توقيف عمر أميرالاي وقضايا الحريات

أمجد ناصر :القدس العربي اللندنية 22/9/2006

 

قد يكون منع المخرج السينمائي السوري المعروف عمر اميرالاي من مغادرة بلاده مر مرور الكرام في الاعلام العربي، غير انه لم يكن كذلك في الاعلام السوري البديل: الانترنت. هناك خبر واحد تناقلته وسائل الاعلام العربية عن توقيف عمر اميرالاي علي الحدود السورية ـ الاردنية، ومن ثم منعه من مغادرة الاراضي السورية.. ولا شيء غير ذلك.
ليست، طبعا، قضية توقيف مخرج من هذا الطراز، ولأسباب تتعلق بحرية الرأي والتعبير والابداع، قضية سورية داخلية بقدر ما هي قضية عربية بامتياز.
فالرجل لم يوقف لانه سرق او ارتشي، بل لانه عبر عن رأيه في الحياة السورية من خلال الكاميرا، وما حدث لعمر اميرالاي حدث لكتاب وصحافيين عرب غيره عبروا عن آرائهم في خصوص واقع بلدانهم.. الامر الذي يجعل قضية توقيفه جزءا من معركة الحرية في مواجهة التسلط في اي شكل كان.. وأي لبوس ارتدي. وبصرف النظر عن اتفاقنا او اختلافنا مع الصورة التي قدمتها كاميرا اميرالاي عن الحياة في هذا البلد العربي الا ان فكرة الاعتقال أو التحقيق الامني مع صاحب الرأي مرفوضة من حيث المبدأ.
اكاد لا اتصور ان يقوم نظام الان في ظل انفتاح العالم علي بعضه البعض وتحول قضايا الحريات، عن حق او باطل، الي عقيدة كونية، باعتقال سينمائي او كاتب او صحافي.. ولكن هذا، ما يزال يحدث، للأسف، في العالم العربي.
ـ ـ ـ
لا يتسع الاعلام السوري، مثله مثل معظم الاعلام العربي، لمناقشة قضايا الحريات التي هي الجذر المؤسس لواقع التخلف العربي، ولكن التكنولوجيا الحديثة وفرت، اليوم، بديلا للاعلام الرسمي المقيد بسلاسل وزارة الاعلام.. او ذلك الاعلام الذي يدعي الاستقلالية، وهو متواطئ حتي النخاع مع مصادر تمويله (الرسمية).
الاخبار والموضوعات المتداولة عن توقيف اميرالاي وعن فيلمه الاخير (الطوفان) الذي يتناول حياة قرية سورية في حوض نهر الفرات الذي شهد خطوته السينمائية الاولي عام 1970، متوافرة، علي نحو غزير، في المواقع الالكترونية السورية.
واللافت في الامر ان قضية عمر اميرالاي لم تثر المنابر السورية المعارضة فقط، بل كانت موضع متابعة ونقاش من قبل منابر الكترونية سورية متواجدة في دمشق مثل سيريانيوز الذي قدم تغطية لخبر التوقيف واستطلع آراء مثقفين سوريين بعضهم مستقل وبعضهم الآخر محسوب علي النظام.
لكن الاهم من تعليقات اولئك المثقفين السوريين الذين دانوا الخطوة، بصرف النظر عن اتفاقهم او عدمه مع فيلم (الطوفان)، هي تعليقات متصفحي الموقع.
ففي تلك التعليقات يمكن لك ان تلمس مدي حالة الاحتقان في صفوف السوريين حيال قضايا الحريات التي تتصدر اهتماماتهم، باعتبارها قضية وطنية من الدرجة الاولي.
وعندما اقول (قضية وطنية) اقصد انها قضية السوريين انفسهم قبل ان تركب موجتها او تتشدق بها اي جهة خارجية.
طبعا، هناك من لا يزال يري في المطالبة بحرية الرأي (في هذا الوقت بالذات) اجندة اجنبية تلوح من وراء الافق، بل ان هناك من يري في فيلم (الطوفان) الذي عرضته قناة العربية (وربما لهذا السبب بالذات!) تشويها لـ(صورة سورية)، و(نبشا) لـ(السلبيات)، ناسين، بطبيعة الحال، ان وظيفة السينما التسجيلية (وسينما عمر اميرالاي تحديدا) هي التصدي لهذه السلبيات.
ـ ـ ـ
وبالعودة الي موضوع الحريات الديمقراطية في سورية نقول انه لا يبطل المطالبة بهذه الحقوق علي الصعيد السوري البحت، تزامنها مع (اجندة خارجية).
(الاجندة الخارجية) طارئة علي هذا الموضوع، فهي ليست الاصل في مسعي المثقفين السوريين التاريخي لتوسيع هامش الحريات الديمقراطية في بلادهم.. بل ان بعض المثقفين السوريين الذين زج بهم في السجن لم يفعل اكثر من مطالبة نظام الرئيس بشار الاسد الايفاء بالوعود التي دشن بها عهده.
كما ان بث قناة (العربية) فيلم عمر اميرالاي لا يلزم المخرج بدفع حريته ثمنا للصراع بين دمشق والعربية.
فلا تزر وازرة وزر اخري.
هذا عدا ان فيلم اميرالاي انتج قبل ان تندلع الازمة بين سورية وقناة العربية علي خلفية انشقاق عبد الحليم خدام، ولا اظن ان هناك قاسما فكريا او سياسيا مشتركا بين المخرج القادم من ارث سياسي ماركسي وقناة تلفزيونية سعودية.