من انتصر ومن انهزم؟

محمد كريشان   القدس العربي


من انتصر ومن انهزم في الحرب الإسرائيلية الأخيرة علي لبنان: سؤال ما زال مطروحا علي الباحثين والسياسيين علي حد سواء بعد كل هذه الأسابيع. هو انتصار لا غبار عليه تراه كل لحسابها جهات في أوساط كل من إسرائيل وحزب الله، بل هي هزيمة إسرائيلية نكراء تحتاج محاسبة وفق جهات إسرائيلية عدة مقابل تقييم معاكس شبيه يعتبر ما جري كارثة للبنان لا بد من جرد حسابات سياسية لها. هو انتصار بنكهة الهزيمة يراه إسرائيليون كثر وهي هزيمة بنكهة الانتصار يقدر قطاع هام من الشعب اللبناني. مثل هذه التقويمات تبدو حقا وواجبا للجميع شريطة ألا يصادر أحد حق الآخر في التقدير لاسيما أن أغلب المتاح حاليا في ساحتنا العربية صيغ بأحكام مسبقة عند هذا الطرف أو ذاك فأنصار المقاومة في لبنان وخارجه لم يروا فيما جري سوي الصمود والنصر فيما لم ير المعارضون لهذه المقاومة في لبنان وخارجه أيضا في الأمر كله سوي الخراب والخسران فكما قيل قديما وعين الرضا عن كل عيب كليلة لكن عين السخط تبدي المساويا .
قد يكون من حق السياسيين أن يروا الأمور، عن صدق أو بمنطق المناكفات مع الخصوم، إما أبيض أو أسود لكن الأشياء يفترض ألا تكون بهذه الحدية الصارمة في أوساط الكتاب والباحثين حيث المجال أوسع للتضاريس والنسبية في المواقف مع الحرص الشديد علي الدقة وإلا تحول هؤلاء إما إلي تدبيج مقالات الهتاف أو الردح وكلاهما معيب خاصة إذا كان كلا الموقفين غير منزه عن المصالح والاستلزام ما ظهر منه وما خفي. ولهذا فقد يكون من المؤسف أننا لم نشهد إلي حد الآن منتدي فكريا عربيا أو مركز دراسات محترما يسارع إلي عقد ندوة تطرح سؤال النصر والهزيمة هذا بأقصي قدر من البعد عن الانفعالية أو تصفية الحسابات في حين سارعت مثلا جهات أمريكية إلي ذلك من قبيل الندوتين اللتين نظمهما مؤخرا كل من مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون ومعهد بروكينغز وهي نوعية من المناسبات تسمح ببروز ذاك النوع من التقدير الذي يحاول قدر الإمكان قراءة كل جوانب المشهد بعد الحرب من قبيل مثلا ما قاله في إحداها مايكل هادسون أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون ومؤلف كتاب التحديث السياسي في لبنان حين ذكر أن بالرغم من ضياع بعض موارد حزب الله العسكرية في هذه الحرب فمن الواضح حتي الآن أنه خرج منها فائزا كبيرا وأنه انتصر عسكريا وسياسيا داخل لبنان وخارجه(...) فيما يعد الشعب اللبناني من أكبر الخاسرين بالنظر إلي حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية والتي تقدر تكلفة إعادة بنائها بخمسة مليار دولار، إضافة إلي أكثر من ألف قتيل وآلاف اللاجئين(..) أما إسرائيل فقد عانت من خسارة أخلاقية كبري لأنها أظهرت درجة عالية من العنف قي أدائها العسكري (كما) أن فشل القوات الإسرائيلية في تدمير أو تقييد حزب الله يمثل هزيمة كبيرة لإسرائيل مما يقوي من شعور الشعب الإسرائيلي بالضعف داخل بلاده .
بالطبع هذا النوع من الندوات يتيح المجال أيضا لمن لا يري الأمور بهذا الحرص علي التوازن والنزاهة الفكرية لكن المحصلة أن أجواء النقاش من شأنه أن تسهل إلي حد بعيد علي أصحاب القرار أن يكون لهم تقدير موقف هو أقرب ما يكون إلي الصحة، وهذا ما نفتقده الآن للأسف ليس فقط بحثيا وأكاديميا بل وصحافيا كذلك خاصة عندما نري ذلك النوع من الكتابات التي تمجد انتصار حزب الله دون التفات كبير للتكلفة اللبنانية البشرية والعمرانية لهكذا انتصار أو عكسها من الكتابات ممن تبالغ في اللطم فيمنعها ذلك من رؤية شيء آخر حتي ولو كان نزرا قليلا مما تكتبه الصحافة الإسرائيلية الممعنة هذه الأيام في محاسبة المسؤولين السياسيين والعسكريين بصرامة غير عادية.