريا تعاني من مشكلتين كبيرتين: نظام
سياسي مغلق وجامد، ومجتمع يعاني من تكسر شديد ومتفاقم يتبع
خطوطاً أهلية. وتتغذى كل من المشكلتين من الأخرى. فالتبعثر
الاجتماعي النشط، أو ما يسميه أزمة الثقة الوطنية، يجعل من
السلطة القسرية حلاً من أجل الحفاظ على الوحدة الاجتماعية.
بالمقابل يدعم النظام المغلق "أهلنة" المجتمع السوري ونزع
مدنيته بآليات موضوعية وأخرى ذاتية واعية. أما تصور التغيير
فينبني على تقوية الدولة في وجه السلطة ووجه العصبيات الأهلية،
وتوطيد الثقة الاجتماعية والحرص على التفاهم بين السوريين،
وفتح النظام السياسي وإعادة هيكلة الوظيفة الأمنية.
وفي جانب آخر، يتناول عبد الرحمن الحاج ظواهر الإسلام السياسي
وتياراته في سوريا من خلال مرحلتين، الأولى تضم مرحلة الانتداب
الفرنسي وما بعد الاستقلال وقيام الدولة الوطنية وحتى وصول
الأسد إلى الحكم عام 1970، والثانية هي مرحلة الرئيس الأسد
الأب ثم الرئيس بشار الأسد، وتمتد إلى اليوم. ثم يقدم صورة
للمشهد الإسلامي الراهن، تتجسد في جماعة الإخوان المسلمين،
التي لم يعد لها وجود فعلي في سوريا منذ أحداث ثمانينيات القرن
العشرين المنصرم، لكنها تحظى بتعاطف شعبي كبير، وفي الإسلاميين
المستقلين الذين هم أفراد قلائل، معظمهم مثقفون إصلاحيون، والى
مجمعات تجمعات سلفية جهادية صغيرة، لا رابط تنظيمياً بينها،
ونشأت بعد حرب الخليج الثانية.
ويقدم حازم النهار مقاربة لدور المجتمع المدني في التغيير،
ملاحظاً أن السلطة تعاملت على مدى عقود عديدة كما لو أن
المجتمع وُجد ليخدمها، واستغنت عن وظيفتها في خدمته، فانقطعت
الروابط بين الدولة والمجتمع. وعليه فإن الدولة الحديثة
والمجتمع المدني يشكلان معاً حاجة سورية واقعية لإنجاز جملة من
الإصلاحات الهيكلية والضرورية، ومخرجاً من الاستقرار السياسي
البليد والفشل الاجتماعي المزمن.
وتشكلت على مدى سنوات عديدة بيئة خصبة لتردي أوضاع حقوق
الإنسان في سوريا، وترجع رزان زيتونة أسباب ذلك التردي إلى
حالة الطوارئ المعلنة منذ عام 1963، التي عملت على تغييب
الدستور، وتهميش القوانين الوطنية لصالح القوانين الاستثنائية
والاحتكام إلى القضاء الاستثنائي، وكبح حرية الرأي والتعبير،
فضلاً عن الشلل الذي أصاب المجتمع المدني، والفساد السياسي
والمادي الذي لحق بالمؤسستين التشريعية والتنفيذية.
ما يمكن ملاحظته هو إجماع الباحثين والكتاب على وجود أزمة
بنيوية، تنهض عناصرها الكبرى على غياب أفق التغيير وبرامجه،
والإخفاق في التنمية، والخواء أو الفراغ الثقافي والروحي، وما
ينتج عن ذلك من تدهور في الشروط المادية والفكرية والمعنوية
لحياة معظم الناس، وفساد لمبادئ القانون والأخلاق والقيم،
وامتهان لكرامة الفرد والجماعة، وانتهاك مختلف الحريات والحقوق
الأساسية للإنسان.
وعليه خابت كل الآمال السابقة، وخسرت كل المراهنات على
الإصلاح، وزاد الأمر تفاقماً تزايد الضغوط الأميركية
والأوروبية على النظام السوري، الأمر الذي راكم مزيداً من
اليأس حيال الواقع الحاضر وآفاق المستقبل. وبالتالي فإن جملة
الخيبات دفعت طيفاً واسعاً من المعارضة السورية إلى الأخذ
بمقولة التغيير الديموقراطي الإنقاذي، وعبروا عنها من خلال
وثيقة "إعلان دمشق".
غير أن أهمية الديموقراطية في الحالة السورية تقتضي الابتعاد
عن الأوهام التي تصوّرها حلاً فريداً لكل المشكلات التي تواجه
البلد. إذ لا يمكن تصور الديموقراطية من دون جملة المفاهيم
المرتبطة بها، كالمواطنة وسيادة القانون وحقوق الإنسان
واستقلال القضاء وحرية الرأي والتعبير، والتداول السلمي للسلطة
وغير ذلك. كما أن التعامل مع الديموقراطية، ينطلق من اعتبارها
منظومة تاريخية في طور التجريب، وعلى المهتمين بالشأن العام
المشاركة في تطويرها، باعتبارها مشروعاً سياسياً، يهدف إلى
تجسيد قيم المساواة والعدالة والحرية والكرامة والسلم التي
يريدها لتسود في المجتمع، وتتحكم في مناحيه، ولها آليات معينة
ومحددة تماماً، وتقتضي عودة الناس إلى السياسة كي يسهموا في
إيجاد الحلول المناسبة، خصوصاً بعد أن انتفت السياسة في بلدنا،
وجرت عمليات مقصودة لتعطيل الحراك السياسي والاجتماعي
والثقافي.
إن
السياسة كما يقول "ماكس فيبر" أشبه بعملية ثقب ألواح المعادن
القاسية، لذلك تتطلب الصبر والهدوء، وتُلزم السياسي إعلان
التزام طويل. وفي حال سوريا، فإن الأولوية تقتضي إعادة السياسة
إلى المجتمع بما يضمن ويمكّن الجمهور العام وقواه الحيّة من
الدخول في الحوار وتبادل الرأي في كل مسائل الشأن العام، بصبر
ورويّة، والابتعاد عن الشعارات الطنّانّة، كي نقترب من جوهر
السياسة القائم على التداول والخطاب الواقعي والمنطقي
والاستعداد للتفاعل وللتبادل والتسويات.