الحفاظ على الأمل حتى عند فقدان الأمل ... من أجل اتفاقية دولية ضد الاختفاءات القسرية

فيليب شبوري: مدير القانون باللجنة الدولية للصليب الأحمر، جنيف
( الحياة ) : 31/8/
2006

في 30 آب (اغسطس)، اليوم العالمي للمختفين، نتذكر أولئك الذين خطفوا أو وضعوا في أماكن سرية للاحتجاز أو عذبوا أو قتلوا في بعض الأحيان. كما نقف إجلالاً لشجاعة العائلات التي عاشت في الظلام حول مصير أقاربها. ولنغتنم أيضاً هذه الفرصة للتفكير في كيفية منع وقوع الاختفاءات القسرية في المستقبل.
يعد الاختفاء القسري جريمة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان وبموجب القانون الدولي الإنساني إذا حدث أثناء الحرب. وهو يعادل القضاء على وجود شخص ما وحرمانه من الحماية الأساسية التي يحق لكل شخص أن يتمتع بها بصرف النظر عما إذا كان مذنباً أو بريئاً. فهو انتهاك لحقوق ذلك الشخص وحقوق أسرته. أما الضرر الذي يصيب شخصاً اختفى قريبه، على خلاف شخص توفي قريبه، ويواصل الحفاظ على الأمل حتى مع فقدان الأمل، فهو ضرر بالغ ودائم؛ يؤثر ليس على الأفراد فحسب وإنما على المجتمعات التي يعيشون فيها.
ومن المحزن أن عمليات الخطف التي تأمر بها الدول أو تدعمها والاحتجاز السري وعمليات القتل من دون محاكمة ليست جديدة. إنها جرائم ارتكبت في شكل متكرر في جميع القارات طوال التاريخ وما زالت ترتكب حتى هذه اللحظة. وتفيد الأمم المتحدة أن قرابة 50 ألف اختفاء قسري وقع منذ عام 1980 في ما يزيد على 90 بلداً من بلدان العالم. فقد طلب فريق العمل التابع للأمم المتحدة المعني بالاختفاءات القسرية أو الطوعية العام الماضي من الحكومات التحقيق في أكثر من 550 حالة جديدة.
وعلى رغم هذا لم تسند مسؤولية هذه الأفعال سوى إلى أناس قلائل ممن ارتكبوها. إن الإفلات من العقاب أو عدم تحقيق العدالة يخلقان مناخاً اجتماعياً يفقد الثقة في المؤسسات وبالتالي يؤدي إلى انعدام الاستقرار. وإذا لم تتم معاقبة الذين يمارسون الاختفاءات القسرية فإن ذاكرة المختفين ستنتاب المجتمعات التي تخفي مثل هذه الأفعال.
لقد كافحت عائلات المختفين في العالم ضد هذا الإفلات من العقاب عقوداً كثيرة. وحافظت على ذاكرة أقاربها حية بطلب الإجابات على أسئلتها، والعمل في الوقت ذاته على منع الاختفاءات في المستقبل. وتعد المطالبة المتزايدة بمعاهدة دولية جزءاً من كفاحها.
وبعد 25 عاماً من الحملات التي تديرها العائلات اعتمد مجلس حقوق الإنسان الجديد التابع للأمم المتحدة في 29 حزيران (يونيو) 2006 الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. وستُحال المعاهدة الآن إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة كي تصادق عليها الدول. وتتضمن الاتفاقية الجديدة حظراً مطلقاً للاختفاءات القسرية في وقت السلم وفي وقت الحرب. كما تنص على أن ما من شخص يمكن أن يوضع خارج حماية القانون أبداً. وتفرض الاتفاقية على الدول تجريم الاختفاء القسري وتتضمن إجراءات مثل تسجيل المحتجزين ومنحهم الحق في المثول أمام المحكمة والاتصال بمحاميهم وعائلاتهم. ومن الأهمية بمكان أنها تضع آلية دولية لمراقبة تقيد الدول بالتزاماتها بموجب الاتفاقية وإجراء لتوجيه نداءات عاجلة يمكن اللجوء إليه حيثما اشتبه في وقوع اختفاء قسري.
وقد يذهب المتشائمون إلى القول إن هذه مجرد اتفاقية أخرى وإنها لن تكون كافية لمقاومة الاختفاءات القسرية. لكن وعلى مر السنين شاهدنا تطوراً تدريجياً للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان له تأثير إيجابي لم يكن أحد يجرؤ على تصوره قبل خمسين عاماً مضت. إن تنظيم حقوق الأفراد وواجبات الدول بجلاء يساعد على رسم حدود واضحة بين قاعدة القانون والأعمال التعسفية.
ولآليات المراقبة الدولية تأثير أيضاً. ففي الدورة الأولى لمجلس حقوق الإنسان الجديد التابع للأمم المتحدة في حزيران 2006 أدلت وزيرة خارجية تشيلي السيدة باولينا فيلوسو، التي اختفى زوجها في عملية كندور عام 1977، بشهادة أعربت فيها عن ثقتها بأن جهود الأمم المتحدة لمصلحة المختفين والإدانة العامة من المجتمع الدولي كان لها أثر رادع كان من شأنه أن يقلل من عدد الاختفاءات. وخاطبت السيدة فيلوسو المجلس قائلة: في لحظات التوحد والكرب، قدمت لي اللجنة بعنايتها دعماً كبيراً وأعطتني القوة لمواصلة وضع الثقة في الناس وحقوق الإنسان والمجتمع الذي يدافع عن هذه الحقوق.
أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر فتعمل من دون كلل على وقف الاختفاءات القسرية. وبالنسبة لها تعد الزيارات المتكررة للمحتجزين والعمل الذي يتم إنجازه لإعادة الروابط العائلية والإبقاء عليها أقوى الإجراءات الوقائية ضد اختفاء الأشخاص أثناء النزاعات المسلحة. فقد زار مندوبوها العام الماضي نحو 2500 مكان للاحتجاز في قرابة 70 بلداً، واستفاد من هذه الزيارات ما يناهز النصف مليون محتجز. كما تابعوا أحوال ما يزيد على 46 ألف محتجز تمت زيارتهم سابقاً مما ساعد في تبادل قرابة 100 ألف رسالة شخصية بين المحتجزين وذويهم.
إن طلبات العائلات الحصول على إجابات وجهودها المبذولة حفظاً لذاكرة المختفين يحظى منَّا بالإعجاب والاحترام. إن نضالها الدؤوب للتعويض عن الظلم ومنع مثل هذه الأفعال من الوقوع مجدداً في مكان آخر يستحق دعم مجتمع الدول والجمهور في شكل عام. فالاتفاقية الجديدة ستدخل إجراءات ملحِّة جداً للحيلولة دون الاختفاءات القسرية في المستقبل. وبالتالي ينبغي أن تعتمدها الجمعية العامة للأمم المتحدة بسرعة وأن يصادق عليها عدد كبير من الدول.