العائلات الكلّية التي تحكم العرب

حكم الباب   القدس العربي

 

 


كان من الممكن اعتبار خطابات السيد سيف الاسلام القذافي ـ الذي لايملك صفة سوي أنه نجل الزعيم الليبي ـ الأخيرة عن الاصلاح والديمقراطية وحال ليبيا المزرية ورؤيته للاصلاح، وانتقاده للسياسات الاقتصادية والصحية والاعلامية المتبعة في ليبيا منذ ستة وثلاثين عاماً عمر ماعرف بثورة الفاتح من سبتمبر.. كان من الممكن اعتبار هذه الخطابات انقلاباً حقيقياً علي كل الأفكار الثورية والمؤتمرات الشعبية والأنهار الصناعية وأحلام الجماهيريات العظمي وشطحات الكتاب الأخضر التي أخضع الشعب الليبي لتهويماته جيلين كاملين، لو لم تصدر عن نجل الزعيم الليبي معمر القذافي، لكن أما وأنها صدرت عن نجل الزعيم الذي حول ليبيا من دولة بكامل قواها العقلية الي ما يشبه العرض الفنتازي الكوميدي المجاني المستمر، فهذا يؤكد أن العائلات المالكة في الدول العربية تريد احتكار كل شيء، فهي مصدر الاستبداد ومصادرة الحريات وتعطيل التنمية والفساد والسياسات غير المتوازنة، وهي في نفس الوقت مصدر الاصلاح والديمقراطية وتحديث القوانين وتطويرها، فان ضاق الشعب بسياسات الأب، فالابن جاهز لتقديم بديل حتي لو كان ينادي بدفن كل (منجزات) أبيه، وبرضي ومباركة هذا الأب حتي وان كان لايزال علي قيد الحكم، فالمهم هو استمرارية العائلة في حكم البلاد.
لا أملك القدرة علي قراءة الغيب، ولا أشعر بأن لدي أياً من خواص الحاسة السادسة حتي أستطيع التشكيك في نوايا القذافي الابن الاصلاحية، ولكن حتي مرضي مشافي الأمراض العقلية لن يحتاجوا الي كثير عناء في ادراك أن خطابات سيف الاسلام القذافي، ليست أكثر من دعاية انتخابية لمرشح واحد ووحيد لزعامة ليبيا خلفاً لأبيه، وتفتقر الي طزاجة الابتكار ودهشة المفاجأة في تنفيذ سيناريو التوريث الرئاسي الدارج الآن في الجمهوريات العربية، ومهما قيل أو حكي عن العقلية الجديدة أو الرؤيا المختلفة أو النوايا الطيبة أو الرغبة الصادقة للقذافي الابن -وهو ماسيتم تداوله بالتأكيد في ليبيا ـ في الانتقال ببلده من العيش وفق تعليمات وارشادات ووصفات الكتاب الأخضر، الي الحياة داخل الزمن والعصر والعالم الطبيعيين، فهو يدخل ضمن الحملة التسويقية الترويجية للزعيم ابن الزعيم الذي يأمل بحكم من حكمهم أبوه لمدة لاتقل عن السنوات التي قضوها في ظل حكم الأب.
ضاعت سبع وثلاثون سنة من أعمار الليبيين في محاولة نشر النظرية الثورية الخضراء، وفي الانتقال المستمر من العروبة الي الأفرقة وبالعكس، وفي معاناة الحصار وما سمي الصمود لأسباب لاعلاقة لها بانتمائهم الوطني أو القومي ولا بقضاياهم الحقيقية، وصرفت الملايين من ثروات بلادهم في الدراسات والمؤتمرات التي عقدت لتثمين أفكار الكتاب الأخضر وترجمتها، ودعم عمليات الجيش الجمهوري الايرلندي، وتأليب فصيل فلسطيني علي آخر، وصناعة الأنهار الوهمية وتنظيم المهرجانات الشعرية لمدحها، ودفع دية القتلي وشراء البراءة من عمليات تفجير الطائرات المدنية وزرع العبوات الناسفة، وستضيع سنوات أخري علي الشعب الليبي كي يعود الي نقطة الصفر، بعد اعلان سيف الاسلام القذافي رسمياً في خطبه الأخيرة سنوات حكم والده السبع والثلاثين بكل نزواتها سنوات مهدورة، وهو لايقصد من كلامه انتقاد سياسة أبيه، أو اصلاح أحوال الليبيين بقدر مايقصد تلميع صورته للحصول علي تفويض شعبي لحكمه القادم.
في فيلم (السقوط) الذي يصور الأيام الأخيرة لأدولف هتلر والرايخ الثالث، يقترح أحد قادة الحرب النازيين في اجتماع ضم هتلر وغوبلز أن تعلن ألمانيا النازية الاستسلام لوجود ثلاثة ملايين جريح في برلين وحدها، فيرد عليه غوبلز: هم أعطونا تفويضاً وعليهم أن يدفعوا الثمن!! وعلي الليبيين الذين أعطوا تفويضاً للقذافي الأب باهدار سبع وثلاثين سنة من أعمارهم، بنزولهم للشوارع والهتاف بحياته وحياة ثورته، أن لا ينزلوا اليوم الي الشوارع لاعطاء تفويض جديد لوريثه، مهما كانت اليافطات، وأياً تكن الشعارات!
.. بالمناسبة الكلام لايعني ليبيا وحدها!!