مع حزب الله ضد حزب الاستعمار

د. الطاهر الهمامي    القدس العربي


(1)

ينبغي ان يكون المرء عديم البوصلة او مرتهنا بـ المشروع الامبريالي ـ الصهيوني كي لا يري فضل المقاومة اللبنانية الباسلة ولا يثمن انجازها غير المسبوق ولا ينحني تعظيما لمقاتليها الاشاوس واجلالا لارواح من اقدموا علي التضحية. ينبغي ان يكون جبانا ولئيما كي يجرؤ علي الاستخفاف بقيمة مثل هذه التضحية ويعتبرها مجرد تقديم اضاحي ومحض عبث، ويشكك في نزاهة وتفاني اولئك الذين اختاروها طريقا الي الحرية والكرامة والعزة. بل ما قيمة الحياة اذا خلت من التضحية وقيمة الانسان بلا نكرات ذات وبلا ايثار؟ وهل كان في مقدور الشعوب والامم ان تواجه الاستعمار وتكسر قيود الاستعباد والاستبداد وترفع رأسها لولا التضحية؟ وهل كان احد يلجأ الي التضحية بحياته الا اضطرارا وبعدما انسدت السبل امامه وتعذر الخلاص؟

(2)

وينبغي ان يكون المرء لاعبا سيئا او العوبة او متلاعبا مبتدئا كي يتهجم علي المقاومة وهي تجني حصاد نصرها وتحل من وجدان الناس محلا مميزا وقد تنفسوا الصعداء والسعداء بعد دهر من القهر وتحايي لديهم الامل الذي كاد اليأس يميته، ولا احد، ولو كان سقراط، في مقدوره ان يقنعهم بعكس ذلك وان يؤلبهم ضد المقاومة وضد حزب الله لمجرد كونه شيعيا او نصير ايران او اصولي المنظور. لقد ادركوا ـ عن طريق الحس او عن طريق الوعي ـ طبيعة المعركة وحجم الهجمة وان قيادة المقاومة احتكمت الي الرأي احتكامها الي شجاعة الشجعان حين حشدت جميع القوي الوطنية بالداخل والخارج من اجل حل التناقض الرئيسي عبر دحر الاحتلال واسترجاع السيادة ورد الاطماع، متجاوزة الاعتبارات الثانوية، الطائفية والقومية والمذهبية، التي لا تمنع من التعايش في صلب الاسرة الواحدة والمجتمع الواحد، وليس من شأنها ان تحول دون التوحد علي ثوابت الحرية والاستقلال والعدل والكرامة، اي علي ثوابت السياسة الوطنية.

(3)

ليس في مقدور احد مهما اوتي من بلاغة البنيوية و التفكيك و الهرمنطقيا ان يشوه صورة المقاومة التي ردت الروح ورفعت الرأس والراية، وان يقنع ضحايا المجازر التي ما انفك الامريكان والصهاينة يرتكبونها، والبيوت التي يهدمونها علي رؤوس اهلها، والسجون ـ العلنية والسرية ـ التي ينتهكون فيها ابسط حقوق الانسان، بكون امريكا حمامة واسرائيل يمامة وبامكان ارتداعهما واذعانهما دون مقاومة تجبرهما علي ذلك، سواء في العراق او في فلسطين او في لبنان او في اي بلد آخر من بلدان العالم الواقع تحت طائلة الامركة والصهينة، الم يسبق لشاعر ارادة الحياة ان عبر عن هذه المعادلة تعبيرا جامعا مانعا حين قال قبل اكثر من سبعين عاما:
لا عدل الا ان تعادلت القوي
وتصادم الارهاب بالارهاب

(4)

وينبغي ان يكون المرء ضعيفا في الحساب حتي يعول علي الاغاليط والمغالطات لتشويه تلك الصورة، ومنها اختزال المقاومة في حزب الله وهي تضم فصائل اخري قاتل بعضها الي جانبه وقدم الشهداء ومنها اختزاله في هويته الدينية وروابطه بايران وقد اثبت حتي الان انه قوة وطنية لبنانية تتصدي للعدوان وتحمي الحدود وتقاوم طالما بعض ارض لبنان محتل وطالما اسرائيل تهدد وتنفذ وتجتاز وتجتاح، وطالما ليس هناك الدرع الذي يقي والدفاع الذي يواجه.
وفي ذات الوقت برهن علي كونه قوة مدنية منخرطة في الحياة السياسية وشريكة في بناء المؤسسات التمثيلية وتقديم الخدمات واعادة اعمار ما دمرته الحرب. واذا كانت حاجة الوطن اليوم تدعو الي وحدة جميع الفصائل ضد التدخل الاجنبي وعلي قاعدة البرنامج الوطني فعلام تشتيتها بالمصادرات الايديولوجية وقراءة النوايا وتحكيم الاعتبارات الاستراتيجية؟
المقاومة ليست معصومة ولا هي وثن للعبادة، و حزب الله ليس بمنأي عن النقد ولا عن الخطأ ما دام ينشط ويمارس، لكن خلاف الغد لا يفسد وفاق اليوم، والصراع علي الفكر، والرؤية، والمشروع لا يحول دون التوحد علي اساسيات الوطن وآليات حل الخلافات. ثم ان من يستبسل في مقاومة الاحتلال والتصدي للعدوان وصد القهر الاجنبي هو الذي يفوز عادة عندما يقع الاحتكام الي صندوق الاقتراع، وهو الذي يتولي قيادة المجتمع، فعلام لا ينهض المتفرجون الذين يهاجمون ـ من آرائكهم وصالوناتهم ـ حزب الله كي ينخرطوا في المعمعان ويضطلعوا بأعباء تقرير المصير؟ اما ان يحاولوا صرف المقاومة عن المقاومة لانقاذ ديمقراطية امريكا و سلام اسرائيل فذلك امر دونه بيد.. دونها بيد ومن قبيل اضغاث الاحلام واحلام العتاريس.

(5)

ثم ينبغي ان تكون صباغ احذية الغزاة وبائع الدم والضمير كي توحد لغتك بلغة بوش واولمرت في اتهامهما حركات المقاومة الوطنية بالارهاب. وفي نفي حق التصدي لارهاب الدولة الذي يمارسانه وفي ركوب الخطاب المثير للنعرات الطائفية بدل التعبير السياسي عن التناقضات الحقيقية، ويا ليت العطف الذي ابديته علي المدني الاسرائيلي ابديت مثله علي المدني اللبناني، رغم الفارق الذي يفرق بين المعتدي وضحية عدوانه. ثم علام لا تطرح لب المشاكل كلها الا وهو الاحتلال؟ وعلام لا تطرح السؤال: من المحتل؟ وهل يحق طرده واسترجاع الارض وتحرير الاسري بجميع الوسائل ام الحل في الخضوع لمشيئته وانتظار رحمة المجتمع الدولي وعطف الامم المتحدة ؟ ومن المسؤول عن عدم تحقيق السلام واحلال الوئام في المنطقة؟ اراك تشير الي المقاومة، وتحديدا حزب الله وذا هو الحول بعينه، بل ذا هو سكر الهوي الصهيوني يحول دون رؤية الحق الساطع والحقيقة الدامغة!

(6)

هل ما زال من يسأل عن عقيدة ابي الطيب المتنبي (وميوله الشيعية المغالية) وهو يقع في قبضة سحر بيانه ويردد عيون اشعاره ويجد فيه شاعر العروبة الاول؟ فكيف ما يزال من يسأل عن عقيدة حسن نصر الله وعن طائفته وهو يري الدور الذي اضطلع به في دحر العدو الصهيوني ورفع رأس الامة واعلاء رايتها ويقف علي شواهد الاقتدار الذي ادار به المعركة غير المتكافئة؟
ان كافة التناقضات تخضع حين تبدأ المعركة الوطنية وتشب حرب التحرير، لتناقض رئيسي واحد يفصل بين البلد قاطبة (ما عدا كمشة العملاء) علي اختلاف مذاهبه وطوائفه ورؤاه الفكرية والاستراتيجية وبين المعسكر المعادي بل تعمل قيادة المقاومة صاحبة الحنكة علي شق الصف المقابل وتركيز مرمي السهم وتحييد او كسب من يمكن تحييده وكسبه. وبعبارة الادبيات السياسية المعروفة فان سياسة الجبهة الوطنية تغدو ضرورة قصوي وضمانة اساسية للنصر، سواء اكان ذلك علي المستوي القطري او القومي او العالمي لما تتوفر شروطها، وشروطها هي اولا مناهضة الوصاية الاجنبية ورفض الاحتلال والحرص علي السيادة والاستقلال. ولا نشك في كون الهجوم الامبريالي الامريكي ـ الغربي، وقد خطا خطوات هامة تحت ذريعة مكافحة الارهاب والاستجابة لمقتضي العولمة، بات يفرض علي كل الوطنيين في البلد الواحد ان يشد بعضهم بعضا كالبنيان المرصوص، وفي مجموع البلدان ان يتنادوا ويشكلوا القطب او الحلف القوي القادر علي رفع التحدي، وقد رأينا وعي هذه الضرورة الحيوية يتنامي في امريكا اللاتينية وفي البلاد العربية والاسيوية المستهدفة. فهل نقف قريبا علي وضع يشبه وضع الجبهات التي قامت عشية الحرب العالمية الثانية ضد الوحش النازي والفاشي؟
كاتب وباحث من جامعة تونس