رأي آخر في أزمات التشهير بالإسلام

د. محمد السيد سعيد   الاتحاد

 

دعانا كثير من الفقهاء الأجلاء وزعماء الحركات السياسية في مختلف البلاد العربية والإسلامية للاحتجاج والتظاهر ضد الرسوم الدانمركية المسيئة للإسلام وللرسول الكريم، ثم ضد تصريحات بابا الفاتيكان المسيئة للإسلام. ولم تتردد عشرات الصحف الشعبية والفضائيات في إثارة الرأي العام الإسلامي بدرجات متفاوتة في سياق الحادثتين. وخرجت الجماهير فعلاً في موجات احتجاج جماهيري تفاوتت فيها درجات العنف ومستويات التنظيم بين مختلف البلاد العربية والإسلامية.

تعكس هذه الاحتجاجات مشاعر شعبية حقيقية وأصيلة ومشروعة من حيث المبدأ, من حيث أنها تنطلق من الحق في الدفاع عن العقيدة. ولكن هل هي ذكية؟

يستند هذا السؤال الى عدد من الحقائق التي يستحيل تجاهلها. أولى هذه الحقائق أن وسائل الإعلام صارت في البيئة السياسية والثقافية الدولية الراهنة "صانعة للحدث"، لا مجرد أداة لإذاعة ونشر المعرفة بالأحداث. ولعلنا نسأل أنفسنا: هل كانت هذه هي المرة الأولى التي تنشر فيها رسوماً مسيئة للإسلام أو حتى للمسيحية؟ هل كانت تصريحات بابا الكاثوليك أول التصريحات التي تسيء للإسلام أو المسلمين أو أهمها؟ بالقطع لا. فقبلها كانت التصريحات الصادرة عن شخصيات سياسية مهمة أو مقتدرة في العالم الغربي بل وفي غيره من أرجاء العالم وفي أميركا بالذات، تتناول الإسلام والمسلمين بقدر أو بآخر من الإهانة أو التهديد. والعكس صحيح أيضاً, فأرصفة الشوارع في العواصم والمدن العربية والإسلامية مليئة بالكتب والمجلات والصحف والأشرطة التي تتناول بالنقد- وبقدر أو بآخر من الإساءة- الأديان الأخرى أو ممثليها الكبار. وثمة تصريحات كثيرة منسوبة لشخصيات دينية أو إعلامية عربية تسيء أو يمكن تفسيرها كإساءة للأديان والعقائد الأخرى أو تتناولها بالنقد الجارح. ويعاني العالم كله من انتشار التعصب الديني وخطاب الكراهية. والجديد الفعلي في هذا المجال هو أن ما كان يتم بصورة شبه اعتيادية صار "حدثا" يبدو وكأنه جديد بفضل قدرة وسائل الإعلام على إظهاره على هذا النحو, وإثارة أزمات دولية عن طريق تغطية تصريحات أو وضع تقارير أو صورا أو رسوما كرتونية أو أفلاما تسجيلية أو درامية لم تكن تحظى بأدنى اهتمام. لقد أدركت وسائل الإعلام أنها تستطيع أن ترفع توزيعها وأن تزيد أهميتها من خلال صنع حدث مما كان في الماضي "لاحدث". وعلينا أن نسأل أنفسنا لماذا قمنا بالاحتجاج الشديد وأحيانا العنيف على الرسوم الدانمركية وتصريحات بابا الفاتيكان بينما سكتنا على تصريحات وتغطيات صحفية ورسوما أشد وطأة في وسائل الإعلام وفي الأفلام والمسلسلات الأميركية خلال السنوات الخمس الماضية، بل وخلال القرن الماضي كله, والعكس صحيح أيضاً, بمعنى أن الغرب كان يسكت على تصريحات ورسوم ومواد إعلامية أو سياسية عربية جارحة لعقائده أو أفكاره أو ممارساته. السبب في الحالتين هو في تمكن الإعلام من استغلال بيئة عالمية وثقافية ودينية محتقنة.

من ناحية ثانية, من المؤكد أننا لن نستطيع أن نعيش حالة من الاحتجاج الدائم إذا تكررت هذه الأحداث. بل إن حالة الاحتقان الراهنة والتي تدعونا للتظاهر والاحتجاج السلمي أو العنيف صارت بذاتها مغرية للغاية، سواء بالنسبة لوسائل الاعلام العالمية أو لأي سياسي رخيص أو محرض تافه لاهانتنا. واذا تكررت مثل هذه الاحتجاجات سوف يعرف كل من يريد إهانتنا كيف يثيرنا ويضعنا في حالة من الهياج الدائم, وهؤلاء بالطبع كثيرون وعلى رأسهم مختلف الفعاليات الصهيونية. وبمعنى معين, قد يتمكن هؤلاء من أن يصيدونا في لعبة "مصارعة الثيران", حيث سيصير بوسعهم أن ينهكوا الشعوب العربية والاسلامية في عملية احتجاج دائمة تلاحق اهانات، بعضها اعتيادي، مما يحدث في مختلف المجتمعات تجاه الآخر الديني أو القومي وبعضها صار مقصودا لإحداث هذا الأثر بذاته, وسيصير بوسعهم إصابتنا في مقتل في الوقت الملائم. بل قد تصبح هذه الحالة ذريعة "لبزنس" مربح وربما مسل للحاقدين على العرب والمسلمين في نفس الوقت.

وتضاعف من أهمية هذه الاعتبارات الاعلامية أن حالة الهياج الجماهيرية تشتمل على وقائع عنف ضد ذاتنا القومية وليس ضد مصدر الإهانة. وما حدث في فلسطين المحتلة خلال يوم السبت الماضي من إحراق عدد من الكنائس التاريخية- كرد فعل عشوائي وجاهل ضد تصريحات بابا الفاتيكان- يجب أن يمثل انذارا قاسيا للغاية لمن يشعرون بالقلق حيال العلاقة بين المسلمين والمسيحيين العرب. ولو تكررت تلك الأحداث في سياق التعبير العشوائي عن الغضب ضد مثل هذه التصريحات لصار من المحتمل للغاية أن ينسى الفلسطينيون مأساتهم وقضيتهم التاريخية والسياسية لحساب أزمة طائفية محتدمة في فلسطين التي شهدت تعايشا رائعا بين أبناء الديانتين يجرد الفكر الصهيوني والمجتمع الاسرائيلي من أدنى درجة من المشروعية.

تلفت هذه الجملة الأخيرة نظرنا لأهم جوانب القضية. إن واجبنا هو أن نفهم أي حدث قبل أن ننطلق الى رد فعل ما. والواقع أن تلك الأزمات مدبرة وبواسطة الصهاينة في أوروبا وأميركا. فأعظم طموحات الصهاينة هو عزل العرب والمسلمين في العالم وتمزيق علاقاتهم وروابطهم بمختلف النظم الثقافية الكبرى في العالم. وقد تمكنوا من خلال أزمة الرسوم الدانمركية من دفع علاقاتنا بالقطاع الأنجلو سكسوني في أوروبا الى التدهور. والآن يتم استكمال هذه المؤامرة بدفع علاقاتنا بالقطاع اللاتيني والذي يدين أغلبه بالكاثوليكية الى المسار والمصير نفسه. وكل ما فعلوه هو دفع بابا الكاثوليك الى تصريحات مسيئة في سياق محاضرة تافهة بجامعة ألمانية صغيرة, والتقاط هذه التصريحات ونشرها على نطاق واسع للغاية انتظارا لما فعلناه بالضبط: أي الاندفاع الى أتون أزمة من خلال ردود فعل شديدة أو عنيفة. وانساقت بعض الصحف العربية الى كيل السباب والشتائم للرجل, بحيث يكفي الصهاينة أن يترجموا بعض هذه المواد ونشرها في أوروبا لقلب الرأي العام الأوروبي والكاثوليكي بصورة خاصة ضد العرب والمسلمين. وكان الرأي العام الكاثوليكي في العالم ولا يزال هو الأشد انتقادا لاسرائيل وللسياسات الأميركية, والأكثر تفهما لحقوق الشعب الفلسطيني.

ولكن هل يعني ذلك كله أن نسكت عن اهانات بابا الفاتيكان أو غيره من الفعاليات السياسية والدينية والاعلامية في الغرب؟ بالقطع لا. القضية هي كيفية ادارة تلك الأزمات وخاصة في سياق الشعور العاتي بالظلم والاستهداف الرهيب لشعوبنا العربية ورموزنا الدينية والقومية العظيمة. لا تقودنا ردود الفعل التصعيدية الى أية نتيجة ايجابية على الاطلاق. والنتيجة المؤكدة هي دفعنا دفعا الى منطق الحروب الدينية وصراع الثقافات أو الجهالات.

إن الرد السليم على تلك الإهانات هو في تقديم الاسلام بروعته الحقيقية باعتباره دينا للاعمار ولكرامة الانسان وللسلام العادل. الرد السليم على تلك الاهانات هو صنع التقدم وانهاء مأساة شعوبنا التي تعاني من الاستبداد والفساد في الداخل والظلم والعدوان من الخارج. في سياق ذلك يجب أن نشرح الاسلام لا بطريقة اسامة بن لادن وانما بطريقة ابن رشد والحسن بن الهيثم والفارابي وابن سينا وسائر علماء وفلاسفة وحكماء المسلمين في صنع المعرفة وبناء نسق عظيم للأخلاق ينهي بؤسنا وتخلفنا وضعفنا الذي هو أشد الاهانات لديننا ولتراثنا الروحي والحضاري الطويل.

الرد السليم على تصريحات بابا الفاتيكان ليس في أن نحرق كنائسنا التاريخية وأن ننتقم من أنفسنا ونثير حروبا داخلية بين أهالينا ولا في أن ننجرف الى حروب ثقافية أو دينية مع النظم الدينية والثقافية الأخرى. والرد السليم هو أن نتمكن من خطب ود جميع الشعوب المحبة للعدالة وللسلام ودرء شر الصهاينة بمؤامراتهم وجرائمهم التي لا تنتهي.