لبنـــان: الدولة والمقاومة

د. حسن حنفي    الاتحاد

 

فرح الجميع عندما رفرفت أعلام لبنان في الشوارع وفي ميدان الشهداء فيما سمي فيما بعد بحركة "14 آذار"، وشجرة الأرز الخضراء وإطارها الأبيض والأحمر تملأ سماء لبنان وتنتشر فوق أرضه. نزل الآلاف إلى الشوارع دفاعاً عن استقلال لبنان ضد وجود قوات "أجنبية" على أرضه، وتأكيداً لسلطة الدولة والاستقلال السياسي. وكان العرب قد عانوا من غياب الشارع العربي بالرغم من تفاقم الأزمة الوطنية إلى حد الكارثة في العراق وفلسطين لولا نزول المصريين أيضاً إلى الشارع ممثلين في الحركات الجديدة للمجتمع المدني، والكتاب والفنانين والمثقفين الوطنيين دفاعاً عن المقاومة في العراق وفلسطين.

واختلف الناس في دوافع الحركة الوطنية اللبنانية وأهدافها، وطنية أم تآمر؟ هل هي دفاع عن استقلال لبنان أم بداية تحقيق مشروع "الشرق الأوسط الجديد" بتقليص دور أطراف في المنطقة؟ بناء لبنان أم بداية تدمير لبنان؟ ولما انسحب الجيش السوري من لبنان كان يمكن لبطاريات صواريخه الدفاع عن سماء لبنان ضد العدوان الإسرائيلي الأخير الذي دمر لبنان الدولة والمجتمع. كان يمكن أن تدخل سوريا الحرب ونخفف العبء على المقاومة اللبنانية وعدم ترك لبنان وحيداً.

كانت الأنظار الغربية موجهة فقط ضد وجود القوات السورية في لبنان دون وجود القوات الإسرائيلية في مزارع شبعا وكفر شوبا، ودون العدوان المستمر عليه، واختراق أجوائه الفضائية، ومياهه الإقليمية، وعمليات الإنزال في مطار بيروت لتصفية المقاومة اللبنانية. ولم يكن من الأهداف الحفاظ على استقلال لبنان وهويته ضد التبعية للولايات المتحدة الأميركية ومشاريعها في الهيمنة على المنطقة بداية بالعراق ثم فلسطين ثم لبنان ثم سوريا ونهاية بمصر. وطالما نقد العرب المعيار المزدوج في الغرب، والكيل بمكيالين بين فلسطين والكيان الصهيوني. وتقع الحركة أطراف في لبنان في نفس الفخ، استقلال وطني بالنسبة لسوريا، وتبعية ورضوخ بالنسبة لأميركا.

وبعد انتصار المقاومة الوطنية في الجنوب، وتبديد وهم الجيش الذي لا يقهر، وسقوط الصواريخ على المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة، وعودة الثقة إلى المقاتل العربي في أطول حرب عربية إسرائيلية منذ نشأة الكيان الصهيوني، وتكبيده أكبر الخسائر البشرية والمادية في تاريخه، البعض يطالب ببسط نفوذ الدولة على كامل أراضيها. وتحولت الاهتمامات من مناهضة سوريا إلى مناهضة المقاومة ممثلة في "حزب الله" والتي لم تشارك فيها الحركة ونخبها السياسية المتقلِّبة المزاج والأهواء والمصالح. فأين كانت سلطة الدولة أثناء احتلال الجنوب والشريط الحدودي وتكوين دولة داخل الدولة، وجيش داخل الجيش، جيش لبنان الجنوبي التابع لإسرائيل والذي انهار وفرَّ معظمه إلى إسرائيل بعد انسحابها من الجنوب ليلاً تحت ضربات المقاومة؟ أين كانت سلطة الدولة على مزارع شبعا وكفر شوبا وعلى سماء لبنان ومياهه الإقليمية وكامل أراضية الوطنية، بجباله وسهوله، ضد محاولات الاختراق والإنزال واحتلال الأراضي؟ أين كانت سلطة الدولة أثناء الحرب الأهلية التي دامت أكثر من خمسة عشر عاماً بين المليشيات والقوى السياسية المتناحرة للسيطرة على الدولة لولا اتفاقية الطائف؟ ولماذا تكون سلطة الدولة موجهة فقط ضد المقاومة الوطنية في جنوب لبنان ممثله في "حزب الله" وليس ضد باقي القوى الوطنية في كل الأراضي اللبنانية في الجنوب والشمال، قواعد "الجبهة الشعبية"، و"الجبهة الديمقراطية"؟ وماذا عن السلاح المخبأ والمنتشر لدى ما تبقى من ميليشيات الحرب الأهلية؟ وأين سلطة الدولة مع محاولات التطبيع مع إسرائيل؟

ربما كانت الدولة على علم بنية المقاومة، أسر بعض جنود العدو الصهيوني للإفراج عن الآلاف من المعتقلين اللبنانيين والفلسطينيين والعرب في سجون العدو، وبعضهم قضى فيها أكر من ربع قرن. فـ"حزب الله" ممثل في الحكومة. وله أعضاؤه في المجلس النيابي. ولم يرفض أحد الفكرة والأسلوب. أما الإخطار بتحديد الزمان والمكان للعمليات العسكرية فهذا ما تأباه طبيعة الحروب في وقت لم تعد فيه أسرار عسكرية بسبب وسائل الاتصال الحديثة والقدرة على جمع المعلومات من كل طرف عن الطرف الآخر. وفرق بين بيروقراطية الدولة وأوراقها وأختامها والمقاومة الوطنية التي تقوم على عنصر المفاجأة.

وبدلاً من تهنئة المقاومة بالنصر ودرء العدوان الصهيوني على جنوب لبنان بدأ الحديث عن تصفيتها وإنجاز ما لم يستطيع العدو إنجازه بالسلاح ولا الولايات المتحدة من خلال مجلس الأمن. بدأت البعض بالدعوة إلى نزع سلاح "حزب الله" وهو ما لم يطالب به العدو الصهيوني بعد أن أدرك حدود قدراته مكتفياً بإبعاده عن الجنوب أو إضعافه. وهو ما لا ينص عليه قرار مجلس الأمن الأخير 1701 المنحاز إلى إسرائيل أصلاً. وأرادت البعض تحويل العرس إلى مأتم، والفرح إلى حزن، والوحدة الوطنية إلى حرب أهلية، والنصر إلى هزيمة.

المطالبة بنزع سلاح "حزب الله" الآن والحرب لم تضع بعد أوزارها، والعدوان الإسرائيلي مازال مستمراً كما بدا في حركة الإنزال الأخيرة في البقاع، والجيش الإسرائيلي مازال محتلاً للجنوب، ومزارع شبعا وكفر شوبا لم تتحرر بعد ليست ضرورة وطنية، حتى لوكانت من أجل إدخال لبنان المدمر في مشروع الشرق الأوسط الجديد. ولا يُخفي قادة الكيان الصهيوني نياتهم الاستعداد للجولة الثانية لاستعادة هيبة الجيش، وأسطورة العدو الذي لا يقهر، وهيبة إسرائيل القادرة على إملاء شروطها على العرب، وتدفعها أميركا إلى ذلك، وتعد لها الغطاء الشرعي عن طريق قرار جديد من مجلس الأمن، يطالب بنزع سلاح "حزب الله" وجعل الجنوب اللبناني منزوع السلاح، وإعطاء قوات الطوارئ الدولية مهام قتالية دفاعاً عن إسرائيل، اعتماداً على البند السابع من الميثاق. فدعوة البعض إلى نزع سلاح المقاومة هو تنفيذ للمخطط الإسرائيلي الأميركي، وانحياز صريح لأعداء لبنان.

والأخطر من ذلك هو نزع صفة الوطنية عن المقاومة، وتصور "حزب الله" تابعاً. والمقاومة الوطنية بطبيعتها لا تكون تابعة لأحد لوجود تناقض رئيسي بين الاستقلال والتبعية. وهي نفس قراءة أميركا وإسرائيل لنزع الشرعية عن المقاومة الوطنية للاحتلال الإسرائيلي للجنوب وكذريعة للهجوم على دول في المنطقة. وقد اتُّهم عبدالناصر بأنه عميل الاتحاد السوفييتي لمجرد أنه كان يمده بالسلاح لمقاومة العدوان الإسرائيلي. كما اتُّهمت من قبل كل الحركات الوطنية بنفس الاتهام في كوبا وفيتنام.

إن عظمة لبنان في الوطن العربي أن المجتمع المدني فيه أقوى من الدولة، ويضرب به المثل في التعددية السياسية. فلماذا يريد البعض القضاء على أهم سمة في لبنان والتي نود نحن العرب أن نكون مثلها، وأن تكون مجتمعاتنا المدنية أقوى من نظمنا السياسية بدلاً من السيطرة شبه المطلقة للدولة على المجتمع المدني؟ وإذا كان لبنان يمثل نموذج أولوية المجتمع المدني على الدولة فإن النظام العربي في مجموعه يمثل أولوية الدولة على المجتمع المدني. وتشارك العراق وفلسطين الآن في النموذج اللبناني، أولوية المجتمع على الدولة. لذلك تزدهر المقاومة.

إن المقاومة اللبنانية مقاومة وطنية تستعيد بها روح الخمسينيات والستينيات، روح "جيفارا" و عبدالناصر وغيرهما. ويجب أن تجمع بين الوطنية والعروبة والإسلام في نظرية الدوائر الثلاث التي صغناها في عصر التحرر الوطني وتخلينا عنها وتطبقها إسرائيل الآن. عدوها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وظهيرها العرب والمسلمون والمسيحيون ومجموع دول الشرق وأحرار الغرب. هدفها تحرير الأراضي العربية المحتلة وإزالة آثار العدوان. وإذا كان الشعب العربي في لبنان وفي باقي أرجاء الوطن العربي مع المقاومة فلا تضيره المؤامرات عليها. وسيحافظ على وحدته وانتصاراته ضد دعاة التفرقة والهزيمة. وسيظل لبنان منارة للعلم والفكر منذ فجر النهضة العربية في بر الشام وبر مصر.