تصريح البابا وحزمة أسئلة

هاني فحص    السفير

 

يحاول الفاتيكان ان يحوّل الاعتذار من قبل البابا على المواقف التي أطلقها ضد الاسلام ونبيه الكريم (ص) الى التنصل من كون النص نصه وأنه ناقل له ليس إلا.. لماذا؟ قد يكون السبب هو ان عصمة البابا مسلّمة في المنظومة العقدية الكاثوليكية، والمعصوم لا يخطئ، ومن حقه ان يستند الى نص غير معصوم، فإذا كان مثيرا تنصل منه، وإذا كان مقبولا لم تكن هناك مشكلة، غير ان أهل السياسة والكتابة وعلماء البلاغة والألسنيات عموما، لا يقرأون النص منفردا او مقطوعا عن سياقه، فإذا ما ورد نص في نص آخر ومن دون نقد له فمعنى ذلك ان النص مقبول ومعتمد من قبل الناص، الذي هو البابا في هذه الحال... هنا تصبح العصمة مصدر الاشكالية لنا وللفاتيكان.
لنا لأن الكلام أثار حالة احتجاج لا يدري أحد كيف يسيطر عليها في ظروف عدوانات متكررة على بلاد المسلمين وأرواحهم، وكيف يمنعها عن ممارسات لا سابقة لها في بعض الأماكن (محاولة إحراق كنيسة الأرثوذكس في طولكرم مثلا) ما لم يحدث مثله في أصعب الظروف في فلسطين التي تحتاج الى مزيد المزيد من الوحدة الآن تحديدا!
وللفاتيكان الذي يبدو انه قد دفع الى القطيعة مع تراثه الحواري مع المسلمين خاصة، الذي بلغ به البابا يوحنا بولس الثاني حد ان أدخل ممثلين للمذاهب الاسلامية في السينودس من اجل لبنان وجعل الارشاد الرسولي يمر في قنوات الرأي الاسلامي تتويجا لمساعيه الحوارية التي أدت به الى رفض التعاون مع بوش الأب والابن في استنفار المسيحيين ضد المسلمين بعد تعاونه مع ريغان ضد الأنظمة الشمولية تحت يافطة الحريات، ما أدى الى انفراط المنظومة الاشتراكية بدءا من بولندا وطن البابا الأول. فهل عاد البابا الحالي الى سياق التفاهم والتحالف مع المحافظين الجدد لتجديد العداوة وجعلها مقدسة بين المسيحية والاسلام بعد 11 سبتمبر وإلحاح الادارة الاميركية على اعتبار الارهاب ناتجا طبيعيا للثقافة الاسلامية؟
وهل لاحظ البابا صعود الاحتجاج ذي النهكة اليسارية في اوروبا وأميركا اللاتينية الكاثوليكيتين، فأراد ان يفتح معركة اخرى؟ وهل انحياز الادارة الألمانية (ميركل) لاسرائيل بشكل سافر هو ما جعل البابا الألماني يدخل خطابه في سياق المعركة التي تحول حوار الحضارات الى صراع بين المنتمين اليها، وبخطاب ديني تكفيري يرفع المسألة الى مستوى المقدس؟ وهل يتناسب ذلك مع حصرية الخلاص الكاثوليكي الذي يقول به البابا العقائدي؟
أم ان هذه الأسباب مجتمعة هي التي تكمن وراء استخدام النص من دون تعليق عليه؟ وهل يتنبه العرب والمسلمون الى ان الكثلكة ليست واحدة الا في حدود عموميات العقيدة، ومن هنا تتمايز الكثلكة في الغرب داخليا، وتتمايز الكثلكة المشرقية طبقا لخصوصيات تكوينها الثقافي والاجتماعي ونظام علائقها بالبقية من أهل الطوائف المسيحية والأديان الاخرى؟
وهل تتحول هذه المناسبة التي لا يمكن اختزالها بزلة لسان، الى مناسبة ليدخل الاسلام السياسي في عملية تجاذب تعتمد على تفجير المواقف ومراكمة ردود الأفعال لتنتهي بتسويات سياسية لن تؤثر كثيرا في علاج الجرح العميق في نفوس المسلمين والعرب جميعا، مسلمين ومسيحيين... والعلاج الحقيقي يحتاج الى تفاهمات عميقة بين علماء المسلمين ومفكريهم المدعوين الى التمايز عن الشارع في التعبير عن مواقفهم... وبين علماء الكثلكة ومفكريها؟ إننا نؤكد ضرورة العمل على منع ترجمة التوترات إلى ممارسات غير محسوبة على المستوى الوطني وبين الجماعات المكونة للوطن الواحد، (لبنان، فلسطين، سوريا، الأردن، السودان... الخ)، اي لا بد من التمييز بين مستوى الخارج والداخل، حتى لا نقع في الشبهات... فهناك دول اسلامية او عربية تستطيع ان تعبر كما تشاء، أما في فلسطين مثلا فإن هناك خوفا شديدا (بدليل ما حصل) من انتهاء الغضب الشعبي الى خطأ ديني وثقافي واجتماعي وحضاري ووطني. في ظروف وطنية وأوطان لا يخلو أي منها من حساسية تقتضي مراعاتها.