محنة مثقفي سورية

حكم البابا: القدس العربي 23/9/2006

 

الحالة الملتبسة لحادثة اعتقال أو استدعاء المثقف والمخرج السينمائي السوري عمر أميرلاي للتحقيق معه ومنعه من السفر بسبب عرض فيلمه (الطوفان) في قناة العربية بعد ثلاث سنوات من انتاجه بموافقة وزارة الثقافة السورية، لها دلالات أبعد من حجمها الفردي، لأنها تعني أنه لم تعد هناك أي حصانة للشخصيات الثقافية أو الفنية السورية مهما كانت قيمتها الابداعية أو حضورها الثقافي والإعلامي داخل سورية وخارجها.
فخلال العقود الماضية تمتع المبدعون والمثقفون السوريون بوضع خاص (حتى في أوج لحظات اصطدامهم بأي من سياسات السلطة) طالما ترك لهم الباب موارباً ولم يغلقه في وجوههم أبداً، من قبيل كتابتهم في الصحف العربية بعد منعهم من الكتابة في الصحف السورية، أو طباعة كتبهم في دور النشر اللبنانية بعد منع إصدارها في سورية، أو عرض أفلامهم في المهرجانات الدولية بعد منعها من العرض في سورية، وسمح لهم بهامش رغم ضيقه إلاّ أنه غالباً ماكان يترك الزر الأخير للقميص حول أعناقهم مفتوحاً.
وخلال العقود الماضية لم يتم اعتقال أو تسريح أي مبدع أو مثقف سوري من عمله بسبب عمل إبداعي أو إعلامي أو توقيع بيان أو المشاركة في ندوة أو اجتماع، وأقسي إجراء تم اتخاذه بحق بعضهم هو نقلهم من وظائفهم في مؤسسات وزارة الإعلام إلي وزارات ومؤسسات الدولة الأخري، فمن بيانهم الشهير بعد مجزرة تل الزعتر، مروراً بأصواتهم المرتفعة عند اجتماعهم بأعضاء الجبهة الوطنية التقدمية أيام الصراع الدموي بين الاخوان المسلمين والسلطة السورية، إلي بياناتهم ضد فتوي الامام الخميني بإهدار دم الكاتب سلمان رشدي بعد صدور روايته (آيات شيطانية)، وضد التحالف الدولي لمواجهة الغزو العراقي للكويت، لم تقم السلطة السورية بأكثر من إجراءات بسيطة ضد مثقفي سورية للتعبير عن سخطها منهم، والاستثناءان الوحيدان لسياسة غض النظر عن المثقفين واللجوء إلي القسوة في التعامل معهما تجلي أولهما في اعتقال الكاتب ميشيل كيلو في ثمانينيات القرن الماضي، وكان المبرر حينها انتماءه السياسي وليس شغله الثقافي أو نشاطه في الشأن العام، أما ثانيهما فقد ظهر عبر الملاحقة الأمنية والمنع من السفر للشاعر الراحل ممدوح عدوان في تسعينيات القرن الماضي، من دون أي مبرر فعلي إلاّ رغبة وزير الإعلام السوري الأسبق محمد سلمان في المغالاة بإظهار ولائه للسلطة والتدليس لها.
دلالات اعتقال الكاتب ميشيل كيلو وما تبعه من تسريح عدد من المثقفين والصحافيين من عملهم بسبب توقيعهم علي مجرد بيان، واستدعاء المخرج عمر أميرلاي للتحقيق معه ومنعه من السفر بسبب فيلمه (الطوفان) مؤخراً، تؤشر إلي تحول نوعي في علاقة السلطة بالمثقفين في سورية، التي طالما اعتبرتهم لايشكلون خطراً فعلياً علي وجودها، باعتبارهم أفراداً لاتسمح لهم فرديتهم بالتحول إلي تنظيم حتي في أكثر بياناتهم إجماعاً، وطالما نظرت إلي أصواتهم وبياناتهم وأعمالهم علي أنها ليست أكثر من صفير صمام البخار بالنسبة لطنجرة ضغط، يصدر الصفير وينفث الدخان ويحمي من الانفجار رغم أنه لايخفف الضغط والغليان.
نهاية سياسة غض النظر مع مثقفي سورية ومبدعيها هي بداية حملة مكارثية لفصل ارتباطهم بالشأن العام الذي كان لهم الدور الأبرز في إضفاء طابع سلمي وديمقراطي علي حراكه في السنوات الماضية، وبانتظار نتائجها فثقافة سورية ومثقفيها اليوم في محنة حقيقية.