الى المسيحيين في لبنان

المطران جورج خضر   النهار

"مملكتي ليست من هذا العالم". كلام للمعلم ينبغي ان يكون كلامكم. ليس هذا موقف اليهود لما كانوا على العهد القديم وما كان التلمود قد ادخل اليهم فكرة الحياة الابدية ولم يكونوا يقولون بها ما خلا مذهب الفريسيين. اما المسلمون فيقولون بالقيامة ويؤثرون على دنياهم آخرتهم فقد جاء في كتابهم "وللآخرة خير لك من الاولى" (الضحى، 93).
ويؤكد المعلم فكره بقوله: "لست اسأل ان تأخذهم من العالم... ليسوا من العالم كما اني انا لست من العالم" (يوحنا 15: 16 و17). مما يعنيه هذا القول انكم ولو تعاطيتم السياسة الا انكم لستم من السياسة ووحدتكم ليست فيها وتاليا لا تؤلفون بعضكم الى بعض كتلة منها. وليس لكم فيها موقف واحد. ولستم كتلة فيها لان تكتلكم واحد وهي انكم جسد المسيح بمعنى انكم تجيئون من السماء التي هو جالس فيها وتكونون اعضاء فيه ومن حيث انكم جسده فهو اياكم مجتمعين فيه وليس لكم اجتماع من نوع آخر.
واية كانت العلاقة بالسياسة في اجتهاد المجتهدين، فاليهود (قبل الصهيونية) والمسيحيون والمسلمون كل منهم يقول عن نفسه انه اجتماع ديني. فكل من العبرانيين والمسيحيين يقول عن نفسه انه جنس مختار وكهنوت ملوكي وامة مقدسة (1 بطرس 2: 9) والشعب المختار لا دلالة عنصرية له ولا امتياز. انه اختيار النعمة الالهية وتحميل الكلمة بلا تفويض بالتبليغ او التبشير عند اليهود وبتفويض بالبشارة عند المسيحيين. واهل الاسلام قال لهم ربهم: "كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" (آل عمران 11,1). فالمعنى ليس انكم جوهريا خير امة ومنكم من عصا ولكن اذا تمسكتم بالكلام الالهي والسلوك الالهي تستحقون ان تصيروا خير امة.
هذا المفهوم الواحد اذا اخذنا النصوص التأسيسية وحدها يجعل هذه الجماعات لا صفة قومية لها ويبقى كل فرد منتسبا الى قومه كما يشاء.

الا ان الصهيونية في كتاب تيودور هرتسل الصادر بالألمانية السنة الـ 1896 وكما توطدت سياسياً في مؤتمر بال السنة اللاحقة صارت قومية وفي الجدالات التي قامت في دولة اسرائيل عن تحديد اليهودي واجماعهم على ان من كانت امه يهودية لم يأت ذكر عن ايمانه. الذكر للدم وليس للعقيدة. اما في المسيحية والاسلام فلا ذكر للدم. كل من هذين له عقيدة يعبر عنها المسيحي بدستور الايمان والمسلم بالشهادتين. فلسفة الانتماء واحدة اذاً عند المسلم والمسيحي. الصهيونية اذاً تكون نزعت عن اليهودية الطابع الروحي الذي كان لها. وقلّة ضئيلة من يهود العالم ليست صهيونية.
بموجب قانون العودة يحق لكل يهودي في العالم ان يتخذ الجنسية الاسرائيلية. هذا ليس قائماً في اية دولة اسلامية او مسيحية. من هذه الزاوية كل يهودي اسرائيلي بالطاقة متى شاء يصبح اسرائيلياً بالفعل.
في هذا المناخ القائم في المنطقة لا بد ان اذكّر اخوتي المسيحيين في بلدنا انهم لبنانيون من جهة وطنيتهم، مسيحيون بسبب من معموديتهم وان النطاقين لا علاقة للواحد منهما بالآخر. واضيف الى هذا تذكيراً - ان مسيحيتهم لا تزيد شيئاً على لبنانيتهم التي يشاطرها آخرون بالعمق نفسه وبالقوة نفسها واللبنانية تبدأ بنقطة من التاريخ عند هذا وتتخطى اخرى عند ذاك حتى وصلنا بعد عسر الى اللبنانية. تبقى مشكلة المودّات الخارجية عند بعض ومشكلة الولاءات عن بعض وهي غاية في الدقة. لن اخوض في هذا الآن لاني اتكلم فقط على المسيحيين ولست ارى فاحصاً انهم من حيث انهم كتلة قد خرجوا على لبنانيتهم والمودّات ترعى ان لم تكن خائنة وقد نحتاج اليها في الضيق شريطة ان نجعلها في خدمة الوطن كله وهي غنى في الثقافة وامست ثقافاتنا في الشريحة العليا من المتعلمين واحدة او متقاربة.
على مستوى الولاء لست اشك بأحد في لبنانيته ولا في شعوره العربي الاساسي، ولا سيما ان القيادات المسيحية تبدي قلقاً شديداً مما وصلنا اليه من اوضاع. لكن احداً منا لا يحق له ان يحاكم الآخر على نياته وان يحاسبه على ماضيه فالكثيرون في كل شريحة عرفوا النقص في لبنانيتهم او النقص في الانتماء الشعوري الى العروبة.
واذا كنا في حركية واحدة الى المستقبلات أي بنيان لبنان الجديد كما عرفه الدستور فلا معنى ولا جدوى للتسابق الا ان نتسابق على الخيرات كما تدعونا الى ذلك العبارة القرآنية (تنافسوا في الحسنى يقول بولس الرسول). ولست أظن ان أحدا يهمشه الآخرون ما لم يهمّش هو نفسه واذا كان ثمة من وقائع واضحة فنناجي كل منا الآخر ليقوم العدل وليجيء الوطن المواهب التي كانت محجوبة.
اخوتي المسيحيين مع ذلك كله لا تكونوا مسمّرين على السياسة فليست هي كل شيء ولا هي أهم الاشياء في دنياكم نفسها. المسيح هو أعظم ما في دنياكم قبل ان يحل الملكوت. وعند كباركم في محبته ليس هو فقط أعظم كل شيء ولكنه كل شيء لكل واحد منكم. وعلى هذا اعملوا في حياتكم على كل ما هو حق وجميل وافهموا الانجيل في بهائه وقوته حتى تنحتوه في حياتكم الوطنية. ولا تتركوا السياسة للزعماء فقط بل تعاطوها بقوة واخلاص وصدق وطهارة. فهذه الفضائل يمكن ان تجتمع فيها. وكونوا قدوة وكونوا طاهرين فقد دعاكم ربكم الى ان تكونوا الخميرة التي تخمّر العجينة كلها والنور الذي يضيء في العالم ليستضيء كل انسان. ولا كبرياء في ذلك لأن هذا النور تستمدونه من النور الأزلي.
واذا رأيتم عند قادتكم صداقات خارجية فلا يعني هذا ان ترتاحوا الى هذا السفير او ذاك ولكنه يعني ان تسمعوا كل شيء وتتمسكوا بالافضل وان تصغوا باذن لبنانية وتتكلموا بلسان لبناني على ألا تذهبوا الى انكم فئة مغلقة. فاذا كان الزوج العفيف لا يكتم شيئا عن زوجته فالقيادات المسيحية مفتوحة على كل القيادات لانكم اذا منحتم الآخرين الثقة فهم يردونها اليكم. ففي الاسلام الاصيل مودة لنا فاذا تكاشفتم انتم والمسلمون فهم ايضا يتكاشفون حتى نصل معا الى رؤية ان الانسانية الطيبة والفهيمة بآن هي التي تبني البلد. ذلك لأننا معا اذا أجيز لي تفسير التنزيل نحن والمسلمون خير أمة أخرجت للناس لأننا في الاقل ننوي ان ندعو الى المعروف وننهى عن المنكر.
وفيما أكتب هذا، أحس ان قلمي انجر الى ان أتحدث عن المسلمين والمسيحيين معا بعد ان صممت على أن أتوجه الى المسيحيين وحدهم اذ الحقيقة في بلدنا اننا نحيا معا وقد أثبتت الحرب الاخيرة التي شنت علينا اننا نموت معا.
واذا تذكرتم يا اخوتي المعمّدين ان المسيح قد غلب الموت فأي شيء تخشون. اما اذا علمتم بذلك فأنتم قياميون الى أي كنيسة انتميتم ببهاء بيزنطي او تواضع غير بيزنطي كلكم يرتل في الفصح والآحاد: المسيح قام من بين الأموات. واذا هاجمكم العدو مرة ثانية سوف يرى من بطولتكم او قناعاتكم انكم أحياء مع الاحياء لعلمكم بصدق قولة يسوع: "لا تخافوا ممن يقتل الجسد، لن يستطيع أحد ان يمس خلاصكم وانتم قد أدركتموه بالحب. يا اخوتي المسيحيين انتم وطن الحب وكل شيء آخر هو من الشرير وسوف ينجينا الله في كل محنة من مملكة الشر ليقيمنا على أرائك المحبة.