جدل السلطة والمعارضة

 

مقدمات لإصلاح السياسة

جاد الكريم الجباعي*

 

     الحوار شقيق الديالكتيك، ينتج حقائق جديدة ليست لأي من المتحاورين، بل لهم جميعاً، لأنها قائمة فيهم جميعاً. ومدخل ضروري إلى السياسة، بل لعله المدخل الوحيد. والسياسة في أحد أهم معانيها هي نفي العنف، أو نفي "الحرب" خارج المدينة، أي خارج الدولة، بما هي تعبير سياسي عن وحدة المجتمع، وفي مستوى متقدم هي نفي الحرب كلياً ونهائياً. السياسة هي نفي الحرب؛ لأنها، أي السياسة، المعنى الذي تنعقد عليه وحدة المجتمع والدولة ووحدة الحكم والشعب ووحدة السلطة والمعارضة، وحدة "الساحة والقصر"، ووحدة المعارضة أيضاً. ولعله من نافل القول أن نؤكد أن الوحدة المعنية وحدة جدلية، تناقضية، هي هوية التعدد والاختلاف والتعارض. السياسة هي المعنى الذي تنعقد عليه وحدة المجال السياسي المجتمعي، لأنها تعبير عما هو عام ومشترك بين جميع المواطنين وبين جميع الفئات الاجتماعية، والتعبير العياني عن منطق الواقع. "فالسياسة والمنطق مقولتان تتقدمان معاً وتتراجعان معاً". والسمة الأبرز للمجتمعات المتقدمة، أي المندمجة قومياً واجتماعياً هي وحدة مجالها السياسي الذي تتجابه فيه وتتقاطع تيارات واتجاهات مختلفة ومتخالفة. وفي مثل هذا المجال السياسي الموحد تقوم الوحدة الجدلية بين السلطة والمعارضة. هذه الوحدة التي لا تعرفها ولا تعترف بها النظم الاستبدادية، ويستهجنها سياسيوها ومعظم مثقفيها أيضاً، هي التي تفضي إلى الاستقرار السياسي الفعلي وإلى التداول السلمي للسلطة. والاستقرار السياسي والتداول السلمي للسلطة من أهم المداخل السياسية إلى التقدم.

   لعله من المستحيل أن يتم تداول سلمي للسلطة ما لم تكن هناك وحدة جدلية بين السلطة والمعارضة. وإلا كيف يمكن أن يتحول الشيء إلى نقيضه من دون تدمير الوحدة أو تفكيكها؟ إن مصير السلطة الاستبدادية أن تدمر وحدة المجال السياسي المجتمعي والروابط المجتمعية، ثم تدمر نفسها. فليس بوسع السلطة السياسية أن تنفي المعارضة من دون أن تنفي ذاتها، ومن دون أن تنفي صفتها سلطةً سياسيةً، وكذلك المعارضة. وليس بوسع الدولة أن تنفي المجتمع من دون أن تنفي ذاتها وصفتها دولةً أيضاً. الدولة الاستبدادية هي أي شيء سوى الدولة السياسية، والسلطة المستبدة هي أي شيء سوى السلطة السياسية؛ لأنهما بالقدر نفسه استلاب ناجز للمجتمع والشعب.

   لقد أوصل الاستبداد شعوبنا ومجتمعاتنا إلى مفترق: إما الإصلاح الديموقراطي وإما الكارثة، إما الديموقراطية وإما التوحش والهمجية، إما نجاة الجميع وإما غرق الجميع، إما السياسية وإما الحرب.

   وقد آن لجميع الذين يحبون الحياة ويؤمنون بالكرامة الإنسانية أن يعارضوا الحرب بالسياسة؛ فجميع البنى والتشكيلات الاجتماعية والسياسية، إلى يومنا وساعتنا، هي نتاج الحرب. وكذلك الشقاء الذي يتخبط فيه أربعة أخماس البشرية. فالحرب ليست امتداداً للسياسة بوسائل أخرى كما زعم كلاوزوفيتس، بل هي نكوص إلى البدائية والتوحش، يقسم العالم والمجتمعات كلاً على حدة إلى غالب ومغلوب، وإلى سادة وعبيد تابعين. وقد كانت العبودية والتبعية ولا تزالان من أسوأ بنات الحرب. ففي حالة الخضوع للطغيان، أي في الحالة الجماهيرية / القطيعية، يتماهى المغلوب مع الغالب وتغدو علاقات القوة محور العلاقات الاجتماعية والسياسية. ولما كان المغلوب يفتقر إلى عناصر القوة الفعلية فإنه يصطنع عناصر قوة وهمية ليست في الواقع سوى الخسة والنذالة والكيد للآخر والاحتيال عليه. الجماهيرية / القطيعية بنت الطغيان وأبرز مظهر من مظاهره، وهي في الواقع شكل جديد من أشكال العبودية التي أنتجها منطق الحرب. ولعل البشرية كلها باتت في حاجة ماسة إلى حرب أخيرة على الحرب. كما يقول أريك فروم. والذي سيعلن هذه الحرب ويخوضها حتى نهايتها هو العقل، ليس بوصفه الذكاء والحيلة والحنكة والدهاء فقط، وليس ما يتجلى في العلوم الوضعية وفي التقنية فحسب، بل بوصفه ماهية الإنسان وجوهره، و مبدأ كليته. الذي سيعلن هذه الحرب ويخوضها حتى نهايتها هو الروح الإنساني المتعين في جميع بني آدم المستخلف في الأرض، والذي يتجلى في العمل الخلاق وفي الإنتاج الاجتماعي وفي الإبداع في جميع مجالات المعرفة ولا سيما في الأدب والفن والدين والفلسفة، وفي جميع مجالات العمل. وبهذا تتعين المهمة التاريخية الملقاة على عاتق المثقفين وكتلة الانتلجنتسيا، وعلى الشعوب التي تجرعت مرارة الحرب وذل التبعية، وتتعين من ثم، وظيفة الثقافة والتربية والسياسة.

   ليس اغتصاب السلطة وإعادة اغتصابها، في هذا البلد أو ذاك، سوى حرب على المجتمع وانتهاك لمجاله السياسي، حرب وانتهاك يؤولان بالضرورة إلى احتكار هذا المجال شرطاً لاحتكار الثروة والقوة، أياً كان الاسم الذي يطلقه الذكاء البشري على عملية الاغتصاب، وأياً كانت الذريعة التي يتذرع بها الغاصبون. فإن "ما بني بالسيف بالسيف يهدم". وإن المقدمات التي يقوم عليها أي حكم تظل ثاوية في بناه تنمو وتتعمق، وتظهر في نتائج سياساته وممارساته، وفي علاقته بالشعب الذي يفترض أنه مصدر السيادة والشرعية. والسؤال المهم والراهن، اليوم، هو كيف يمكن تلافي النتائج الكارثية، أو غير المرغوب فيها، التي نجمت والتي يمكن أن تنجم عن منطق القوة والغلبة والاغتصاب، أي عن منطق الحرب؟ فالكل في قارب واحد، سواء على الصعيد العالمي أو على صعيد دولة بعينها ومجتمع بعينه.

   العلاقة بين السلطة والمعارضة تعبر، في كل مكان وزمان، عن مستوى الحياة السياسية وعن خصائص المجال السياسي للمجتمع المعني، ومن ثم عن درجة تقدمه وارتقائه. فالتخارج بين السلطة والمعارضة، كما هي الحال عندنا، ينم على مجال سياسي مغلق، أو نسق مغلق، تتطابق حدوده مع حدود السلطة، في حين ينم التداخل والتجادل على مجال سياسي مفتوح تتطابق حدوده مع حدود المجتمع المعني وتنفتح على ما هو كوني وإنساني. المجال السياسي المفتوح يتوفر على توازن فعال بين القوى الجاذبة إلى المركز والقوى النابذة عنه، وهذه القوى تشبه في فعلها القوى المتعاكسة التي تبقي وتر القوس مشدوداً؛ لأن كلاً منها جاذبة ونابذة في الوقت ذاته، في حين يتسم المجال السياسي المغلق باختلال التوازن الفعال، أيضاً، بين هذه القوى؛ فإما أن تغلب فيه عوامل الجذب إلى المركز فيمتص قوة المجتمع ويكثفها في بؤرة معتمة فتتحول إلى ما يشبه الثقب الأسود في فضاء السياسة، وإما أن تغلب فيه عوامل النبذ فيتشظى ويتناثر مبدداً ما امتصه من قوة المجتمع وطاقته. ذلك لأن القوى المتعارضة أو المتعاكسة تغدو وحيدة الاتجاه وعديمة الوزن. وهذا ما يفسر شلل الحياة السياسية في جميع الأنساق المغلقة. ويلقي الضوء أيضاً على آليات الاستقطاب الإقليمية والدولية، ولا سيما آليات الاختراق الإمبريالي التي تحول القوى المحلية إلى استطالات لهذه القوة الخارجية أو تلك، وإلى أدوات لسياساتها، أو إلى عناصر في استراتيجياتها الكونية. ومن ثم فإن أهم ما يسم المجتمعات والدول ذات المجال السياسي المغلق هو التبعية أو عدم الاستقلال.

   الأنساق السياسية المغلقة تنتج خطابات سياسية مغلقة ولا عقلانية بالضرورة، خطابات تجافي معقولية العالم، وتقف دوماً على طرفي نقيض: التصديق التام والتكذيب التام، الحقيقة الكلية الناجزة والباطل المحض، الولاء المطلق والعداوة المطلقة، الرفض المطلق والقبول المطلق،. وليس ثمة من مساحة للاختيار، والاختيار من أهم صور الحرية. الرفض المطلق تعبير سلبي عن الحرية. والاختيار تعبير إيجابي عنها. التعبير السلبي يفترض حرية مطلقة وعالماً نقياً من كل شائبة. والتعبير الإيجابي يقوم على إدراك النسبي، والاقتناع العقلي بأنه لا يمكن استئصال الشر من العالم، فالشر هو ما يعرف به الخير. ولكن الاختيار بما هو تعبير إيجابي عن الحرية يمكن أن يكون خاطئاً، بل إنه يخطئ المرة تلو المرة حين يقطع الصلة الضرورية بين المطلق والنسبي، وبين جزئية الواقع العياني وكليته، وحين يعلن النسبي مطلقاً والجزئي كلياً، أو يظنهما كذلك. هذه الخطابات المغلقة لا تنظر إلى الحرب على أنها استمرار للسياسة أو امتداد لها فحسب، بل تنظر إلى السياسة ذاتها على أنها حرب تحكمها قاعدة الولاء والعداوة. السلطة ترى في المعارضة عدواً يجب الإجهاز عليه وأخذه دوماً على حين غرة، ولا مكان له عندها إلا القبر أو السجن أو المنفى. بل تذهب إلى أن كل من لا يواليها هو عدو محتمل؛ فتتسم علاقتها بالشعب بالريبة والتوجس. والمعارضة لا ترى في السلطة سوى شر يجب استئصاله. وكلاهما : خطاب السلطة وخطاب المعارضة متواطئان، موضوعياً، على بقاء الوضع كما هو عليه. إذ إن القول بأن النظام كله سليم مثل القول بأن النظام كله فاسد. ومشكلة هذين الخطابين الضدين لا تكمن في عدم إمكانية التقاء القائلين بهما وفي عدم إمكانية الحوار بينهم؛ لأنهم على طرفي نقيض فقط، بل تكمن أساساً في أن أصحاب القول الأول لا يرون في النظام شيئاً يحتاج إلى إصلاح، وأصحاب القول الثاني لا يرون فيه شيئاً يمكن أن يصلح، وكل بما لديهم قانعون. أولئك غارقون في إيجابية خالصة قطعت كل علاقة بين النسبي والمطلق وأقامت نسبيها مطلقاً، وهؤلاء غارقون في سلبية خالصة، والإيجابية الخالصة سلبية خالصة؛ فالطرفان معاً سلبيان إزاء الإصلاح الديموقراطي الممكن والواجب. وهذه السلبية عقبة أساسية في طريق التحسن والتقدم. هذه الخطابات المتضادة أو المتناقضة تعادمياً تفصح عن ثلاث حقائق أساسية:  أولاها أنها نتاج مجال سياسي مغلق. والثانية أنها نتاج مجال سياسي متشظ ومتناثر لا مركز له ولا نقطة توازن. والثالثة أنها نتاج رؤية مملوكية إلى السياسة وإلى المجتمع والدولة والإنسان. والوقائع التي تشير إليها هذه الحقائق هي تخارج السلطة والمعارضة، وشلل الحياة السياسية، وإمكانية استيلاد العنف والعنف المضاد في كل حين. فالأنساق المغلقة أنساق مولدة للعنف بالضرورة بحكم طبيعتها ذاتها. وحين لا تتمكن من ممارسته على الآخر تمارسه على ذاتها بصيغ مازوشية مختلفة. لأن الأنساق المغلقة مغلقة على "ذات" حصرية تنفي، أي تطرد، الآخر من دائرة رؤيتها، ولا تعترف بالتعدد والاختلاف والتعارض في بنيتها "الجوهرية" أو "الماهوية".

   في ضوء هذه الوقائع، بات من الضروري إعادة تأسيس مفهوم المعارضة مدخلاً إلى إعادة تأسيس مفهوم السلطة السياسية في نطاق جدلية المجتمع المدني والدولة السياسية، دولة الحق والقانون. ولعملية إعادة التأسيس هذه مقدمات أولية بسيطة ولكنها ضرورية أهمها:

   1 ـ السلطة والمعارضة معاً تنتميان إلى مجال سياسي مشترك هو المجال الذي ينتجه المجتمع، ويعبر عن فاعليته السياسية الحرة الواعية والهادفة. وتشظي هذا المجال تعبير عياني عن افتراق المصالح الفئوية الخاصة عن المصلحة العامة، الوطنية / القومية. وإن عدم توافق الفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية المختلفة على ما هي المصلحة العامة يجعلها جميعاً تتخبط وتتخابط في مناخ ركودي يحول دون ارتقاء الجماعات إلى مستوى المجتمع المتدامج، المجتمع المدني، ومن ثم المجتمع السياسي. وتشظي المجال السياسي يدل دلالة قاطعة على أن اللاشعور السياسي الذي أنتجته عهود الاستبداد الطويلة ما يزال قائماً على مبدأ العشيرة والغنيمة والعقيدة، كما أشار إلى ذلك محمد عابد الجابري في كتابه المهم "العقل السياسي"

   2 ـ لا تستمد السلطة السياسية، بحصر المعنى، شرعيتها من أي مصدر أقوى وأهم من شرعية المعارضة. فليس السلطة والمعارضة تعبيرين متكاملين عن المجال السياسي المجتمعي فحسب، بل هما قطبان جدليان في وحدة تناقضية يحمل كل منهما إمكانية أن يصير الآخر. فالمعارضة هي معارضة بالفعل وسلطة بالقوة. والسلطة هي سلطة بالفعل ومعارضة بالقوة. وجدلهما هذا هو جدل الكينونة الاجتماعية ذاتها، جدل تعارضاتها الملازمة وقد اتخذت شكلاً سياسياً سلمياً متمدناً أو متحضراً، يكاد لا يلحظ فيه العنصر الاجتماعي ـ الطبقي ـ المباشر. وهذا يؤكد أن الصيغ السياسية التي ينتجها المجتمع إنما هي تحديداته الذاتية وأحد أشكال وجوده. فالسياسة في أحد أهم معانيها هي تعبير غير مباشر عن التعارضات الفئوية والطبقية في نطاق وحدة المجتمع والدولة وتحت سيادة القانون. وكلما انفكت مصلحة الفئة  الحاكمة وبطانتها عن المصلحة العامة اتسعت الهوة بين الحكم والشعب وأمعنت السلطة في قمع المعارضة واضطهادها. وقد بات قمع المعارضة وحده في كل مكان دليلاً قاطعاً على اختلال العلاقة بين السلطة والشعب، وعلى انفكاك مصلحتها عن مصلحته.

   3 ـ إذا كانت السلطة السياسية تتحدد سلباً وإيجاباً بالشعب، فإن المعارضة إنما تتحدد بالسلطة ذاتها، وتحمل أهم خصائصها، وإلا لما جاز أن تكون سلطة بالقوة. فما أكثر ما أنتجت السلطات الاستبدادية معارضات من نوعها، أو على صورتها ومثالها، مع اختلاف في درجة الاستبداد. لذلك يتعين على معارضة السلطات المستبدة أن تنجز، أولاً، قطيعة معرفية، منهجية، وفكرية وسياسية وأخلاقية مع عالم الاستبداد ومنطقه وفكره وسياساته وأخلاقه. ويتعين عليها، من ثم أن تنتج أو تنشئ تصوراً حديثاُ عن العالم وعن المجتمع والإنسان، ولا سيما عن المرأة، لا يحمل بذور الاستبداد، ولا يسمح بإعادة إنتاجه. وأن تعمل على دمج هذا التصور في الإنتاج الاجتماعي وفي التربية والثقافة والسياسة. فإن الخروج من عالم الاستبداد يقتضي تحولاً جذرياً في الوعي والممارسة. وكلما كان هذا التصور المنشود إنسانياً وديموقراطياً كان مناوئاً للعنف بجميع صوره وأشكاله ودرجاته. فليس الاستبداد نبتاً شيطانياً ينبت في الفراغ. والله لا يغير ما في قوم حتى يغيروا ما في أنفسهم.

   4 ـ إن قوة السلطة، في المجالين الداخلي والخارجي، من قوة المعارضة وضعفها من ضعفها وإضعافها. إلا إذا فهمت القوة على أنها قوة البطش العاري، وحتى هذه لا تصمد في الامتحان إزاء القوى الخارجية، وليست في جميع الأحوال سوى قوة وهمية. فإن مصدر القوة الفعلية للسلطة والمعارضة معاً هو المثلث الجدلي أو "الثالوث المقدس": الوطن والقانون والحرية، المثلث الذي إذا فقد أحد أضلاعه فقد كيانه ومعناه، أو ماهيته وجوهره. ضعف المعارضة هو قوة السلطة الوهمية، وقوة المعارضة هي قوة السلطة الفعلية، بخلاف ما يعتقده الوعي الزائف.

   5 ـ المرجعية الواقعية المشتركة لكل من السلطة والمعارضة، على السواء، هي المصلحة العامة، الوطنية / القومية. وغياب هذه المرجعية في وعيهما يعني حلول مرجعيات أيديولوجية محل المرجعية الواقعية. ويظهر هذا الغياب بجلاء في الرؤية التي تقلص حدود الوطن وحدود الدولة، وربما حدود العالم حتى تتطابق مع حدودها، وتنظر إلى الواقع وإلى المجتمع على أنهما مادة هامدة أو موضوع ميت لإرادتها "الخيرة".

   6 ـ حقوق المواطنين هي واجبات الدولة. وحقوق المعارضة هي واجبات السلطة. فليس للدولة أن تفرض أياً من الواجبات على مواطنيها وليس للسلطة أن تفرض أياً من الواجبات على المعارضة. ذلك لأن قوام الدولة والسلطة الممسكة بزمامها هو القانون، والسهر على حسن تطبيقه، فهما أي الدولة والسلطة تعبيران مباشران عن الكلية العينية، كلية المجتمع والشعب. والقانون لا يقوم إلا على قاعدة الحقوق، وهذه تنتمي إلى دائرة الموضوعية. أما الواجبات فتنتمي إلى دائرة الذاتية. القانون لا يعنى بالواجبات لأنها جزء من الحياة الأخلاقية الفردية والاجتماعية، ومبدؤه هو الحرية أو الإباحة. لذلك جاءت جميع الشرائع الدينية والقوانين الوضعية التي تنظم الحياة الاجتماعية في صيغة النهي، ( لا تقتل، لا تسرق، لا تزن .. ) ، لا في صيغة الأمر. وكل ما لم تنه عنه الشرائع والقوانين مباح. الإباحة هي الأصل، والحرية هي الأصل. إن للدولة وللسلطة السياسية وظائف وعليهما واجبات، وهذه الوظائف والواجبات اجتماعية دوماً. وإذ تتعلق هذه الوظائف والواجبات بالأفراد فإنما تتعلق بهم بصفاتهم الاجتماعية فحسب، أي بصفاتهم أعضاء المجتمع والدولة. ومع ذلك فإن الظلم مركوز في الفرد الطبيعي ومن ثم في المجتمع والدولة. والسلطة السياسية تمارس الظلم أحياناً وهي تعرف أنه ظلم، ولكن الذي لا تعرفه، وربما لا تريد أن تعرفه هو أن الظالم هو المظلوم. لذلك فإن جهود السلطة والمعارضة معاً يجب أن تنصب على تقليص الظلم باستمرار، سواء ما يقع منه على الأفراد أو على الجماعات والفئات والأحزاب.

      7 ـ بيد أنه لا يمكن الحديث عن علاقة سليمة بين السلطة والمعارضة وعن وحدة جدلية بينهما قبل الحديث عن وحدة المعارضة ذاتها. ويبدو أن غياب وحدة المعارضة هو من أهم العوامل التي تعيق وحدة السلطة والمعارضة أو تحول دونها. إن قوام وحدة المعارضة، على ما بين أحزابها وتنظيماتها وتياراتها من تباين واختلاف يعبران إلى هذا الحد أو ذاك عن التعارضات الاجتماعية (الطبقية) الملازمة للكينونة الاجتماعية، هو توافقها أو اتفاقها على ما هي المصلحة العامة الوطنية / القومية، وصدورها جميعاً عنها أولاً. والتزامها مبادئ الحرية والعدالة والمساواة ثانياً. واعتراف كل منها بالآخر وبحقوقه وحريته ثالثاً. واعتراف كل منها اعترافاَ مبدئياً ونهائياً بأنه جزء من المجتمع يتحدد به ولا يحدده، رابعاً. فوحدة المعارضة على هذه الأسس هي التي تعبر عن وحدة المجال السياسي للمجتمع وتطلق جدله الداخلي أو تاريخه الداخلي بإعادة إنتاج تعارضاته في المجال السياسي والعمل على حلها بالطرق السياسية.

   8 ـ اعتراف السلطة والمعارضة معاً بأن السياسة فاعلية اجتماعية ومجتمعية، لا فاعلية سلطوية أو سلطانية فحسب، ولا فاعلية حزبية فقط، وأن السياسة هي مرآة المجتمع، هو اعتراف بأفرادية الواقع ومعقوليته، وانطواء كليته ووحدته الجدلية على التعدد والاختلاف والتعارض، ومدخل إلى فهمه والتأثير فيه. واعتراف بأن السياسة، بما هي مشاركة إيجابية في الشأن العام، هي حق من حقوق الإنسان والمواطن، وما لم يكن الأمر كذلك فلا مشروعية لأي حزب ولا مشروعية لأي سلطة قائمة أو محتملة. وهذا الاعتراف هو الشرط الضروري لإنتاج مجال سياسي مشترك تتحقق فيه وحدة المعارضة من جهة ووحدة السلطة والمعارضة من الجهة الأخرى. ولعله من الواضح أننا لا نقصد بوحدة المعارضة ما كان يسمى التحالفات السياسية والأيديولوجية أو اندماج الأحزاب المتقاربة سياسياً أو أيديولوجياً في حزب واحد، ولا ما يسمى الجبهات القومية أو الوطنية التقدمية أو غيرها، فهذه وتلك وهاتيك نتاج ظروف عارضة وعابرة، وربما كانت مصادرة على الوحدة الفعلية وعلى الحرية. فالحرية بوصفها وعي الضرورة وموضوعية الإرادة وحرية الاختيار في الوقت ذاته هي أساس الوحدة الفعلية.

   بيد أن هناك تعدداً وتعدداً، هنالك تعدد هو قوام وحدة المجتمع ووحدة مجاله السياسي، وتعدد هو نتاج تذرِّر المجتمع وتشظي مجاله السياسي ومظهر من مظاهرهما. ولكم يأسى المرء لأن التعدد القائم عندنا هو من النوع الثاني. وهو تعدد يطرح جملة من المشكلات النظرية والعملية لم ينشغل بها الفكر السياسي العربي إلى اليوم بكل أسف.

   9 ـ لتشظي المجال السياسي عندنا نسقان مترابطان من الأسباب، يتصل النسق الأول بالتأخر التاريخي للمجتمع العربي بوجه عام، تأخر يتجلى في صلابة البنى والتشكيلات والعلاقات الاجتماعية المغلقة والمتحاجزة، ما قبل القومية أو ما قبل الأموية، ويتكثف في المجال الأيديولوجي ـ  السياسي. وقد أعيد إنتاج هذه البنى والتشكيلات والعلاقات في المجال السياسي، فتحولت الأحزاب السياسية الحديثة إلى عشائر سياسية أو طوائف سياسية مغلقة ومتحاجزة ومتنابذة، كل واحد منها هو "الملة الناجية". ويتصل النسق الثاني بندمير الفئات الاجتماعية الحديثة، وانهيار الفئات الوسطى التي تؤلف أكثرية الشعب خاصة، نتيجة تخريب بنى الإنتاج الاجتماعي، ولا سيما الاقتصاد والثقافة والتربية والسياسة. ونتيجة الاحتكار الفعال للثروة والقوة والسلطة، واغتيال جنين الدولة الوطنية / القومية، وتعمق الدولة القطرية المرسملة طرداً مع تعمق الاختراق الإمبريالي الذي تمفصل ولا يزال مع النسقين كليهما. مما يجعل عملية الإصلاح الواجبة والضرورية مرتبطة أوثق ارتباط بالمشروع النهضوي العلماني، الديموقراطي المنشود. ولم يعد ثمة مجال للشك في أن المشروع النهضوي القومي الديموقراطي الإنساني بات مرهوناً بمشروع الإصلاح ومتوقفاً عليه.

   10 ـ في ضوء ما سبق يمكن القول إن وحدة قوى المعارضة ومن ثم وحدة السلطة والمعارضة شرطان ضروريان لإصلاح الأوضاع القائمة وتجاوزها ولا سيما على صعد الاقتصاد والثقافة والتربية والسياسة. فقد بات على السلطة أن تعترف بفساد الأوضاع القائمة وبقسطها في المسؤولية عن هذا الفساد، وبات على المعارضة أن تتوقف عن الرفض وتعمد إلى الاختيار، وتكف عن النظر إلى الفساد القائم على أنه أحد مسوغات معارضتها وعلى أنه ضروري لخطابها. فالمعارضة والسلطة معاً في خطر؛ لأن مصدر قوتهما ومشروعيتهما ومسوغ وجودهما قد بات في خطر، أعني الوطن والقانون والحرية.

 

 

* كاتب وباحث سوري