رسالة الي ميشال كيلو   الياس خوري

القدس العربي

 

 


عزيزي ميشال


كيف اعتذر، لا ادري. كل الاسباب صالحة للاعتذار، لكنها غير صالحة ايضاً. هل اقول اننا لم ننسَ، فأكذب عليك، ام اقول انها الحرب المدمرة التي اجتاحت لبنان، فأكذب علي نفسي، ام ابقي صامتاً. في احايين كثيرة يدفعنا الخجل من الأصدقاء الي الصمت. فيتراكم الصمت فوق الصمت، ونفقد القدرة علي الكلام.
خجلي منك لن يدفعني الي السكوت. افضّل اعلان الخجل والاعتذار الآن، قبل ان يصير سجنك سجنا للكلام. هدف الطغاة هو ادخال الكلام الي السجن، وتحويل الصراخ مسحوق همس ، مثلما كتب يوسف ادريس. لذا اكتب اليك الآن، كي اكسر صمتي وصمت المثقفين العرب، واصرخ بأن هذا السجن الذي تقبع فيه انت ورفاقك من المثقفين السوريين، هو سجننا جميعا.
ابدأ بالاعتراف، وارجو ان يتسع صدرك لاعترافي هذا، لقد اجتاحني الشعور بالخجل ليل الاثنين 18/9/2006. اتصل بي الصديق محمد سويد، وابلغني نبأ اعتقال المخرج السوري عمر اميرالاي بعد عرض فيلمه طوفان في بلاد البعث ، علي شاشة قناة العربية . في تلك اللحظة، رأيتكما معاً. واكتشفت خجلي منك ومن رفاقك. في اليوم التالي، وبعد تحقيق طويل مع عمر، تبين انه لم يعتقل، ولكن قضيته لم تطوَ ايضاً.
لذا لا فضل لي في هذه الرسالة، التي لا اعلم اذا كانت ستصلك خلف القضبان. الفضل يا عزيزي يعود الي جهاز القمع الذي لا يريد ان ينسانا، حتي حين نتناساه. وهنا يكمن الخطأ. خطيئتنا اننا استسلمنا لعجزنا، وادعينا الانشغال بأمور اخري، وقلنا خــــلال الغزو الاسرائيلي الهمجي للبنان، ان المسألة المركزية تكمن في مواجهة العدو الصهيوني، وان لا متسع الآن للاستمرار في خوض معركة الدفاع عن الحرية، والمطالبة باطلاق سجناء الرأي من احرار سورية وبقية ديار العرب.
اقول هذا كي ابرر نفسي، رغم انني اعرف، وانت بالطبع تعرف، ان المعركة واحدة. مواجهة الغزاة الصهاينة واسيادهم الامريكيين لا تكون من دون حرية الافراد والمجتمعات. لا تستطيع الشعوب المكبلة ان تقاوم، ولا يستطيع الطغاة الدفاع عن الاوطان، بل هم من يجلب الهزائم والهوان لشعوبهم. اليس هذا هو درس العراق؟ اليس الانحناء الرسمي العربي نتيجة مباشرة للحكم الجملكي الذي يهيمن علي المشرق العربي؟
لكن ان لم اقل ما قلته، فماذا اقول؟ وكيف ابرر شعورنا بالعجز وعدم القدرة علي خلق مناخ شعبي يفرض علي الجلاد اطلاق سراح ضحيته.
عندما اعيد اعتقال المناضل الكبير رياض الترك، بعد الاعوام الطويلة التي قضاها في زنزانته الانفرادية، لم نجد ما نقوله سوي ان الترك اخذ الحرية معه الي السجن، وتركنا نحن الاحرار ، في سجن كبير نسميه وطناً.
هذا الكلام صحيح، لكن الصحيح ايضاً هو انه لم يعد يحق لنزلاء السجن الكبير عدم كسر ابواب سجنهم، وعدم التمرد والصراخ. في زمن مضي التقيت المناضل الشهيد خليل عكاوي، الذي روي لي حكاية استشهاد شقيقه الذي كان يكني بإسم ابي الغضب في أحد سجون مدينة طرابلس. قال خليل ان اخاه كان يقف امام القضبان ويصرخ بالسجناء: هزّوا الحديد ، وفجأة كانت القضبان ترتج بضجيج هائل، كأن الحديد يصير ايقاعاً للقلوب التي تشتعل غضباً ونقمة.
كان ابا عربي ، وهذا هو الاسم الفتحاوي لخليل، الذي بقي معه حتي استشهاده غيلة برصاص الأشقاء الذي مزّق جسده، يروي الحكاية ويشدّ علي قبضتيه، وكنت لا استمع الي صوته، بل الي صليل الحديد وقرقعة الأصفاد التي تكبّل الأيدي.
كان علينا ان نهزّ الحديد ، وهذا ما فعلناه منذ شبابنا المبكر. لكن الأصفاد والقضبان كانت اقوي منا، وكان علينا ان نتعلم في كل مرة كيف نهزّ هذا الحديد من جديد.
اذكرك ايها الأخ العزيز وانت تقف معنا في وداع شهيدنا الحبيب سمير قصير، اذكر الحديد الذي هزّه هذا الصحافي والمؤرخ النبيل والشجاع، واذكر اننا في تلك اللحظات الحزينة اعدنا اكتشاف تلك المقولة التي اطلقها قصير عن التوازي والتواصل بين معركتي استقلال لبنان والديمقراطية في سورية.
الآن، نستعيد تلك المقولة، ونحن نري الخطر الذي يحاصر البلاد الشامية كلها. من فلسطين الي لبنان وسورية. نكتشف ان الحرية والتحرير اسمان لمسمي واحد، وان الحديد الذي يهزّه مروان البرغوثي في فلسطين هو الحديد نفسه الذي تهزّه انت في سجن عدرا في دمشق.
لكن السؤال ليس موجهاً اليك، انه سؤالنا نحن الذين نعيش في السجن الكبير، حيث القضبان غير مرئية، والأصفاد مغطاة بلغة الخديعة. السؤال هو كيف نصل الي القضبان غير المرئية وننزع الأقنعة عن وجوه الطغاة؟
مثلما تري ايها الصديق العزيز، فأنا لا املك اقتراحاً، كل ما املكه كلمات اكتبها في صحيفة، واعتذار سوف يصل اليك متأخرا عن موعده، هذا اذا وصل.
لكني لن اترك نفسي تيأس من الكلمات.
الكلمة جدارنا الأخير ومعركتنا الفاصلة، التي تحدد نتيجة هذه الحرب الطاحنة التي تخوضها الثقافة العربية منذ عبدالرحمن الكواكبي. انهم يبنون الاسوار كي يعتقلوا الكلمات، لكنهم لا يعلمون ان الكلمات تشبه الماء، تتسرب الكلمات كالماء من شقوق الصخور والحيطان وتفتتها، بل هي كالماء ايضاً تروي بعض عطشنا الي الحرية.