احياء القناة السورية: ليس لدي الجمعية الخيرية مَن يكاتبها!

صبحي حديدي  القدس العربي

 


الخبر الأول يقول ان السلطات الاسرائيلية باشرت العمل في مشروع جديد عملاق لانشاء مجمع مياه ضخم في هضبة الجولان السورية المحتلة (سنة 1967، ثم للمرة الثانية سنة 1973)، سوف يكون الرقم 19 في عدد مجمعات المياه التي أقامتها الدولة العبرية بهدف تحسين شروط الري في مزارع المستوطنات وتخفيف ضخ المياه من بحيرة طبرية. ويتم العمل في هذا المجمع الجديد علي مرأي ومسمع قوات الفصل، الـ
UNDOF، التابعة للأمم المتحدة والتي تكتفي بتسجيل تقارير روتينية عن هذا الخرق الفاضح لاتفاقية الفصل التي وقعتها سورية واسرائيل في خيمة سعسع، سنة 1974.
الخبر الثاني يقول ان مجموعة مجهولة تطلق علي نفسها اسم رجال المقاومة السورية الوطنية في الجولان السوري المحتل ، أعلنت عزمها علي الاقتداء بنموذج حزب الله في أسر جنود اسرائيليين في الجولان المحتل، لمبادلتهم بأسري سوريين تحتجزهم الدولة العبرية منذ ربع قرن. وقالت المنظمة، في بيان تلقاه مكتب وكالة أنباء يونايتد برس انترناشنال في دمشق، ان النموذج اللبناني، نموذج حزب الله، لن يكون ببعيد عنا في التنفيذ والاعداد لاطلاق سراح أسرانا . كما أوضح البيان الدافع الرئيسي وراء هذا التحرك الجديد، كما يلي: استمرار سلطات الاحتلال الصهيوني باعتقال رفاقنا منذ 22 عاماً يدعونا للعمل وبذل المساعي لاطلاق سراحهم .
والحال أن الخبرين ينفعان، النفع الأكبر ربما، في شحذ ذاكرة ـ وتشذيب حجة ـ القائلين اليوم باحتمال استئناف مفاوضات سورية ـ اسرائيلية تسفر عن توقيع اتفاقية سلام يكون في طليعة بنودها انسحاب من، أو انسحابات في، الجولان. الخبر الأول يذكرنا بحقائق الاستيطان الصلبة، علي الأرض وما في بطنها وفي سمائها أيضاً، حيث لا يبدو الانسحاب من الجولان شبيهاً بأي انسحاب اسرائيلي سابق من أية أرض عربية محتلة، وحيث لا يمكن لاتفاقية سلام سورية ـ اسرائيلية أن تشبه اتفاقية كامب ديفيد أو اتفاقية وادي عربة. الخبر الثاني يذكرنا، اذا صح محتواه ولم يكن تلفيقاً استخباراتياً من جانب النظام السوري، أن الأمر أكثر اثارة للبهجة من أن يكون صحيحاً في جانب، ولكنه جد قليل/ جد متأخر في جانب ثانٍ.
ذلك لأن كل يوم يعقب العدوان الاسرائيلي البربري علي لبنان، انما يؤكد ـ بثبات تصاعدي يثير العجب أحياناً ـ نقيض النظرية التي عدت النظام السوري في صف الرابحين من تلك الحرب، خصوصاً في المآل المزدوج الذي انتهت اليه الحرب: ما أنجزه صمود المقاومة اللبنانية والشعب اللبناني بأسره، وما تكبدته الدولة العبرية من خسائر فادحة غير مسبوقة في تاريخ حروبها مع الأنظمة العربية. واذا كان النظام لا يبدو وقد انتهي علي شاكلة أنصاف الرجال و أنصاف المواقف من القادة العرب الذين لاموا حزب الله أو وقفوا متفرجين علي صموده فحسب (هؤلاء تدبروا أمرهم الآن، أفضل بكثير كما يبدو، واستعادوا المبادرة حتي مع طهران!)، فانه في الآن ذاته لا يبدو وقد انتهي الي أية حصيلة عملية ملموسة تفيد الرجولة الكاملة أو الموقف الكامل، ولندعْ جانباً أي مكسب سياسي دسم سمين، أو حتي غث هزيل.
مسعي النظام الي مصادرة منجزات المقاومة اللبنانية، بعد تحويل عذابات اللبنانيين الي أضحيات بالنيابة، انتهي الي كاريكاتور يثير الشفقة حقاً، مثاله هذا الخبر الذي أوردته وكالة الأنباء السورية الرسمية، سانا : جماهير حاشدة من أبناء الضاحية الجنوبية اعترضت موكب الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، وأجبرته علي اختصار زيارته، وكانت تهتف: تسقط اسرائيل... تحيا سورية! هكذا، فقط لا غير، ولا جماهير البتة تهتف بحياة لبنان، أو بحياة حزب الله ، أو أمينه العام حسن نصر الله! اذا لم تستحِ فافعل ما تشاء، قد يقول قائل، ولكن أيضاً: ماذا تفعل اذا كان كل ما في وسعك أن تفعله في لبنان ما بعد العدوان الاسرائيلي البربري هو هذا، ولا شيء سوي هذا!
وأما رياضة حرق ما تبقي للنظام من صلات اقليمية مع المملكة العربية السعودية ومصر (وهي، في نهاية المطاف، بعض ارث حافظ الأسد وليس بشار الأسد)، فانها أرضت شهوة النظام الي اهراق اللغة الخشبية وممارسة التنظير والقاء العظات. وهي، للانصاف، أشبعت أيضاً نهم البعض (من طراز دراويش الناصرية الميتافيزيقية ويتامي جمهورية الفاكهاني البيروتية) الي انتصارات لفظية ديماغوجية تداوي الهزائم والجراح النرجسية، حتي في مستوي البلاغة الطنانة الرنانة ليس أكثر. ولقد رأينا كيف أن وزير دعاية النظام السوري، ثم بعده وزير الخارجية، تصببا عرقاً وسفحا الكثير من ماء الوجه وهما يحاولان تلطيف تلك التصريحات التي تصف أنصاف الرجال وأنصاف المواقف والمنتجات الاسرائيلية، دون جدوي في الواقع.
مكسب مع ايران، قد يقول قائل ممن يؤمنون بوجود، أو حتي احتمال نشوء، ذلك القوس الشيعي الذي ينطلق من طهران (أم من مدينة قم؟)، ماراً ببغداد (أو البصرة، بالأحري؟)، ثم دمشق (السيدة زينب، باديء ذي بدء؟)، فالجنوب اللبناني (ماراً بالضاحية؟ أم بعلبك؟)، واصلاً الي غزة في فلسطين (وهنا لا يملك المرء مرجعية جغرافية محددة!)... ولكن اذا صح أن الاحتلال الأمريكي للعراق، فضلاً عن تسعة أعشار سياسات البيت الأبيض في المنطقة عموماً والخليج خصوصاً، هي التي حولت وتحول ايران الي قوة اقليمية، فلماذا يتوجب أن تكون هذه القوة شيعية بالضرورة والتعريف؟
وثانياً، لماذا يتوجب أن تظل القوة اياها شيعية المحتوي في بلدان ذات أغلبية غير شيعية (لكي يتابع المرء هذه المقاربة المذهبية، علي سبيل المناقشة فقط)؟ وثالثاً، اذا لم يكن النظام السوري جمعية خيرية في البحث عن مصالحه، كما يردد وزير الخارجية السوري مقتبساً عبارة الأسد الابن، فلماذا يتوجب أن تكون ايران جمعية خيرية تغدق الهبات الاقليمية علي النظام السوري دون مقابل؟ وفي هذه الحال، أي مقابل يملك النظام مبادلته مع طهران؟ وأي مقابل ايراني محدد يخدم النظام في معركته الدبلوماسية لاستعادة الجولان المحتل تحديداً؟
وفي ما يخص هذا الملف الأخير، الجولان المحتل، يزعم بعض أهل النظام بأن أي استئناف للمفاوضات مع اسرائيل ينبغي أن يبدأ من حيث انتهت جولات التفاوض الأخيرة أيام الأسد الأب وما قبل قمة جنيف مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، أواخر آذار (مارس) 2000 ولكن... هل كانت اسرائيل هي الطرف الخاسر تلك الساعة، في تلك المرحلة من التفاوض، لكي يصر النظام علي التمسك بها هكذا؟ الوقائع تفيد العكس تماماً، اذْ نعرف مثلاً أن جدول أعمال مفاوضات شبردزتاون (بين وزير الخارجية السوري السابق فاروق الشرع ورئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك ايهود باراك) كان يسير في معظمه وفق الأولويات الاسرائيليـــــة، وليس السورية.
بين تلك الأولويات ما يلي: العلاقات السلمية الطبيعية (التطبيعية، في العبارة الأوضح)، والتريتبات الأمنية (ما ستحصل عليه الدولة العبرية من الولايات المتحدة لقاء الانسحاب من كل أو معظم أراضي الجولان)، والمياه (تحكم الاسرائيليين المطلق، أو الشراكة التي لا تختلف عن التحكم المطلق، بمنابع بانياس والضفة الشرقية من نهر الأردن والضفة الشمالية ـ الشرقية من بحيرة طبرية والضفة الشمالية من نهر اليرموك)، والحدود الدولية (في اطار الفارق بين حدود الانتداب التي رُسمت في العام 1923 وحدود 1967 كما رسمتها الحرب. والفارق هذا ليس أكثر من 16 كم مربع كانت تحت السيادة السورية في عام 1967، مقابل 50 كم مربع من المنطقة منزوعة السلاح قضمتها الدولة العبرية علي دفعات بعد حرب 1948).
ونعرف أيضاً أن الدولة العبرية طالبت بما هو أبعد ـ وأبعد بكثير في الواقع ـ من مجرد فتح الخزانة الفيديرالية الأمريكية أمام تعويضات بمليارات الدولارات، تُدفع لمستوطني الجولان الذين سينزحون عنها في حال انسحاب الجيش الاسرائيلي. ما طلبته الدولة العبرية لم يكن أقل من احياء الأفكار القديمة حول اتفاقية دفاع مشترك أمريكية ـ اسرائيلية، يفرضها اعتباران استراتيجيان حاسمان:
1 ـ صحيح أن الجيش السوري ضعيف ومتدني العدة والتدريب، وأنه لم يعد يشكل خطراً عسكرياً كبيراً علي الدولة العبرية، وأن الانسحاب الاسرائيلي من الجولان لن يقوي شوكة هذا الجيش في أية حال. ولكن من الصحيح أيضاً أن الجيش السوري ما يزال يملك صواريخ بعيدة المدي، مؤهلة لحمل رؤوس كيماوية، وأن وصول هذه الصواريخ الي حيفا ويافا وتل أبيب لا علاقة له بالانسحاب من الجولان. المطلوب، تالياً، الذهاب بالقدرة الردعية الاسرائيلية الي مداها الأقصي، والي النقطة التي يقول فيها رئيس الأركان الاسرائيلي انه في وضعية تتيح له ضمان أمن الدولة العبرية بالمطلق.
2 ـ صحيح أن الدولة العبرية تحتكر اليوم السلاح النووي في المنطقة، ولكن هذا الاحتكار لن يدوم الي الأبد، والمنطقة مرشحة في العقود القادمة من هذا القرن لامتلاك السلاح النووي (في ايران أولاً، وأساساً). ذلك يقلب كامل المعادلة الاستراتيجية، ويحتم علي الولايات المتحدة اتخاذ كل (نعم: كل!) الاجراءات التي تكفل أمن الدولة العبرية ازاء الأخطار النووية.
ونعرف، أخيراً، أن اللائحة الاسرائيلية لضمان ذلك الأمن (وهي، في عبارة أخري، الثمن الاسرائيلي للقبول بـ سلام الشجعان ) تتضمن مساعدة أمريكية (مالية ـ عسكرية) طويلة الأمد، ينبغي أن تزداد من 1.29 الي 2,4 مليار دولار دفعة واحدة؛ وضمانات أمريكية قصوي حول فعالية أنظمة التفتيش عن الأسلحة المحظورة في الشرق الأوسط (باستثناء الدولة العبرية!)، وضمانات لتقديم مساعدات طارئة فورية في حال وقوع أزمة تهدد الدولة العبرية، علي غرار ما جري في حرب تشرين وحرب الخليج الثانية؛ وتمكين الدولة العبرية من الاطلاع علي التكنولوجيا العسكرية الأمريكية المتقدمة، بما في ذلك تلك الأسلحة التي لا تقدمها أمريكا حتي لحلفائها في الناتو، وضمان تدفق النفط الي الدولة العبرية، في حال وقوع أزمة.
في تلك الأيام كان المطبلون لـ سلام الشجعان هذا يبشروننا بأمرَين: أن المفاوض السوري سوف يلحق هزيمة نكراء بالمفاوض الاسرائيلي، أين منها هزائم الأنظمة العربية أمام الدولة العبرية في ساحات القتال، وأن سلام الشجعان اياه سوف يتمخض عن وليد اعجازي هو البيريسترويكا السورية : ليبرالية اقتصادية، انفتاح، شفافية، تقويض لنظام الحزب الحاكم الواحد، الخ... الخ... ولقد تكفل اشتداد المرض باقناع الأسد الأب أن ملف توريث ابنه بشار هو الأهم، بل من غير الحكمة توريث الفتي اتفاقية كهذه محفوفة بالأخطار مزروعة بالألغام، خصوصاً في غابة الذئاب الكاســـــرة هذه التي سيستلمها الوريث. كما تكفل الملف ذاتـــه بارسال المطبلين بـ بيريسترويكا سورية الي سلة مهملات التاريخ، ليس بعد وأد ما سُمي بـ ربيع دمشق فحسب، بل قبل هذا الموعد، أو منذ بدء البدء في واقع الأمر.
واذا كان المرء، السوري خاصة، لا يأمل في ولادة حركة مقاومة شعبية حقة لتحرير الجولان الا اقتراناً بأمل خلاص سورية من نظام الاستبداد والعائلة والنهب والفساد، فان من المحزن للمرء ذاته أن لا يري أي أفق قريب يمنع اسرائيل من انشاء مجمع المياه الـ 20 في أي من وديان الجولان المحتل.