مغالطة "المجتمع الدولي"

د. محمد السيد سعيد الاتحاد

 

كلما هدد الرئيس الأميركي جورج بوش دولة عربية ما، يرفع سبابته معلنا أنها تعزل نفسها أو تتحدى "المجتمع الدولي". ولا نعرف بالضبط ماذا يعنيه بهذا المصطلح, ولكن لسانه خانه أكثر من مرة عندما تحدث أيضاًً بنفس المعاني وبنفس تركيبة الجملة عن "الدول المتحضرة". فالمجتمع الدولي في تعريفه المبطن هو كوكبة "الدول المتحضرة". ولكن هذا التوظيف لا يفيدنا كثيراً، ليس لأنه مثل الذي يعرِّف الماء بالماء وإنما لأن المعنى في بطن الشاعر كما يقال! وكل ما يمكن اشتقاقه من هذا التوظيف العجيب للمصطلحات هو أنه يقصي عدداً كبيراً من الدول التي "ليست متحضرة" من تعريف المجتمع الدولي. وحيث أن ثمة ابهاما أصيلا في تعريف الحضارة، فلا نعرف بالضبط من هي الدول غير المتحضرة من حيث الشكل والمضمون. وكان المحافظون الجدد قد أشاعوا استخدام مصطلح "الدول الفاشلة" للدلالة على فقدان "روح الحضارة" أو قوتها السياسية. ولذلك قد يكون المعني بـ"اللاحضارة" هو الفشل في الحكم ومن ثم شيوع الفوضى. ولكن هذا التوحيد بين معنى الحضارة والحكم القوي يقودنا إلى ضم دول "محور الشر" لنادي الدول المتحضرة, وهو أمر يستحيل أن يدور برأس الرئيس الأميركي. ولأن بوش عاشق للديموقراطية، فربما ينصرف معنى التحضر في ذهنه إلى الدول الديموقراطية. غير أن عشرات من دول العالم صارت "ديموقراطية" دون أن تكون ناجحة, بل بعضها أو كثير منها فاشل بالفعل حتى الآن على الأقل.

وإذا شئنا الاقتراب أكثر من المعنى, فإن استخدام مصطلح "المجتمع الدولي" أو "الدول المتحضرة" في سياق تهديدي ينطوي على إشارة إلى الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. ولكن هذا التعريف يضم الصين, وروسيا, كما يضم عشرات من دول العالم الثالث التي تتناوب العضوية غير الدائمة بمجلس الأمن, رغم أنها قد لا تكون ديموقراطية وليست بالضرورة قوية, بل قد تكون فاشلة بالمعنى المشار إليه في الفقرة السابقة, وبالتالي مشكوك في "حضاريتها" من وجهة نظر الرئيس الأميركي.

والأقرب للصواب هو أن الرئيس الأميركي منح صفة التحضر فقط للدول الأعضاء في حلف الأطلسي, وهي التي كانت توصف في دبلوماسية الحرب الباردة بأنها "العالم الحر", بينما قد يتسع صدره لتسكين بعض الدول غير الديموقراطية وغير الغربية في فئة المجتمع الدولي. ولكن هناك احتمالا ثالثا لأن يكون هناك تمييز "أعمق" بين "الدول المتحضرة" و"المجتمع الدولي" كما يراه الرئيس الأميركي, فتكون الصين وروسيا مثلا أعضاء في "نادي المجتمع الدولي" لأنها راغبة في التفاهم معه أو السير على طريقته والموافقة على قراراته, ولكنها ليست من بين "الدول المتحضرة" وهي مكانة محفوظة فقط للدول الغربية وقلة من حلفائها في آسيا مثلا, وفقا للرئيس بوش.

وفي الحالتين، نقف أمام مغالطة منطقية متعددة الجوانب. فالدول المتحضرة كما يريدها الرئيس بوش- هي حفنة قليلة العدد من دول العالم. وإذا رصدنا أنماط التصويت في الأمم المتحدة لوجدنا أن غالبية دول العالم تختلف في مواقف وقضايا جوهرية للغاية مع "الدول المتحضرة", وهو ما يحتم استنتاج أن الولايات المتحدة ومعها الدول التي ترتدي رداء الحضارة هي التي تتحدى العالم وتشق صفه وتخرق قيمه العليا. ولا أظن أن الرئيس الأمييكي يريد فعلا أن يمضي على هذا الطريق الصعب في تعريف الدول المتحضرة أو المجتمع الدولي, لأن هذا المجتمع الدولي يمثل "أقلية" من دول العالم, ولأن هذا التعريف يقود إلى تناقض لا يمكن حله لغوياً: إذ تصبح صفة العالمية محجوزة لأقلية من الدول بينما تستبعد غالبية الدول من صفة العالمية.

والطريف أكثر في "بيداجوجية" الرئيس بوش هو أنه نادراً ما يستخدم مصطلح المجتمع الدولي إلا في سياقات العنف, فالمجتمع الدولي سيفرض إرادته, وسيفرض عقوبات, وسيقوم بشن الحرب على الدول التي تغضب الرئيس بوش.

وبالعكس لا يمكن أن يعني الرئيس بوش بمصطلح المجتمع الدولي ببساطة غالبية دول العالم. فالمكان الذي يلائم هذا المصطلح هو "الجمعية العامة للأمم المتحدة" التي تسكنها الغالبية الساحقة من الدول. وهناك سبب جوهري للغاية لدى الرئيس بوش في إنكار تمثيل الجمعية العامة للمجتمع الدولي, وهو أنه جعلها في الواقع بلا سلطات, وأنه خالفها في أكثر القضايا والمواقف. ونصل إلى درجة أكبر من التعقيد إذا شئنا أن نوحد بين مصطلح المجتمع الدولي ومعنى احترام حكم القانون. فالرئيس بوش خرق القانون الدولي في عشرات القضايا, فهو مضى إلى غزو العراق دون موافقة حتى من مجلس الأمن, وهو احتقر قرار محكمة العدل الدولية حول جدار الفصل العنصري الإسرائيلي, وهو شجع إسرائيل على تدمير لبنان, وهو من ينتهك كل حرف وكلمة في مواثيق جنيف الأربعة. وهو يقوم بانتهاك فظ وعلني للقانون الدولي ولاتفاقيات جنيف فيما يتعلق بمعاملة أسرى الحرب في جوانتانامو وفي السجون السرية التي نشرها في أوروبا وخارج أوروبا. ويمكننا أن نمضي في رصد الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي العام بلا حدود.

ثم إن الرئيس بوش يعتبر الولايات المتحدة رسميا "دولة استثنائية" لا تنضم لأكثر المعاهدات والأجسام الدولية، خاصة تلك التي تعبر بالضبط عن معنى القانون ومعنى المصالح المشتركة للإنسانية وتقوم بتجسيد فكرة الحضارة الأخلاقية, مثل المحكمة الجنائية الدولية, واتفاقية كيوتو بخصوص البيئة, والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وأكثرية اتفاقيات حقوق الإنسان. ولهذا نجد وجهاً آخر لمغالطة "المجتمع الدولي" بل ولمغالطة "الدول المتحضرة". فالواقع أن مهمة أوروبا الأساسية في المجال الدبلوماسي الدولي هي إنقاذ العالم من الطابع المغامر لسياسات بوش. وعندما يهدد الرئيس الأميركي إيران مثلاً قائلاً إنها تتحدى المجتمع الدولي, عليه أن يعرف أن أوروبا كانت في الحقيقة تتفاوض مع إيران في البداية على الأقل حتى تنقذها من حروب بوش وميوله العسكرية لا ميوله الحضارية.

هذه الاستثنائية تعنى بكل بساطة أن الولايات المتحدة في ظل بوش لا تعتد بالقانون الدولي, وهي أيضاً لا تعتد ببعض أحكام المحاكم الأميركية ذاتها. وتشمل كل التعريفات لمفهوم الحضارة معنى احترام حكم القانون. ولو انطلقنا من ذلك لتكونت لدينا شكوك حقيقية فيما إذا كانت الولايات المتحدة في ظل الرئيس بوش "دولة متحضرة". وتلزمنا هذه النتيجة بمد يد المساعدة اللغوية والفكرية للرئيس بوش حتى ينقذ بلاده من هذا المصير اللغوي, لأننا لو نظرنا إلى الولايات المتحدة كدولة غير متحضرة فربما لا تبقى دولة في العالم في هذا النادي الرائع.

والمساعدة الحقيقية التي يجب أن نقدمها للرئيس بوش هي إقناعه بأن المجتمع الدولي هو ذاته الجمعية العامة للأمم المتحدة. فإذا كان الرئيس يحب "المجتمع الدولي" حباً جماً على النحو الذي تشير إليه خطاباته وتصريحاته, فعليه بكل بساطة أن يقبل المقترحات الإصلاحية الدولية التي تستعيد للجمعية العامة سلطتها المهدرة بل وتوسع هذه السلطات على حساب مجلس الأمن الذي هو بكل المعاني "أوليجاركية" أو تكتل قوة, لا تمثل العالم إلا قليلاً. وإذا كان الرئيس بوش مغرما حقا بالحضارة، فعليه بكل بساطة أن يعترف بحكم القانون الدولي وأن يطبق بالفعل القرارات الدولية بما فيها تلك التي تصدر عن محكمة العدل الدولية وهي الذراع القضائي للأمم المتحدة, على الأقل فيما يتعلق بحكم الجدار العنصري. كما أن مفهوم الحضارة ينطوي بالحتم على شيء من معنى التريث قبل شن الحروب, والتعلق الشديد بقيمة السلام, أو على الأقل "منح السلام فرصة" حقيقية وتفضيل استخدام الوسائل السلمية لحل المنازعات الدولية. ويجب على الرئيس بوش أن يكذب جميع الادعاءات التي تقول بأنه مغرم بالحرب, ومتعلق بأساطير تحث على تدمير العالم مثل تفسير الأصوليين والصهاينة المسيحيين لنبوءة "أرماجيدون" التوراتية.